mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
شمس
مشرفة

شمس غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,075
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي مفهوم الشعر العربي.. رؤية فلسفية

كُتب : [ 11-30-2017 - 04:46 AM ]


مفهوم الشعر العربي.. رؤية فلسفية








إنّ دراسة الشِّعْر عند فلاسفة العرب لا تتّضِح إلا في ضوء جهود فلاسفة اليونان القدماء، ذلك أنّ الثقافة الفلسفية العربية تدين للثقافة اليونانية التي تلقّفها بعض المسلمين وأفاضوا في تفسيرها والإضافة إليها والاستدراك عليها أحيانًا، لذلك فإنّ الأدباء والنقاد والبلاغيين -منهم- تأثّروا تأثّرًا بالغًا بهؤلاء القدماء، وعلىٰ رأسهم: سقراط وأفلاطون وأرسطو؛ حيث بدا هذا التأثّر واضحًا بموروثهم، لا سيما بكتاب «فن الشعر» لأرسطو، وبخاصة بعد أن قام متىٰ بن يونس سنة 328هـ بترجمة هذا الكتاب، ومنذ ذلك الوقت توالت التلخيصات والشروح، وتعدّدت الترجمات لهذا الكتاب.

وعلى الرغم من كثرة تلك الشروحات والجهود المبذولة في فلسفة الأدب والشعر على وجه الخصوص، إلا أنّ تراث فلاسفة المسلمين وصل إلينا ناقصًا، فلم يكن بالإمكان العثور على نصوص صريحة حول مفهوم الشعر لكل واحد منهم، إلا أنّ من هؤلاء عددًا قد نَصَّ علىٰ تعريف الشعر من وجهة نظَرِہ؛ وأبان عن ماهيَّتِه، فمِن أبرَزِ هؤلاء:

1. الفارابي:
يُطلِق الفارابي علىٰ الشعر مسمَّىٰ (الأقاويل الشعرية)، وأنّها تتألّف «من أشياء مُحاكية للأمر الذي فيہ القول»([1])، أو أنّها هي «توقِع في ذهن السامعين المحاكىٰ للشيء»([2]).

ويعرِّفہ أيضًا بأنّه: «الصناعة التي بها يقدر الإنسان علىٰ تخييل الأمور التي تبيَّنت ببراهين يقينية في الصنائع النظرية، والقدرة علىٰ محاكاتها بمثيلاتها»([3]).

ومن تعريفاتہ البارزة قوله: «الأقاويل الشعرية هي التي تركَّب من أشياء شأنها أن تخيّل -في الأمر الذي فيہ المخاطبة- حالًا ما، أو شيئًا أفضل أو أخسّ، وذلك إما جمالًا أو قُبحًا، أو جلالًا أو هوانًا، أو غير ذلك مما يُشاكل ذلك»([4]).

ويفصِّل التعريف أكثرَ بقوله: «قوام الشعر وجوهرہ عن القدماء هو أن يكون قولًا مما يحاكي الأمر، وأن يكون مقسومًا بأجزاء ينطبق بها، في أزمنة متساوية... وأعظَم هذين في قوام الشعر هو المحاكاة، وعلم الأشياء التي تكون بها المحاكاة، وأصغرها الوزن»([5]). ويُلاحَظ هنا تطرُّقہ لقضية الوزن في الشعر.

وما من فارقٍ بين هذہ التعريفات سوىٰ أنّ بعضها فيہ التركيز علىٰ الأثر الذي يُحدِثہ الشعر في المتلقّي، باعتبارہ تخييلًا؛ وبالبعض الآخر يركِّز علىٰ العلّة التي تُحدِث هذا الأثر، وهي المحاكاة؛ وفي المحصِّلة هو يركّز علىٰ الخصائص الداخلية، ثم بعد ذلك يأتي التركيز علىٰ الخصائص الشكلية، وهي الوزن وتَساوي الأشياء في الزمن([6]).

2. ابن سينا:
عرَّف ابن سينا الشعر بتعريفٍ جامعٍ فقال: «الشعر كلامٌ مخيَّل، مؤلَّف من أقوال ذوات إيقاعات متَّفقةٍ متساويةٍ متكرِّرةٍ علىٰ وزنها، متشابهة حروف الخواتيم»، ثمّ شرَعَ في شرحِ ألفاظ هذا التعريف، فقال: «فـ(الكلام) جنسٌ أوَّل للشعر، يعمّہ وغيرہ مثل الخطابة والجدل وسائر ما يشبههما. وقولنا (من أقوال مخيّلة) يصل بينہ وبين الأقاويل العرفانية، التصديقية والتصويرية علىٰ ما عرفت في صناعة أخرىٰ([7]). وقولنا (ذوات إيقاعات متفقة) ليكون فرقًا بينہ وبين النثر، وقولنا (متكررة) ليكون فرقًا بين المصراع والبيت، وقولنا (متساوية) ليكون فرقًا بين المقفّىٰ وغير المقفّىٰ، فلا يكاد يسمّىٰ بالشعر ما ليس مقفّىٰ»([8]).

ويعرِّفہ في مَوضِعٍ آخر بقوله: «الشعر من جملة ما يُخيّل ويُحاكىٰ بأشياء ثلاثة: باللحنِ الذي يُتنغَّم بہ، فإنّ اللحن يؤثِّر في النفس... فتصير محاكية في نفسها لحزنٍ أو غضبٍ أو غير ذلك. وبالكلام نفسہ، إذا كان مخيّلًا محاكيًا. وبالوزن، فإنّ من الأوزان ما يطيِّش، ومنها ما يوَقِّر. وربّما اجتمعت هذہ كلّها، وربما انفرد الوزن والكلام المخيّل، إنّ هذہ الأشياء قد يفترق بعضها من بعض، وذلك أنّ اللحن المركّب من نغَمٍ متّفقةٍ ومن إيقاعٍ قد يوجَد في المعازف والمزاهر، واللحن المفرد الذي لا إيقاع فيہ قد يوجَد في المزامير المرسَلة... والإيقاع الذي لا لحن فيہ قد يوجَد في الرقص»([9]).

ومِن تعريفاتہ -أيضًا- قوله: «الشعر هو كلام مخيّل، مؤلَّف من أقوال موزونة»([10]).

3. ابن رشد:
كان تعريف ابن رشد للشعر وبيان مفهومہ امتدادًا لما قرّرہ سابقہ ابن سينا، مع اتّباع ومماثلة؛ فهو يرىٰ أنّ الشعر يقوم علىٰ المحاكاة والتخييل، وأنّ هذان يكونان في ثلاثة أشياء في الشعر، فيقول: «والتخييل والمحاكاة في الأقاويل الشعرية تكون مِن قِبَل ثلاثة أشياء: مِن قِبَل النغم المتّفقة [وهو الذي عبّر عنہ ابن سينا بـ(اللحن)]. ومِن قِبَل الوزن. ومن قِبَل التشبيہ -نفسہ- [وهو الذي عبّر عنہ ابن سينا بـ(الكلام)]. وهذہ قد يوجد كل واحد منها منفردًا عن صاحبہ، مثل: وجود النغم في المزامير، والوزن في الرقص، والمحاكاة في اللفظ...، وقد تجتمع هذہ الثلاثة بأسْرها، مثل: ما يوجَد عندنا في النوع الذي يُسمّىٰ الموشحات والأزجال، وهي الأشعار التي استنبطها في هذا اللسان أهلُ هذہ الجزيرة([11])، إذْ كانت الأشعار الطبيعية هي ما جمَعَت الثلاثة الأمور، والأمور الطبيعية إنما توجد للأمم الطبيعيين، فإنّ أشعار العرب ليس فيها لحن، وإنما فيها إمّا وزن فقط، وإمّا الوزن والمحاكاة معًا فيها...، ولذلك ليس ينبغي أن يسمّىٰ شعرًا بالحقيقة إلا ما جمع هذين [الوزن والمحاكاة]، وأمّا تلك [الوزن فقط] فهي أن تسمّىٰ أقاويل أحرىٰ منها أن تسمّىٰ شعرًا... وكذلك الأقاويل المخيّلة التي تكون من أوزان مختلطة ليست أشعارًا»([12]).

من خلال ما سبق من تعريفات فلسفية للشعر، يمكن تلخيص القول بأن مفهوم الشعر عند الفلاسفة يكمن في كونه: (كلامًا) لہ (روح) و(جسد)؛ فروحُہ المحاكاة والتخييل، وجسدُہ الوزن والنظم، وقد يُضاف إليہ اللحن والنغَم؛ علىٰ أنّ ابن سينا وابن رشد يصرّحان بأن جزءًا من هذہ الروح يأتي مِن قِبل أصْل الكلام نفسہ، ومِن قِبل الجسَد أيضًا.

--------

([1]) الفارابي: جوامع الشعر -ضمن "تلخيص كتاب الشعر" لابن رشد-، (ص173).
([2]) الفارابي: رسالة في قوانين صناعة الشعراء -ضمن "فن الشعر" لأرسطو-، تحقيق عبد الرحمن بدوي، (ص150).
([3]) الفارابي: فلسفة أرسطو، (ص85).
([4]) الفارابي: إحصاء العلوم، (ص83).
([5]) الفارابي: جوامع الشعر، (ص172-173).
([6]) عصفور: مفهوم الشعر، (ص192).
([7]) أيْ: في علم الباطن ومذهب التصوّف، حيث تعرف (العرفانية) في اصطلاحهم: أنّها «التوصّل بنوعٍ من الكشف إلى المعارف العليا، أو تذوُّق تلك المعارف تذوّقًا مباشرًا بأن تُلقى في النفس إلقاءً، ولا تَستند على الاستدلال أو البرهنة العقلية». النشار، علي سامي: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، (ج1، ص186).
([8]) ابن سينا، جوامع علم الموسيقى، (ص122-123).
([9]) ابن سينا، فنّ الشعر من كتاب الشفاء -ضمن "فن الشعر" لأرسطو-، تحقيق عبد الرحمن بدوي، (ص168).
([10]) السابق، (ص160).
([11]) يعني بلادَہ (الأندلس) -آنذاك-؛ ومن هذا نلاحظ وعي ابن رشد بارتباط الموسيقى بالشعر من خلال ما وُجِد في بلادهم مما يسمى الموشحات والأزجال، ويكون بذلك أعمق وأدقّ مِن سابقَيہ، لأنہ لم ينظِّر فقط وإنما عايَن وعايَش الشيء.
([12]) ابن رشد: تلخيص كتاب الشعر، (ص57-58).


البوابة



رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-30-2017 - 11:11 AM ]


من المعرفة :

ابن رشد
وُلـِد قرطبة، الأندلس
توفي 10 ديسمبر، 1126
مراكش، المغرب
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الأندلسي " الحفيد " (520- 595 هـ= 14 أبريل 1126- 10 ديسمبر 1198م)، المعروف بابن رشد، عالم عربي ولد في قرطبة بالأندلس، من أسرة عرفت بالعلم والجاه. وتوفي في مراكش. ان ابن رشد يعد في حقيقة الأمر ظاهرة علمية عربية متعددة التخصصات، فهو فقيه مالكي، وهو قاضي القضاة في زمانه، وهو ذاته طبيب نطاسي تفوق على أساتذته حتى ان أستاذه ابن زهر قال عنه: "ابن رشد أعظم طبيب بعد گالينوس"، وهو عينه فيلسوف عقلاني، وهو أيضا مترجم لأعمال أرسطو المرجعية للعرب والغرب فيما بعد، وهو أيضا فلكي ذي أعمال جليلة في المضمار، وهو نفسه المتكلم الذي تصدى لنقد المتكلمين باسم توافق المعقول والمنقول وعلى رأسهم الامام الغزالي.‏



ابن رشد، بريشة أندريا بونايوتو، البندقية، القرن 14.

مناظرة متخيلة بين ابن رشد وفرفوريوس. مونفردو ده مونته إمپريالي Liber de herbisالقرن 14.[1]
عرفت عائلة ابن رشد بالمذهب المالكي، وجده ابو الوليد محمد (توفي 1126) كان كبير قضاة قرطبة تحت حكم المرابطين، وشغل والده ذات المنصب حتى مجيء الموحدين.

يعد ابن رشد من أهم الفلاسفة العرب. دافع عن الفلسفة وصحح علماء وفلاسفة سابقين له كابن سينا والفارابي في فهم بعض نظريات أفلاطون وارسطو. درس الكلام والفقه والشعر والطب والرياضيات والفلك والفلسفة، قدمه ابن طفيل لأبي يعقوب خليفة الموحدين عام 1182م فعينه طبيبا له ثم قاضيا في قرطبة.

تولّى ابن رشد منصب القضاء في اشبيلية، وأقبل على تفسير آثار أرسطو، تلبية لرغبة الخليفة الموحدي أبي يعقوب يوسف، وكان قد دخل في خدمته بواسطة الفيلسوف ابن الطفيل، ثم عاد إلى قرطبة حيث تولى منصب قاضي القضاة، وبعد ذلك بنحو عشر سنوات أُلحق بالبلاط المراكشي كطبيب الخليفة الخاص.

لكن الحكمة والسياسة وعزوف الخليفة الجديد (أبو يوسف يعقوب المنصور 1184 - 1198) عن الفلاسفة، ناهيك عن دسائس الأعداء والحاقدين، جعل المنصور ينكب ابن رشد، قاضي القضاة وطبيبه الخاص، ويتهمه مع ثلة من مبغضيه بالكفر والضلال ثم يبعده إلى "أليسانه" (بلدة صغيرة بجانب قرطبة أغلبها من اليهود)، ولا يتورع عن حرق جميع مؤلفاته الفلسفية، وحظر الاشتغال بالفلسفة والعلوم جملة، ما عدا الطب، والفلك، والحساب.

كانت النيران تأكل عصارة عقل جبار وسخط اتهام الحاقدين بمروق الفيلسوف، وزيغه عن دروب الحق والهداية... كي يعود الخليفة بعدها فيرضى عن أبي الوليد ويلحقه ببلاطه، ولكن قطار العمر كان قد فات إثنيهما فتوفي ابن رشد والمنصور في السنة ذاتها (1198 للميلاد)، في مراكش.

فكره


ابن رشد، تفصيلة الجصية مدرسة أثينا بريشة رفائل
يمثل ردة الفعل الفلسفية على الهجمة القوية على الفلسفة التي أقدم عليها الغزالي. فابن رشد يمثل محاولة رد اعتبار الفلسفة بعد أن أصابها الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة ووضع هذا الجهد في كتابه تهافت التهافت.

ويجسد ابن رشد خير من شرح مؤلفات أرسطو وشروح ابن رشد على أرسطو هي أفضل شروح نعرفها في تاريخ الفلسفة وهو شارح لأرسطو أكثر من كونه فيلسوف مبدع ذا فلسفة خاصة. بل هو تلميذ لأرسطو- رغم وجود 16 قرن بينهم- يتبنى معظم آراءه في الطبيعة وما بعد الطبيعة.

قدم ابن رشد نظرية أو موقف متميز وخاص ومهم في مسألة العلاقة بين الشريعة والحكمة أي بين الدين والفلسفة وذلك في كتاب (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال). وسنتكلم عن القسم الثالث من المتعلق بالعلاقة بين الدين والفلسفة. وهذه المسألة شغلت جميع الفلاسفة من الكندي، الفارابي، الغزالي، ابن سينا، وابن رشد. والغزالي وحده أعتقد أنه الفلاسفة يخرجون من الدين عندما كفرهم في الثلاث قضايا وبدعهم في سبعة عشر.ابن رشد يستأنف موقف الكندي مع شيء من التعديل ويقول لا تعارض بين الدين والفلسفة. أي لا اختلاف بين الأمرين (الشريعة والحكمة) وإذا كان هناك من تعارض فالتعارض ظاهري بين ظاهر نص ديني وقضية عقليه ونستطيع حله بالتأويل وفقا لقواعد وأساليب اللغة العربية. عندما ننظر إلى كتاب فصل المقال لأبن رشد نجد أن: ابن رشد ميّز بين الفلسفة والمنطق أو جعلهما مرتبطتين.

تعريف ابن رشد للفلسفة

لوحة جوع¤اني دي پاولو المسماة توما الأكويني يـُفحـِم ابن رشد.
تعني المصنوعات التي يصنعها الصانع تدل عليه، وكلما عرفنا الموجودات معرفة أتم تكون معرفتنا بصانعها أتم و الشرع ندب (المندوب أي المستحب) إلى اعتبار الموجودات والنظر بها وبيان دلالتها.

الشرع دعا إلى اعتبار الموجودات لأن النظر في الموجودات نظر عقلي، وهناك أكثر من آية تشير إلى اعتبار الموجودات بالعقل "فاعتبروا يا أولي الأبصار" وهذا نص على وجوب استعمال القياس العقلي.

"أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض"

"أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت"

"ويتفكرون في خلق السماوات والأرض"

هذه أدلة فابن رشد يشدد على كلمة النظر والاعتبار والتفكر والرؤية وهي أدلة دينية على وجوب النظر العقلي في الموجودات. يفسر ابن رشد كلمة الاعتبار فيقول أننا من مقدمات معلومة نستنتج نتيجة مجهولة، أي من مقدمة كبرى فمقدمة صغرى نستنتج نتيجة، إذا سلمنا بالمقدمات الكبرى والصغرى ينتج عنها بالضرورة نتيجة، وبهذا الشكل سوّغ ابن رشد دراسة المنطق.

التمييز بين أنواع الأقيسة، البرهاني قياس لمقدمتان سابقتان مثل، كل إنسان فان..سقراط إنسان.. إذن سقراط فان.

القياس البرهاني: القياس الذي كلتا مقدمتاه صادقة. (وهو القياس السليم عنده)

القياس الجدلي: القياس الذي إحدى مقدمتيه احتمالية أو كلتا مقدمتيه احتمالية. القياس المغالطي: هو القياس الذي فيه إحدى المغالطات.

أقر ابن رشد و أكد شرعيا المنطق و أكد القياس بآية "واعتبروا يا أولي الأبصار".

القياس في الفقه لا يقولون عنه بدعة، فحكم القياس العقلي نفس الشيء.

إذا تقرر أن النظر بالقياس العقلي واجب فنحن ننظر بالذي سبقونا.

ويقول ابن رشد مثل قول الكندي في أننا يجب أن نأخذ الحقائق حتى لو كان قائلها من ملة غير ملتنا، وأن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع وأن الفرد لا يستطيع أن يحصل العلم وحده ويجب أن نستفيد من بعض ومن السابقين.

شرعيا أوجب النظر العقلي في القضايا التي توصل إلى الله وينبغي أن تتوافر في من ينظر بهذه العلوم أمرين:

- ذكاء الفطرة

- العدالة الشرعية والفضيلة الخلقية

ويقول ابن رشد إذا غوى (أي ضل وانحرف) غاو بسبب النظر في الوجود لا يمكن أن ننكر الصنعة نفسها عن الأكفاء بالنظر فيها ودراستها لأن بعض غير الأكفاء للنظر قد أخطئ.

سأل أحدهم النبي (ص) عن حل لإسهال أخيه فأشار عليه الرسول بالعسل، ولما سقاه العسل زاد عليه الإسهال فرجع إلى النبي، فقال له عليه السلام "صدق الله وكذب بطن أخيك".

والمقصود أنه إذا مات أحد ما بسبب أنه شرق بالماء، فإن هذا لا يعني أن نمنع شرب الماء حتى يموت الإنسان من العطش لهذا السبب، فالموت عن الماء بالشرق أمر عارض، وعن الماء بالعطش أمر ذاتي ضروري.

قال ابن رشد أيضا أن الناس مختلفون في جبلتهم فهناك أناس يجري عليهم القياس البرهاني وأناس القياس الجدلي.

نظر ابن رشد إلى العلاقة بين الدين والفلسفة وخلاصة موقفه في المسألة:

مثلا إذا قررنا قضية مثل قضية العالم مخلوق، فلا يخلو هذا الوضع (أي خلق الوجود) أن يكون الشرع قد سكت عنه أو قال قولا ما. اليقين الفلسفي البرهاني حق ولا يمكن أن يتعارض مع حقيقة ذكَرَها الشرع:

قول سكت عنه الشرع: يجوز الكلام فيه، قول قرر بشأنه الشرع قولا ما: إما قرر بشأنه قولا موافقا لما قدره العقل: فلا نتكلم فيه، إما قرر بشأنه قولا مخالفا لما قدره العقل: فنلجأ للتأويل.

تتلخص أطروحة ابن رشد في هذه المسألة في:

1- أن الشرع أوجب النظر بالعقل في الوجود و أوجب دراسة المنطق من ناحية مفسرا آية "واعتبروا يا أولي الأبصار". معنى الأبصار القياس، وأوجب النظر في الوجود من علل الموجودات.

2 - الوجه الثاني أن هذا النظر ليس بدعة وينبغي أن نأخذ به و لا يمكن أن يتحقق لفرد واحد فهو إسهام لأفراد كثيرين فيجب أن نلجأ للأمم الأخرى.

3 - العلاقة بين ما يقرره العقل البرهاني وما تتفق به الشريعة، كل منهما يعبر عن الحق، والقضايا البرهانية العقلية هي حق، وما نطق به الشرع حق، والحق لا يضاد الحق بل يؤكده ويشهد له، أي ليس هناك تناقض بين الحكمة (الفلسفة) والشريعة. وابن رشد مرجعه النهائي العقل.

قيل عنه


Commentarium magnum Averrois in Aristotelis De Anima libros. مخطوطة فرنسية، الربع الثالث من القرن 13.
يقول لويجي رينالدي في بحث عنوانه "المدينة العربية في الغرب":‏
"ومن فضل العرب علينا أنهم هم الذين عرّفونا بكثير من فلاسفة اليونان. وكانت لهم الأيدي البيضاء على النهضة الفلسفية عند المسيحيين. وكان الفيلسوف ابن رشد أكبر مترجم وشارح لنظريات أرسطو. ولذلك كان له مقام جليل عند المسلمين والمسيحيين على السواء. وقد قرأ الفيلسوف ورجل الدين النصراني المشهور توماس الأكويني، نظريات أرسطو بشرح العلامة ابن رشد. ولا ننسى أن ابن رشد هذا مبتدع مذهب "الفكر الحر". وهو الذي كان يتعشق الفلسفة، ويهيم بالعلم، ويدين بهما. وكان يعلمهما لتلاميذه بشغف وولع شديدين، وهو الذي قال عند موته كلمته المأثورة: تموت روحي بموتِ الفلسفة".‏

وفي كتابه "تاريخ موجز للفكر الحر" كتب المفكر الإنكليزي جون روبرتسون : "إن ابن رشد أشهر مفكر مسلم، لأنه كان أعظم المفكرين المسلمين أثراً وأبعدهم نفوذاً في الفكر الأوروبي، فكانت طريقته في شرح أرسطو هي المثلى".‏
وكتب المستشرق الإسباني البروفيسور ميگل هرناندث : "إن الفيلسوف الأندلسي ابن رشد سبق عصره، بل سبق العصور اللاحقة كافة، وقدم للعلم مجموعة من الأفكار التي قامت عليها النهضة الحديثة".‏
ورأى هرنانديز أن ابن رشد قدم رؤية أكثر شمولاً وإنسانية للمدينة الفاضلة. وكان يرى أن في الإمكان قيام كثير من المدن الفاضلة، تقوم بينها علاقات سلمية فاضلة -والمدينة هنا تكاد تعني الدولة تماماً- واعتقد أن قيام الحروب بين الدول هو نهاية العالم.‏



أعماله

وضع ابن رشد أكثر من خمسين كتاباً في مجالات مختلفة:

من شروحاته وتلاخيصه لارسطو :
تلخيص وشرح كتاب ما بعد الطبيعة (الميتافيزياء).
تلخيص وشرح كتاب البرهان او الأورغنون.
تلخيص كتاب المقولات (قاطيقورياس).
تلخيص كتاب الاخلاق.
تلخيص كتاب السماع الطبيعي.
شرح كتاب النفس.
شرح كتاب القياس.
وله مقـالات كثيرة ومنها:

مقالة في العقل.
مقالة في القياس.
مقالة في اتصال العقل المفارق بالانسان.
مقالة في حركة الفلك.
مقالة في القياس الشرطي.
وله كتب اشهرها:

كتاب مناهج الادلة ، وهو من المصنفات الفقهية والكلامية في الأصول.
كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال ، وهو من المصنفات الفقهية والكلامية.
كتاب تهافت التهافت الذي كان رد ابن رشد على الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة.
كتاب الكليات.
كتاب "التحصيل" في اختلاف مذاهب العلماء.
كتاب "الحيوان" .
كتاب "فصل المقال في مابين الحكمة والشريعة من الاتصال".
كتاب "المسائل" في الحكمة
كتاب "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" في الفقه.
كتاب "جوامع كتب أرسطاطاليس" في الطبيعيات والإلهيات.
كتاب "شرح أرجوزة ابن سينا" في الطب.‏
ـــــــــــــــــــــ
مفهوم الشعرية عند ابن رشد - صحيفة الرأي
http://alrai.com/article/774000.html



التعديل الأخير تم بواسطة عبدالله بنعلي ; 11-30-2017 الساعة 11:14 AM

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-30-2017 - 11:16 AM ]


بقلم الطيب بوعزة
قسم: الفلسفة والعلوم الإنسانية

هل يمكن تحديد ماهية الشعر، والتنصيص على خصائصه المائزة؟

عندما نظر النقاد إلى الشعر بنظرة تبتغي تحديد ماهيته، انساق أغلبهم إلى تحديدها في موسيقاه؛ فقالوا "الشعر كلام موزون مقفى". ومعلوم أن الخليل بن أحمد بعد كشفه للنظام الموسيقي المحايث للشعر العربي وضع تعريفا إجرائيا ومعياريا، صار مقياسا لقراءة الشعر السابق واللاحق أيضا؛ فقال:" الشعر ما وافق أوزان العرب"، فنفى بذلك الخاصية الشعرية عن كل نظام من القول يخرق هذه الأوزان الموسيقية ولا يوافقها.

فهل بالفعل يصح اختزال الشعر في إيقاعيته؟

إن ماهية الخطاب الشعري أوسع من أن تختزل في إيقاعه الموسيقي، أو فلنقل بلفظ أدق "في وزنه" على اعتبار أن ابن سينا يفرق بين الموسيقى والوزن في الشعر. لكن فائدة هذا التعريف الشائع هو أنه يبرز الصلة الوثيقة بين الشعر والموسيقى، وهي في نظرنا صلة أكيدة لا يمكن إنكارها . لكن مع ذلك، لابد من أن ننتقل إلى بحث الماهية الشعرية خارج هذا الاختزال الإيقاعي الذي اتجه إليه أغلب نقاد الشعر العربي، إن لم نقل كلهم.

ولعل أول من تنبه إلى بيان الماهية الشعرية خارج ذلك الاختزال الشائع الذي يحصرها في النغم الإيقاعي هو الجاحظ، عندما أشار إلى الصورة كمكون رئيس في تعريف الشعر؛ حيث قال:" إنما الشعر صياغة وضرب من التصوير.".

تجاه هذا التعريف نلقى أحد كبار أساتذة الأدب العربي ـ أقصد شوقي ضيف ـ ينتقد الجاحظ؛ لأنه لم يلتزم بتعريفه هذا، حيث يقول:"ولكن للأسف لم يعن هو نفسه( يقصد الجاحظ) بهذا المعنى فيما جمع من الشعر بكتابه البيان والتبيين."([1])

ونعتقد أن الصواب غير ذلك، فما جمعه الجاحظ في كتاب "البيان" لا يخلو من سمت وفعالية التصوير. ولا يسمح المقام بالإيغال في إيراد الشواهد الشعرية من متن الجاحظ لاحتوائها على الصور، إنما نكتفي بهذا الإلماح لنفرغ لسؤال بحثنا:

هل يمكن تحديد ماهية الشعر؟

إن كثيرا من المفكرين والنقاد لم يجدوا مسلكا إلى ضبط ماهية القول الشعري، لذا تجدهم يصرحون باستحالة التحديد الماهوي للشعر . فـ "تيفر" يرى بأن "كلمة الشعر ككلمة الجمال من الكلمات المبهمة."([2])

كما أن لمبورن ينطق صراحة باستحالة التحديد، مستدلا على هذه الاستحالة بغموض موضوعين رئيسين يكونان أصل المادة الشعرية، هما الحياة والحب؛ حيث يقول:"لا يمكن تعريف الشعر إلا إذا عرفنا الحياة والحب اللذين يترجم عنهما."([3])

وقبل هذه التأملات القاضية باستحالة التحديد الماهوي للشعر، نجد التفكير الفلسفي منذ أرسطو، قد اهتم ببحث القول الشعري من مدخل آخر هو المحاكاة؛ ففي كتابه "فن الشعر" يعرف أرسطو الشعر بكونه محاكاة.

ويربط بين الشعر والصورة والخيال؛ فالقول الشعري عند أرسطو إبداع للصور من المخيلة، يستوي في نظام لغوي إيقاعي. لكن إذا كان أرسطو قد حدد مكونات القول الشعري في الصورة والخيال واللغة والإيقاع، فإنه سرعان ما سينفي خلال بحثه اللغة والإيقاع؛ لأنهما ـ حسب تقديره ـ عنصران لا يملكهما الشاعر؛ ومن ثم لا يتبقى إلا الصورة المتخيلة؛ فأصالة الشعر والشاعر ينبغي أن تلتمس في الصورة التي يبتدعها المخيال الشعري.

وتعريف أرسطو للشعر بوصفه محاكاة، تكرر من بعد عند مختلف نقاد الشعر المتأثرين بالفلسفة الأرسطية مركزين على فكرة الأداة المتوسلة في المحاكاة الشعرية، فبحثوا فيها بقصد التنصيص على خصائص مائزة للقول الشعري عن غيره، إذ أدركوا أن الاقتصار على التحديد الإجمالي لا يثمر فصلا ماهويا؛ لأن المحاكاة - كما تقول الفلسفة الأرسطية ذاتها - سمة لجميع أنماط الفنون. فكان لابد لكل فلسفة تتلقى القراءة الأرسطية للشعر، أن تلتفت إلى تحديد ماذا تمتاز به المحاكاة الشعرية عن غيرها من أشكال المحاكاة . ومختلف الفلاسفة العرب الذين انتهجوا التعريف الأرسطي استشعروا أهمية تحديد هذا التمييز الفارق بين المحاكاة الشعرية ومحاكاة الفنون الأخرى. ونلحظ أنهم في هذا الإيغال في تحديد المائز اختلفوا وتبيانوا رغم انطلاقهم من الأرضية الأرسطية ذاتها في تحديد الشعر. وآية ذلك أن ابن رشد اختلف مع ابن سينا، وهذا الأخير نجده متمايزا عن الفارابي مع قولهم جميعا بالمحاكاة.

فلنستحضر بوجيز القول هذا التمايز الذي ميز كيفية تلقي العقل الفلسفي العربي لنظرية المحاكاة في الشعر:

استعاد الفارابي التعريف الأرسطي، بكون المحاكاة مسلكا حاضرا في مختلف الفنون، مؤكدا أن الاختلاف بينها في الأدوات فقط؛ حيث يقول:" فإن محاكاة الأمور قد تكون بفعل وقد تكون بقول؛ فالذي بفعل، ضربان:

أحدهما: أن يحاكي الإنسان بيده شيئا ما، مثل أن يعمل تمثالا يحاكي به إنسانا بعينه أو شيئا غير ذلك، أو يفعل فعلا يحاكي به إنسانا ما أو غير ذلك.

والمحاكاة بقول: هو أن يؤلف القول الذي يصنعه أو يخاطب به من أمور تحاكي الشيء الذي فيه القول، وهو أن يجعل القول دالا على أمور تحاكي ذلك الشيء."([4])

ومن هنا يتضح أن الفارابي يجعل الفارق بين المحاكاة الشعرية وغيرها في كون أداة الشعر هي اللغة. وهذا ما يبدو عند تمييزه بين الرسم والشعر في قوله :"إن بين أهل هذه الصناعة (أي الشعر) وبين أهل صناعة التزويق (أي الرسم) مناسبة، وكأنهما مختلفان في مادة الصناعة ومتفقان في صورتها وفي أفعالها وأغراضها، أو نقول: إن بين الفاعلين والصورتين والغرضين تشابها، وذلك أن موضع هذه الصناعة الأقاويل، وموضع تلك الصناعة الأصباغ، وإن بين كليهما فرقا، إلا أن فعليهما جميعا التشبيه."([5])

إذن، فالشعر والرسم كلاهما فعل تشبيه؛ أي محاكاة، لكن الأول يحاكي بالقول، والثاني بالصباغة.

غير أن ابن سينا رغم اتفاقه مع الفارابي في كون الشعر يتفق مع غيره من الفنون في فعل المحاكاة، ويختلف في الأداة، فإنه يتمايز عن الفارابي في عدم اختزاله للوسيلة الأداتية التي تتوسلها المحاكاة الشعرية في اللغة؛ حيث أضاف لها الوزن، إذ يقول :"والشعر من جملة ما يخيل ويحاكي بأشياء ثلاثة : باللحن الذي يتنغم به، فإن اللحن يؤثر في النفس تأثيرا لا يرتاب به، ولكل غرض لحن يليق به بحسب جزالته أو لينه أو توسطه، وبذلك التأثير تصير النفس محاكية في نفسها لحزن أو غضب أو غير ذلك، وبالكلام نفسه، إذا كان مخيلا محاكيا وبالوزن، فإن من الأوزان ما يطيش ومنها ما يوقر. وربما اجتمعت هذه كلها، وربما انفرد الوزن والكلام المخيل : فإن هذه الأشياء قد يفترق بعضها من بعض، وذلك أن اللحن المركب من نغم متفقة، ومن إيقاع قد يوجد في المعازف والمزاهر. واللحن المفرد الذي لا إيقاع فيه قد يوجد في المزامير المرسلة التي لا توقع عليها الأصابع إذا سويت مناسبة . والإيقاع الذي لا لحن فيه قد يوجد في الرقص، ولذلك فإن الرقص يتشكل جيدا بمقارنة اللحن إياه حتى يؤثر في النفس."([6])

ويبدو هنا أن ابن سينا مايز بين خاصيتين اثنتين هما: الوزن واللحن؛ حيث لا يراهما شيئا واحدا. ومن ثم، يمكن للكلام الشعري أن يكون موزونا دون أن يكون لحنا؛ حيث يقول: "وربما انفرد الوزن والكلام المخيل". ولهذا يتحقق الشعر بالخيال والوزن. وقد يزيد في امتلاك الخصائص، فيحصل التركيب بين الخيال والوزن واللحن.

وهذا ما يقوله ابن رشد أيضا، مستحضرا قصائد الموشحات كنموذج على الشعر الذي تتوافر فيه الخصائص الثلاثة (أي الوزن واللحن والخيال) فضلا عن المحاكاة، حيث يقول: "والتخييل والمحاكاة في الأقاويل الشعرية تكون من قبل النغم المتفقة، ومن قبل الوزن، ومن قبل التشبيه نفسه. وهذه قد يوجد كل واحد منها منفردا عن صاحبه، مثل وجود النغم في المزامير والوزن في الرقص، والمحاكاة في اللفظ، أعني الأقاويل غير الموزونة. وقد تجتمع هذه الثلاثة بأسرها، مثل ما يوجد عندنا في النوع الذي يسمى الموشحات والأزجال، وهي الأشعار التي استنبطها في هذا اللسان أهل هذه الجزيرة(يقصد الأندلس). إذ كانت الأشعار الطبيعية هي ما جمعت الأمرين جميعا، والأمور الطبيعية إنما توجد للأمم الطبيعيين. فإن أشعار العرب ليس فيها لحن، وإنما فيها إما الوزن فقط ، وإما الوزن والماحكاة معا."([7])

ومن ثم إذا كان الفارابي قصر المحاكاة الشعرية على اللفظ، فإن ابن سينا وابن رشد يضيفان الوزن إلى اللفظ.

وعودا إلى أرسطو، لنذكر باختزاله وظيفة القول الشعري في إبداع الصورة، لنر ما النتيجة المستلزمة عنه:

إذا ما التزمنا بهذه الرؤية النقدية الأرسطية، فإن تحليل القول الشعري سيكون متجها ليس إلى الأسلوب اللغوي ولا إلى الإيقاعية التي يبتدعها الشاعر بتوليفه بين صوتية الألفاظ، إنما فقط إلى الصورة. وذاك ما حصل بالفعل من بعد أرسطو؛ حيث هيمن تصوره الفلسفي هذا على النقد، فاتجه إلى تحليل الصور وإغفال الإيقاع والأسلوب، "حتى ظهر الناقد اليوناني ديونيسيوس لونجينوس"([8])

ومما ساعد هذا الناقد على خرق السلطة الأرسطية هو أنه كان متخصصا في علم البلاغة. وانطلاقا من زاوية نظره التخصصية هذه كان مدفوعا إلى إعادة قراءة العرف النقدي الأرسطي، لخرق محدودية رؤيته إلى الشعر؛ ففي تحليل ديونيسيوس للأوديسا، نظر، ليس فقط إلى الصورة الشعرية الكامنة فيها، بل إلى بلاغة خطابها، فانتهى إلى القول بأن "أساس الشعر الأسلوب."([9])

وبعد زوال السلطة الأرسطية، ذهب "كثير من النقاد في أوائل العصر الحديث كل منهم يخطئ أرسطو ويبرهن على أن الأسلوب والوزن لهما أثر كبير في صناعة الشعر."([10])

وعليه، فنحن هاهنا أمام ثلاثة مكونات تؤسس الخطاب الشعري، اختلف الفلاسفة والنقاد في شأنها هي : الصورة والأسلوب والإيقاع. أيها محدد لماهية الشعر؟

لكن لم هذا السعي إلى اختزال الماهية؟

لم يتجه التفكير الفلسفي إلى تضييق الواسع واختزال الكثرة؟

ألا يمكن أن تكون الماهية متعددة متكثرة؟

لعل من بين الحوافز التي دفعت الوعي الفلسفي إلى اختزال الماهية في محدد واحد هو فهمها للكينونة الماهوية ذاتها.

بمعنى أن مكمن نزعتها الاختزالية لماهيات الأشياء هو اختزالها لماهية الماهية.

فالتعريف الماهوي عندها هو ذاك الذي يمسك بـ"الفصل" المائز بين الأنواع. وبذلك استقر داخل التفكير الفلسفي عرف يضبط عملية التعريف، فيوجه التفكير نحو الإمساك بعنصر مائز يسميه فصلا ماهويا. وبما أن الكينونة حسب التصور الفلسفي متراتبة، وبما أن العناصر متفرقة في مراتب الكينونة، فإن كل مرتبة تتميز عن سابقتها بمائز هو ماهيتها. لذا فتحليلها للخطاب الشعري كان مدفوعا بهذا التوجه نحو تحديد فصل ماهوي يميزه عن غيره من أشكال الخطاب.

* د.الطيب بوعزة أستاذ مغربي و باحث في الفلسفة

[1] - ضيف، شوقي (1987)، في التراث والشعر واللغة، القاهرة ، مكتبة الدراسات الأدبية، دار المعارف، ص 88.

[2] - ضيف،شوقي (1987)، ص89

[3] - م س ، الصفحة نفسها .

[4] - الفارابي :مقالة في قوانين صناعة الشعراء، كتاب فن الشعر، (1973) ترجمة عبد الرحمن بدوي دار الثقافة بيروت ط 2 ،150

[5] - الفارابي، م س .

[6] - ابن سينا، فن الشعر،م س، ص 168 .

[7] - م س، ص203.

[8] - ضيف ،شوقي . م س ، ص89.

[9] - ضيف،شوقي. م س ، الصفحة نفسها.

[10] - ضيف، شوفي ، الصفحة نفسها.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-30-2017 - 11:18 AM ]


مفهوم الشعر عند ابن سينا

الأحد ظ£ آب (أغسطس) ظ¢ظ*ظ*ظ¨، بقلم حسـن الأشــرف

صدر العدد 133 من سلسلة الكتيبات الشهرية لمجلة "المجلة العربية" السعودية، وهو عبارة عن بحث للشاعر والباحث المغربي علي العلوي حول “مفهوم الشعر عند ابن سينا”، وكيف يرى هذا الفيلسوف العربي الكبير مسائل التخييل والمحاكاة وعلاقتهما بماهية الشعر.
من ديوان العرب :
الشعر عند ابن سينا

يتحدث المؤلف عن قوى الإدراك النفسية عند ابن سينا لأنه "يصعب الحديث عن مفهوم الشعر حسب هذا الفيلسوف بمعزل عن معرفة المخيلة الإنسانية باعتبارها مصدر النشاط الشعري". ويلخص آراء ابن سينا حول القوى النفسية وقوى الإدراك في ما يلي: الحس المشترك و الخيال والمتخيلة والوهم والحافظة.

ويعرف ابن سينا الشعر بكونه "كلام مخيل مؤلف من أقوال موزونة متساوية وعند العرب مقفاة"، وهو بهذا التعريف يجعل التخييل أولا والوزن ثانيا هما قوام الشعر، أما القافية فهي خاصية الشعر العربي.

ويرى ابن سينا أن التخييل هو السمة الخاصة التي تميز الشعر عن النثر، ولا يصبح القول شعرا بمجرد أن يكون موزونا، يقول في هذا الصدد: "قد تكون أقاويل منثورة مخيلة وقد تكون أوزانا غير مخيلة لأنها ساذجة بلا قول، وإنما يجود الشعر بأن يجتمع فيه القول المخيل بالوزن".

ويضيف الباحث علي العلوي بأن اعتبار ابن سينا "الشعر كلام مخيل" يجد تبريره أو صلته بطبيعة فن الشعر في فلسفته، ذلك أن القوة المتخيلة قد تمتعت عند ابن سينا بمكانة خاصة، إذ إن مركزها المهم في عملية الإدراك ينبع من تسلطها على صور المحسوسات المحفوظة في قوة الخيال التي تعمل فيها بالفصل والتركيب، بل إن سلطانها يمتد إلى المعاني الجزئية التي تدركها قوة الوهم وتحتفظ بها قوة التذكر".

التخييل والمحاكاة عند ابن سينا

ويعتبر التخييل عند ابن سينا ـ كما جاء في الكتاب ـ مرادفا للمحاكاة التي بدورها ترادف التشبيه، والمخيلات هي مقدمات ليست تقال ليصدق بها، بل لتخيل شيئا على أنه شيء آخر على سبيل المحاكاة". ويعرف الفيلسوف العربي المحاكاة بأنها "إيراد مثل الشيء وليس هو هو، فذلك كما يحاكى الحيوان الطبيعي بصورة هي في الظاهر كالطبيعي، ولذلك يتشبه بعض الناس في أحواله ببعض

ويحاكي بعضهم بعضا ويحاكون غيرهم"، وبهذا نجده يؤكد أن "المحاكاة تعطي شبيه الشيء ولا تنقله كما هو، وهو حين يضرب أمثلة للمحاكاة في الرسم والتمثيل يريد أن يشير إلى أن هناك فرقا بين ما هو حقيقي وما هو محاكى، وأن هذا الفرق يسمح بأن نقول إن المحاكاة لا تطابق الواقع، وإنها ليست تقليدا حرفيا له حتى وإن اقتصرت على تصوير ظاهر الشيء".
وأورد الباحث مسألة استخدام ابن سينا مصطلح "المحاكاة" بمعنى التشبيه، فإنه حينما يأتي بأمثلة للمحاكيات لا يأتي إلا بتشبيهات كتشبيه العسل بالمرة، والتهور بالشجاعة والشجاع بالأسد، والجميل بالقمر والجواد بالبحر. كما أنه يعد الشعر محاكاة للأشياء وتتجلى في التشبيه الذي غايته التخييل لا التصديق، وبذلك ينحصر أثره في إيقاع انفعال نفسي تجاه الشيء المحاكي، والمحاكيات عند ابن سينا ثلاثة: تشبيه واستعارة وتركيب.

وموضوع المحاكاة عند ابن سينا لا يقتصر على "الذوات الإنسانية أو الذوات عموما، ذلك أن المحاكاة الشعرية تتناول الأفعال الإنسانية المنسوبة إما إلى الأفاضل والممدوحين وإما إلى من يقابلهم من الناس، فيصبح موضوع المحاكاة تبعا لذلك إما مدحا وإما ذما. وربما تقتصر المحاكاة على وصف أحوال الناس وأفعالهم كما هي".

مهمة الشعر

يفصل الفيلسوف العربي ابن سينا بين غايتي الشعر: الإفادة والمتعة، ويتضح ذلك ـ وفق الكتاب ـ عندما يتحدث ابن سينا عن غاية الشعر عامة، حيث يذكر أن الشعر قد يقال للتعجيب وحده، وقد يقال للأغراض المدنية؛ وثانيا عندما يتحدث عن غاية الشعر عند العرب حيث يرى أن " العرب كانت تقول الشعر لوجهين أحدهما ليؤثر في النفس أمرا من الأمور تعد به نحو فعل أو انفعال، والثاني للعجب فقط، فكانت تشبه كل شيء لتعجب بحسن التشبيه".
وغاية الشعر عند ابن سينا، كما يوضح علي العلوي ـ تكمن في "الحث على فعل أو الكف عن فعل، ولما كانت الأفعال الإنسانية التي تحاكي إما جميلة أو قبيحة، أي إما فضائل وإما رذائل، فمن البديهي أن يكون الحث مرتبطا بالفضائل، والكف أو الردع مرتبطا بالرذائل. وفي كلا الأمرين، يقوم الشعر بدوره التخييلي الذي يدفع المتلقي إلى الإقبال على الأفعال الجميلة والنفور من الأفعال القبيحة. ويرتبط هذا الدور التخييلي بالتحسين والتقبيح اللذين حددهما ابن سينا غايتين أخلاقيتين للمحاكاة في الشعر؛ يقول ابن سينا في هذا الصدد: وكل محاكاة فإما أن يقصد بها التحسين وإما أن يقصد بها التقبيح

وفي خاتمة الكتيب، تحدث الشاعر والباحث المغربي عن حاجة تراثنا النقدي والأدبي والفكري لكثير من الدراسة والتحليل العميقين، حتى "يتأتى لنا الكشف عن مكامن الاجتهاد والإبداع والعبقرية التي كان يتميز بها أسلافنا"، مؤكدا أن الدراسات التي تناولت هذا التراث ليست في حجم وضخامة الكنوز المعرفية والنقدية التي يحفل بها، لهذا ينبغي المزيد من الجهد في سبيل إعطاء هذا التراث ما يستحقه من مكانة في الحقل المعرفي والنقدي الراهن"


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-30-2017 - 11:20 AM ]


أبو نصر محمد الفارابي
من المعرفة
أبو نصر محمد بن فرخ الفارابي[1]
اللقب الأستاذ الثاني[2]
الديانة عالم مسلم
المذهب مسلم شيعي[2]
النهج الدراسي عـُرف بأنه "أبو الأفلاطونية الحديثة الإسلامية"؛ أسس المدرسة الفارابية[1]
الاهتمامات الرئيسية
ميتافيزيقا، الفلسفة السياسية، المنطق، الموسيقى، علم(الطبيعيات)، الأخلاق، الصوفية[2],

نظرية المعرفة والطب
أعماله أغراض ميتافيزيقا أرسطو[3]، فصوص الحكم، كتاب مبدأ آراء أهل المدينة الفاضلة، احصاء العلوم، الموسيقي الكبير[2]
تأثيرات أرسطو، أفلاطون، پورفيري، بطليموس[بحاجة لمصدر]
تأثرات
ابن سينا، يحيى بن عدي، أبو سليمان السجستاني، شهاب الدين السهروردي، ابن باجة، ملا صدرا[2]

الأميري وأبو حيان التوحيدي
أبو نصر محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان الفارابي (ولد عام 260 هـ/874 م في فاراب في بلاد ما وراء النهر وتقع فاراب اليوم في قزخستان وتوفي عام 339 هـ/950 م) فيلسوف أتقن العلوم الحكمية، وبرع في العلوم الرياضية، زكي النفس، قوي الذكاء، متجنباً عن الدنيا، مقتنعاً منها بما يقوم بأوده، يسير سيرة الفلاسفة المتقدمين، وكانت له قوة في صناعة الطب وعلم بالأمور الكلية منها، ولم يباشر أعمالها، ولا حاول جزئياتها. يعود الفضل اليه في ادخال مفهوم الفراغ إلى علم الفيزياء.

وكان أبوه قائد جيش. جاء إلى بغداد وهو في سن الأربعين، تنقل بين مصر وسوريا وحلب وأقام في بلاط سيف الدولة الحمداني ثم ذهب لدمشق وبقي فيها حتى وفاته عن عمر 80 عاما ووضع عدة مصنفات وكان أشهرها كتاب حصر فيه أنواع وأصناف العلوم ويحمل هذا الكتاب إحصاء العلوم. سمي الفارابي "المعلم الثاني" نسبة للمعلم الأول أرسطو والإطلاق بسبب اهتمامه بالمنطق لأن الفارابي هو شارح مؤلفات أرسطو المنطقية.


نص كتاب اراء اهل المدينه الفاضله ومضاداتها 00 الفارابي(1) انقر على الصورة للمطالعة

نص كتاب اراء اهل المدينه الفاضله ومضاداتها 00 الفارابي(2) انقر على الصورة للمطالعة


عكف في مسقط رأسة على دراسة طائفة من مواد العلوم والرياضيات والآداب والفلسفة واللغات وعلى الأخص التركية وهي لغته الأصلية بجانب معرفته للغات العربية والفارسية واليونانية.

ثم خرج من بلده حوالي سنة 310 هـ، وهو يومئذ يناهز الخمسين، قاصداً العراق، حيث أتم دراساته. فيما بدأ فيه في مسقط رأسه وأضاف إليه مواد أخرى كثيرة ، فدرس في حرّان الفلسفة والمنطق والطب على الطبيب المنطقي المسيحي يوحنا بن حيلان ، ودرس في بغداد الفلسفة والمنطق على أبي بشر متى بن يونس ، وهو مسيحي كان حينئذ من أشهر مترجمي الكتب اليونانية ومن أشهر الباحثين في المنطق ، ودرس في بغداد كذلك العلوم اللسانية العربية على ابن السراج ، وأتيح له فيها أيضاً دراسة الموسيقى وإتمام دراساته في اللغات والطب والعلوم والرياضيات ، ولا غرابة أن يتتلمذ في هذه السن المتقدمة ، فقد كان دأب العلماء في هذه العصور ، يطلبون العلم من المهد إلى اللحد.[4] كان الفارابي مولعاً بالأسفار في طلب العلم ونشره والإحاطة بشئون الجماعات ، فانتقل من العراق إلى الشام حوالي سنة 330 هـ حيث اتصل بسيف الدولة بن حمدان الذي عرف له فضله ، وأكرم وفادته ، وعاش في كنفه منقطعاً إلى التعليم والتأليف ، وكان في أثناء إقامته بالشام يتنقل بين مدنها وخاصة بين حلب (عاصمة الحمدانيين) ودمشق التي كانت في حوزتهم تارة وتخرج أخرى ، وقد سافر مرة من الشام إلى مصر ، وكان ذلك على الراجح سنة 338 هـ ثم رجع منها إلى دمشق حيث توفي سنة 339 هـ.[4]

وقد آثر الفارابي حياة الزهد والتقشف فلم يتزوج، ولم يقتن مالاً ، ولم يشأ أن يتناول من سيف الدولة إلى أربعة دراهم في اليوم - كما يذكر كثير من الرواة - ينفقها فيما احتاج إليه من ضروري العيش ، وقد اكتفى بذلك قناعة منه، وكان في استطاعته وهو الأثير عند الملك الجواد سيف الدولة بن حمدان أن يكتنز الذهب والفضة ويقتني الضياع، ويروى أنه قد بلغ به التقشف أنه كان يسهر الليل للمطالعة والتصنيف مستضيئاً بقنديل الحارس، لأنه لم يكن يملك قنديلا خاصاً، وأنه قد بقي على ذلك أمداً طويلا.[4]

وكان يؤثر العزلة والوحدة ليخلو إلى التأمل والتفكير، وكان طول مدة إقامته بدمشق، كما يقول ابن خلكان في «وفيات الأعيان» يقضي معظم أوقاته في البساتين وعلى شواطئ الأنهار، فلا يكون إلا عند مشتبك رياض، حيث يؤلف بحوثه ويقصد إليه تلاميذه ومساعدوه. [5]

إيمانه بوحدة الحقيقة

إيمانه بوحدة الحقيقة كان يعتقد أن الحقيقة الطبيعية الفلسفية واحدة وليس هناك حقيقتان في موضوع واحد بل هناك حقيقة واحدة وهي التي كشف عنها أفلاطون وأرسطو، وبرأيه أن كل الفلسفات التي تقدم منظومة معرفية ينبغي أن تحذو حذو أفلاطون وأرسطو. ولكن بين أفلاطون وأرسطو تناقض أساسي وكان الفارابي يعتقد أن فلسفة أفلاطون هي عين فلسفة أرسطو ووضع كتاب (الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو) أفلاطون وأرسطو كلاهما يبحثان في الوجود من جهة علله الأولى، وعند أفلاطون الوجود والعلل الأولى هي (المثل) وأرسطو (العلل الأربعة) ولكن الفارابي كان يعتقد في كتابه أنه لا فرق وحاول أن يوفق بين الفيلسوفين وقدم مجموعة من الأدلة ليقول أن هؤلاء كشفا الحقيقة وكل من جاء بعدهما يجب أن يحذو حذوهما.

س/لماذا وقع الفارابي بالخطأ وقال أنهما ليسا متناقضين رغم أنهما كذلك؟
ج/لأنه استخدم في المقارنة بكتابه كتاب (أثولوجيا) الذي نسب لأرسطو إلا أنه ليس لأرسطو بل لأفلوطين الاسكندري وحين نقل السريانية الكتاب أخطئوا، وبناء عليه عندما نقله العرب من السريانية أخطئوا.
أقام الفارابي جهد توفيقي على كتاب اثيولوجيا وكان كمن يوفق بين أفلاطون وأفلوطين فلم يظهر التناقض ونرى الكثير كالفارابي وقعوا بهذا الخطأ.

نظريته الخاصة بالصدور

نظريته في الوجود، وهنا تبدو النظرية التي تسمى بالصدور والفيض وهي أبرز ما يميز الفارابي فهو يميز بين نوعين من الموجودات: الموجود الممكن الوجود الموجود الواجب الوجود هنا موجودات ممكنة الوجود كثيرة، لكن موجود واحد واجب الوجود. الموجود الممكن الوجود: الموجود الذي متى فُرِض موجودا أو غير موجود لم يعرض منه محال. يعني وجوده أو عدم وجوده ليس هناك مايمنع ذلك. لكن إذا وجدت لابد لها من علة وكل الموجودات التي تحقق وجودها حوادث.

الموجود الواجب الوجود: الموجود الذي متى فرضناه غير موجود عرض منه (الهاء تعود على الفرض) محال. يعني لا يمكن إلا أن يكون موجودا وهو في المصطلح الديني (الله) فنحن لا يمكن أن نقول الله ليس موجود؛ لأنه لا يمكن لنا أن نقول بعد أن قلنا الله ليس موجود كيف وجد العالم. (مؤيس الأيسات عن ليس) تعني موجود الموجودات من العدم (أليس أي أوجد). س/ لا نستطيع أن نفهم كيف وجدت الموجودات الممكنة عن واجب الوجود؟ وكان جواب الكندي هو (مؤيس.....) أما الفارابي يقول أن واجب الوجود طبيعته عقل محض واحد من كل الجهات جوهر عقل محض يعقل ذاته وموضوع تعقله هو ذاته، خلافا لنا نعقل ذاتنا ونعقل أيضا الموجودات الطبيعية ولكن واجب الوجود عند الفارابي يعقل ذاته فقط ويقول الفارابي أنه من تعقله لذاته يفيض عنه عقل أول، يكفي أن يعقل واجب الوجود ذاته حتى يصدر عنه عقل أول أي فعل التعقل فعل مبدع يصدر على سبيل الضرورة لا الإرادة والقصد. يصدر عقل من تعقله لما فوقه يصدر عقل آخر ومن تعقله لذاته يصدر فلك..الخ العقل الأخير هو العقل الفعال والفلك الخاص به فلك القمر.

العلاقة بين الفيلسوف والنبي

التمييز الذي قام به الفارابي بين النبي من ناحية والفيلسوف من ناحية: المعرفة تكون بتجريد المعاني الكلية من المحسوسات، النبي والفيلسوف كلاهما يتلقى حقائق وينقلها للآخرين. يقول الفارابي أن معرفة الحقائق القصوى كلها مصدرها الله لكن فرق بين حقائق النبي وحقائق الفيلسوف فالفيلسوف يتلقى الحقائق بواسطة العقل الفعال فتكون طبيعتها عقليه وليس حسية، الرسول تأتيه المعارف منزلة من عند الله بتوسط الملك جبريل عليه السلام ويتلقى الوحي بالمخيلة ثم يتم تحويل الصور المتخيلة إلى صور ومعاني تنقل للناس. المعارف النبوية هي معارف المخيلة أساس فيها.

فلسفته السياسية والأخلاقية

ما تميز به الفارابي بعد تميزه بالمنطق هو السياسة والأخلاق ومن أشهر كتبه: 1- آراء المدينة الفاضلة 2- الموسيقى الكبير آراء أهل المدينة الفاضلة: خير المدن الممكنة على الأرض بالنسبة للبشر، وقضية الكاتب هي قضية السعادة التي يطلبها جميع الناس ويقسم الكتاب إلى قسمين: قسم يبحث فيه الفارابي نظرية الوجود ونرى فيها التمييز بين الممكن والواجب، القسم الثاني خاص بالمدينة وآراء أهل الجماعة الفاضلة القسم الأول يقابله القسم الثاني والمدن المضادة للمدينة الفاضلة. يبني الفارابي المدينة على غرار الوجود بأسره، فكما للوجود مبدأ أعلى كذلك المدينة الفاضلة لها مبدأ أعلى وهو الرئيس.

والفارابي يقول أن القصد في المدينة الفاضلة الإبانة عن الجماعة التي تسود فيها السعادة والمدينة الفاضلة هي التي يطلب جميع أهلها السعادة والمدن المضادة يطلب فيها أهلها أشياء مضادة. السعادة عند الفارابي مرتبطة بتصوره للتركيبة الإنسانية والنفس الإنسانية والسعادة تكون عندما تسيطر النفس العاقلة (وفضيلتها الحكمة) على النفس الغضبية (وفضيلتها الشجاعة) والنفس الشهوانية (وفضيلتها العفة) فيصل الإنسان للسعادة. المدينة الجاهلة: عكس المدينة الفاضلة، يطلب أهلها السعادة الآتية من النفس الغضبية والشهوانية. المدينة الفاسقة: هي التي عرف أهلها المبادئ الصحيحة وتخيلوا السعادة على حقيقتها ولكن أفعالهم مناقضة لذلك.

المدينة المبدلة: أيضا مضادة للمدينة الفاضلة ويكون السلوك فيها فاضل ثم يتبدل. المدينة الضآلة: ويعتقد أهلها في الله والعقل الفعال آراء فاسدة واستعمل رئيسها التمويه والمخادعة والغرور ويصّور الله والعقل الفعال تصوير خاطئ وكانت سياسته خداع وتمويه. وجعل الفارابي مجموعة سمات مميزة لأهل المدينة الفاضلة:

معرفة السبب الأول وصفاته (أي الله) معرفة العقول والأفلاك معرفة الأجرام السماوية معرفة الأجسام الطبيعية معرفة الإنسان يعرفون السعادة ويمارسونها أي معرفتهم كاملة بالوجود وبكل الموجودات وعلى رأس المدينة الفاضلة يضع الفارابي الرئيس مثلما للوجود رئيس هو الله وللإنسان رئيس هو القلب. والذي يقول على المدينة الفاضلة (الرئيس) له صفات: تام الأعضاء جودة الفهم والتصور جودة الحفظ جودة الذكاء والفطنة حسن العبارة في تأدية معانيه الاعتدال في المأكل والمشرب والمنكح محبة الصدق وكراهية الكذب كبر النفس ومحبة الكرامة (أي تقدير الذات) الاستخفاف بأعراض الدنيا محبة العدل بالطبع وكره الجور قوة العزيمة والجسارة والإقدام ويتوج هذه الصفات بالحكمة والتعقل التام جودة الإقناع جودة التخيل القدرة على الجهاد ببدنه

مؤلفاته

من أشهر كتبه:

كتاب الموسيقى الكبير
آراء أهل المدينة الفاضلة
الجمع بين رأي الحكيمين — حاول فيه التوفيق بين أفلاطون وأرسطو
التوطئة في المنطق
السياسة المدنية
احصاء العلوم والتعريف بأغراضها
جوامع السياسة
فصوص الحكمة


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 6 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-30-2017 - 11:23 AM ]


منازعات في فلسفة الفارابي بين محمد عزيز الحبابي، ومحمد عابد الجابر
بقلم يوسف بن عدي
قسم: الفلسفة والعلوم الإنسانية

التمهيد:

عاصر محمد عزيز الحبابي (1922- 1993) محمد عابد الجابري (1936- 2010)، وتواجدا معاً في الأجواء الفكرية والفلسفية والسياسية، ممّا يجعل الانطباع الأوليّ هو القول بتشابه أفكارهما ورؤيتهما، بيد أنّ الأمر غير ذلك؛ فهما قد تشخصنا مع المعطيات والسياقات بطريقة مختلفة، وإن تبيّن لنا أنهما يقفان على الأرضية الإيبستيمولوجية ذاتها.

من هنا، سوف نقوم في هذه الدراسة بإبراز الاختلاف و"التطابق" في تقريبهما لفلسفة الفارابي، وكذلك بيان آليات قراءتها والاستشكالات التي حكمتهما. وبهذا الاعتبار فإنّ النظر في المصادر الفكرية والاجتماعية قد يكون له الأثر البليغ في توجيه رؤية الحبابي والجابري حينما يرسمان موقفهما من التراث وقضية الحداثة أو المعاصرة.

ينحدر الحبابي من مدينة فاس المغربية، وهي موطن جامعة القرويين الشهيرة، درس في الكتّاب ثم المدرسة الابتدائية ثم الثانوية، غير أنه طرد من التعليم الثانوي إثر مشاركته في المظاهرات والمطالبة بالاستقلال سنة 1944، لينتقل فيلسوفنا بعد ذلك إلى باريس، يقول عن تلك المرحلة: "لقد تابعت دراستي العليا في فرنسا بالسوربون، كان المغرب آنذاك مازال تحت الحماية، لم أكن أشعر أنني كائن كالكائنات الأخرى، على أنّ المستعمر كان يرمي إلى ترسيخ نوع من الإحساس بالدونية..."[1]. مما دفعه إلى النضال من أجل استعادة الكائن لدائرة الشخص المنتمي لوطنه وشعبه؛ أي مشروع الإنسان الحر والمنفتح على الهويّة التراثيّة ومنجزات الغرب الحديثة. وفي سياق هذه الأجواء الفكرية والسياسة، أنجز الحبابي أطروحة: "من الكائن إلى الشخص" (1954) كردّ فعل ضد الاستلاب والذلّ متطلّعاً إلى الحريّة والتحرّر. وهكذا، خطّت يد الحبابي مؤلفات مهمّة وجادّة، منها: من المنغلق إلى المنفتح. عشرون حديثاً عن الثقافات القوميّة والحضاريّة الإنسانيّة، ترجمة محمد برادة (1973)، وكتاب: "ورقات عن فلسفات إسلامية" (1988)، وكتاب: "من الحريّات إلى التحرّر" (1972)...إلخ.

أمّا محمد عابد الجابري فهو من مواليد مدينة فكيك الجهة الشرقية من المغرب، وقد التقى الجابري برجالات النهضة والإصلاح والنضال السياسي والوطني الذين تركوا بصمة في ذهنه، حتى صار يناضل من أجل تأسيس الروح الوطنية في التعليم. درس في التعليم الابتدائي متدرّجاً ومكتسباً لطريقته البيداغوجية الفائقة في توصيل الأفكار وتبليغها مهما كانت مجرّدة وصعبة على الفهم والتعقل.

من المعلوم أنّ الجابري قد تأثر بالفلسفات الغربية الحديثة من قبيل الماركسية والباشلارية في التأريخ للعلم، والفوكوية التي تشتغل على نظام الخطاب والمقاربة الأركيولوجية.. بيد أنّ قراءته للتراث لم تكن قراءة إسقاطيّة أو لا تاريخيّة بقدر ما كانت تندرج ضمن تبيئة المفهوم وفق منطق الثقافة العربية ورهاناتها. ولعلّ من مؤلفات الرجل التي عرفت شهرة كبيرة: ("نحن والتراث" (1980)، كتاب: "تكوين العقل العربي" (1982)، وكتاب: "بنية العقل العربي" (1986)، .....) إلخ من المؤلفات التي رسمت رؤية منهجيّة قويّة في تقريب التراث الإسلامي العربي.

من المؤكد أنّ مهمّة الفكر عند الحبابي والجابري إنّما كانت، بغض الطرف عن اختلافاتهما الإيديولوجية والنظرية، محاولة استيعاب خصوصية الهويّة العربيّة واندماج سؤال التراث في قلب مسار الحداثة وفكرها وتحولاتها. وهذا يعني أنّ (الجابري والحبابي) لم يكونا يجسّدان ذلك التفكير الإقصائي الذي يرفض التراث، بل كلّ التراث مهما كانت جوانب منه إشراقية ومتنورة وتقدمية. بعبارة أدق، كان المفكّران المغربيان من المفكّرين العرب القلائل الذين ينتقدون التراث لبيان حدوده والإفادة منه، لدفع الهوية العربية وخصوصيتها التاريخية والحضارية لبناء حداثة أو معاصرة بطبعة عربية. ويترتّب على هذا، أنّ المفكرين الحبابي والجابري، قد استوعبا درس "هايدغر" الذي يقول إنّ اعتقادنا بأنّ التراث والماضي هو وراءنا هو اعتقاد خاطئ، إذ هو أمامنا، إنه قدرنا، ولا يمكن الانفلات منه إلا عبر عمليتي التملّك والتجاوز.

أولاً: من مهرجان الفارابي بـ"بغداد" إلى استئناف القول الفلسفي في المغرب

ربما ليس من المبالغة في شيء إذا ما استحضرنا قول الأستاذ محمد المصباحي: "بعد ابن رشد جاء الحبابي". وإن كان الأمر هنا يتعلّق بالطريق الجديدة التي دشّنها الحبابي في تأسيس القول الفلسفي، يعني حضور منجزات الغرب الفلسفية والفكرية ووقوع العالم الإسلامي تحت نير الاستعمار والإمبريالية...إنّها معطيات تؤثّث لتغير العمران وتحوّل لسان حال العالم بلغة ابن خلدون. إنها متغيرات جديدة لم تشهدها بالإطلاق الفلسفات الما بعد الرشديّة. فضلاً عن ذلك فإنّ استئناف القول الفلسفي في المغرب والعالم العربي، في خطوته الثانية، لم يكن إلا مع محمد عابد الجابري. كلّ ذلك في معرض نقد العقل وآليات اشتغاله، بعدما غرقت الثقافة العربية في نقد المنتوج والخطابات والمفاهيم والتصوّرات والنماذج والمذاهب والأسماء...والحال المعضلة تكمن في نقد العقل وليس في ما ينتجه هذا العقل. وهكذا انطلق الحبابي والجابري إلى مهرجان الفارابي الذي نظّم في بغداد في أواخر أكتوبر عام 1975 حاملين معهما الحمولات الثقافية والاجتماعية والإيديولوجية، بل قُلْ إنّهما طامحان في تجذير سؤال التراث في جسد الحداثة والمعاصرة من خلال فلسفة الفارابي. يقول الجابري مفصحاً عن هذه العزيمة والرغبة: "مرور ألف ومائة عام على ميلاد فيلسوفنا الأعظم، أبي نصر الفارابي، مناسبة تتيح لنا فرصة أخرى للعودة بأفهامنا وجماع وعينا إلى تراثنا العربي الإسلامي، لنجدّد الاتصال به، وتعميق فهمنا له، على ضوء تطوّر وعينا ونموّ معارفنا، وتحسين أساليبنا في البحث والدراسة (...) ألف ومائة عام فقط تفصلنا عن الفارابي كفكر وثقافة"[2]، وهو الهاجس ذاته الذي حمله معه محمد عزيز الحبابي في مهرجان الفارابي بـ"بغداد" باحثاً في "التراث عمّا هو قمين بأن يستوحي ويستخرج ويستمرّ في بناء بنيات ذهنية متطورة جديدة؟".[3]

وينتج عن هذا أنّ رؤية الحبابي والجابري هي رؤية طموحة وطامعة في تحصيل شروط التجديد وأسباب الإبداع. ولعلّ عنونة دراستهما تدلّ على ذلك دلالة واضحة وبارزة، إذ عنون الحبابي دراسته بـ: "أبو نصر الفارابي المنظّر للمجتمع المدني المثالي"، وعنون الجابري مداخلته بـ: "مشروع قراءة جديدة لفلسفة الفارابي السياسية والدينية". وأحسب أن عنوان الدراسة له من الدلالة ما يشي بأنّ الجابري كان يطمح إلى بناء مشروع نقدي عربي، وهو الأمر الذي يتضّح لنا إذا ما رصدنا لفظ "مشروع" و"المدرسة البرهانية" و"النظرة الشمولية"... والتي تحيل على هذا الطموح الإبيستيمولوجي الكبير، وقد حقّق الجابري جزءاً كبيراً منه. وأمّا الحبابي، فكان شخصاني المنزع والهوى، هواه هو الإنسان والشخص، أمر الإنسان ولواحقه من الاندماج والانفتاح والتحرر..وأكيد أنّ دلالة عنوان دراسته تفي بالغرض حينما تستوقفنا لفظة "المجتمع" و"المثالي"...هما لفظان يعبّران عن ترادفين للتفتّح على المستقبل وعالم الغد أو الغدوية...ومحاولة تخطّي الحاضر الفكري المنغلق...نحو الانفتاح على مستجدات العصر. إنها عملية تعصير الأصالة وتأصيل المعاصرة.

من هنا كانت رؤية الحبابي تنطلق من تأويل لفلسفة الفارابي أو ما سمّاها بـ"الفارابية" التي هي "كالفلسفات الإسلامية الأخرى أضخم بمكوناتها من الآثار المنشورة والمقروءة. ولكلّ فلسفة منها وجه خاص من التفكير العربي الإسلامي العام، استُغلّ جانب منه، ومازالت أوجه في انتظار الاستثمار"[4]. ومن ثمّة كانت قراءة الحبابي للفارابي وفلسفته قراءة تأويلية على جهتين: الجهة الأولى: محاورتها بالمعنى التاريخي المنهجي، والثانية: رصد المعنى التاريخي الوجودي.[5] إضافة إلى ذلك فإنّ الفارابية في تصوّر الحبابي تتحصّل بقراءتها على ضوء جدل الانفصال والاتصال. أعني ما "تمثله بالنسبة لعصرها، وما توحي به بالنسبة لعصرنا، عسانا نتفهّمهما أكثر وأحسن، وندخل في حوار معها ملتصق بالقضايا الحالية للعالم العربي-الإسلامي"[6]. وبهذا الاعتبار، فإنّ الهاجس المنهجي في قراءة فلسفة الفارابي عبر عمليتي: الاتصال والانفصال لم يكن نافلة فكرية أو متعة فلسفية بقدر ما كان رؤية مسلحة نظرياً. وآية ذلك إقرار الحبابي في سياق حديثه عن الغزّالية (نسبة إلى أبي حامد الغزّالي)، إنه يجدر بنا التعاطي معها وكأنها "حيّة تعاصرنا"[7]. وبالتالي، فقراءة الرجل للفارابية تنطلق من "تجاوز حرفية آثارها لتبرز إشكالياتها، فإنّ لكل قارئ معاملاً شخصياً له، يميز تلقائياً، ما لم يلائم طبعه واهتمامه؛ أي عناصر الرسالة الخاصة التي وجهها له الكاتب".[8]

لننعطف، ونقول إنّ رؤية الجابري وتأويله لمتن الفارابي، إنما يجعلنا نستشكل دور النظام الابستيمي الذي تحدّث عنه "ميشيل فوكو" بأنّ العصر يحكم رؤية العالم والفيلسوف والمؤرخ والأديب...حتى أنه ليس في مكنته الانفلات من أساسياتها ومعالمها الكبرى، وإن ظهرت لنا بعض الاختلافات بين هذا الفيلسوف أو ذاك، إنها اختلافات سطحية لا غير. وكذلك الأمر لدى الجابري، فما يتحدّث عنه الحبابي هو ذاته الذي يتحدّث عنه الجابري.

لنستمع إلى الجابري: "أمّا مائة العام الأخيرة التي شهدت يقظة الفكر العربي وتحرّره التدريجي مما علق به من عناصر التشوّش والتعتيم والانحراف، فإنها لم تمكّنا بعد من امتلاك ما يكفي من صفاء الرؤية، وعمق النظر إلى مشاكلنا بالدرجة نفسها من القوة والحرارة والتواضع التي نظر بها الفارابي إلى مشاكل عصره واهتمامات معاصريه"[9]. بمعنى لا بدّ من استحضار سؤال الماضي وامتداداته في الحاضر. إذا لم نتمكن من أن ندرس الفارابي "في إطار هذه الإشكالية نفسها، إشكاليتنا نحن الذين نعيش في القرن العشرين، والتي هي في حقيقتها وجود امتداد لإشكالية مماثلة عاشها الفارابي نفسه منذ ألف ومائة عام"[10]. فهذه الرؤية لا تجدف خارج النظرة الشمولية؛ أي ربط الأجزاء بالكلّ الذي تنتمي إليه، ونحاول أن نقيم ما يمكن إقامته من الروابط بين عالم الفكر وعالم الواقع".[11]

وهكذا، فالقراءة الصحيحة في نظر الجابري "لا تتأتّى (...) إلا بقراءة ما قرأه الفارابي، وبالشكل الذي قرأه به. أعني بذلك أنه علينا أن نجتهد ونجاهد في أن نعيش بوجداننا وعقولنا الإشكالية نفسها التي عاشها الفارابي وحاول فكّ رموزها. إذا نحن أردنا النفاذ إلى عمق تفكيره وآفاق رؤيته"[12]. إنها لحظة الاتصال والانفصال في قراءة الفارابي، وهو المنطلق ذاته الذي يزاوج فيه الجابري والحبابي على حد سواء. وأكثر من ذلك، فإنّ هناك أيضاً تشابهاً بين الحبابي والجابري على مستوى الحدوس الفلسفية، إذ يعترض الجابري على جعل الفارابي ناقلاً فحسب. "إنه لو كان الفارابي مجرد فيلسوف ناقل، كما يقول بعض الباحثين لما أجهد نفسه في الجمع بين رأيي الحكمين ولاقتصر على نوع واحد من الاقتباس، النوع الذي لا يتطلب تأويلاً ويستوجب توقيفا"[13]. ولعل الخروج عن هذا التصور المنغلقينبغي النظر في الوظيفةالإيديولوجية التي أعطاها كل فيلسوف لهذه المعارف[14]، وليس الاقتصار على المادة المعرفية، لأنّ ذلك سوف يجعلنا، حسب الجابري، نقرأ الفلسفة كسلسلة متكرّرة من حيث المفاهيم والتصورات. أمّا قول الحبابي فهو يكاد يتشابه مع قول الجابري حينما قال: "خلافاً لما يدّعيه بعض المؤرخين من أنّ الفارابي مجرد ناقل وشارح للفلسفة اليونانية، فالاسترشاد بتفكير الآخرين"[15]، بمعنى أنّ الفارابية هي "حصيلة حوار، لا عملية نقل. إنها تمثّل حملاً وولادة".[16]


رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
مفهوم الطلل في الشعر العربي القديم مصطفى شعبان البحوث و المقالات 0 11-11-2019 07:46 AM
مفهوم الرمز فى الشعر الصوفى سيد حشمت محمد أمين البحوث و المقالات 2 06-08-2016 06:53 PM
مفهوم التلقي في التراث العربي علاء التميمي البحوث و المقالات 3 03-06-2016 05:35 PM


الساعة الآن 09:39 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by