مقدمة الأزهري لكتابه تهذيب اللغة بين منهجين: منهج البحث ومنهج التصنيف، قراءة تحليلية.
الفكرة والملخص:
أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي،: أحد الأئمة في اللغة والأدب، مولده ووفاته في هراة بخراسان. نسبته إلى جده «الأزهر» عني بالفقه فاشتهر به أولا، ثم غلبت العربية، فرحل في طلبها وقصد القبائل رغمًا عنه, وتوسع في أخبارهم.شهِر بكتابه "تهذيب اللغة" واسم الكتاب بما يوحي به عنوانه، نحا نحو التنقية، وإثيات ما صحّ لديه, وللكتاب مكانته بين معاجم اللغة العربية, لما ألزم به مؤلِّفه من التزام الصحّة فيما يدوِّنه فيه, قال عبد السلام هارون: ((تعدّ مقدّمة التهذيب من أهمِّ الوثائق في تاريخ التأليف اللغويِّ, وتاريخ المدارس اللغويّة الأولى)). (مقدمة التحقيق ص17), وقد صدّر كتابه بمقدِّمة مازته عن المعاجم, وفيها:
تقويم الأعمال السابقة. ومقاصد التأليف ودوافعه لديه. والحاجة إلى مثل هذا العمل, ومنهج جمع المادة. ومصادر المادّة(الرواية المباشرة عن العرب, الرواية عن علماء اللغة ورواتها). وتقويم تلك المصادر والمرويّات. ومنهج تصنيف المادة. وفي سبيل هذا عمل الأمور التالية:
1) الاطلاع على الأعمال السابقة.
2) عملية الفرز , وتنقية المادة اللغوية.
3) مصادره وتقويمها. (توثيق المادة الصحيحة، وتحقيقها, والحديث عن مصادره).
4) اختياره تصنيف المادة اللغوية وفق تبويب وترتيب الخليل بن أحمد الذي دوّنه في مقدِّمة العين.
أهمّ الفوائد التي نجنيها من المقدمة:
1) إيراد المصادر.
2) تقويم مصادر المادّة العلمية. وهذا العمل سيبعد عنّا ظاهرة التزيّد من المصادر, وعدم التمييز بينها حسب قيمتها وأهمّيّتها, وهي مختلفة متفاوتة, وسينقلنا من ظاهرة إفراغ محتويات المكتبات الشخصية من أسماء الكتب, وعناوين البحوث في آخر كل عمل نقوم به, أو كل قائمة نذيِّل به إنجازاتنا علمي.
3) بيان الفئات المستهدفة , وربط العمل وخطابه بما تريده هذه الفئة, وهذا يرتِّب علينا أن لا نحاسب مؤلِّفًا ولا كاتبًا من دون أن ننظر إلى الفئة المستهدفة, والجماعة المخاطبة بالعمل.
*******
مقــدِّمة:
من غرائب الموافقات أن تحدّثت إليكم في المرّة الماضية في ندوة "مركزية الجاحظ في الثقافة الإنسانية "عن "أوَّليّات وإبداعات الجاحظ اللغويّة"، وأن أتحدّث إليكم في هذا المقام عن الجاحظ في سياقٍ آخر؛ إذ ذكره أبو منصور الأزهري واحدًا من فئةٍ, حذّر من قبول مرويّاتهم, وسطر أقوالهم, والاعتداد بما دوّنوه عن غيرهم في اللغة؛ إذ يقول: ((وممَّن تكلم في لغات العرب بما حضر لسانَه وروى عن الأئمة في كلام العرب ما ليس من كلامهم: عمرو بن بحر المعروف بالجاحظ: وكان أوتيَ بسطةً في لسانه، وبياناً عذباً في خطابه، ومجالاً واسعاً في فنونه، غير أن أهل المعرفة بلغات العرب ذمُّوه، وعن الصِّدق دفَعوه. وأخبرَ أبو عُمر الزاهد أنه جرى ذكره في مجلس أحمد بن يحيى فقال: اعذِبوا عن ذكر الجاحظ فإنه غير ثقة ولا مأمون)). [مقدمة التهذيب 1/30] . فهل معنى هذا أن الجاحظ غير صالح للدرس اللغويّ, والجواب: لا, لا يلزم, فأبو حنيفة أحد الأئمّة الأربعة,ويمثِّل مدرسة فقهيّة, وهو صاحب مذهب له أتباعه, وإن كان عند المحدِّثين رجلا آخر, والأصمعي عند أهل اللغة إمام, وإن كان في قياس اللغة من نحو وصرف دون ذلك, والإمام عاصم أحد القرّاء السبعة, وإمام في الإقراء, وإن كان عند المحدّثين صدوقًا, أو ما يقارب هذه الدرجة, وليس المأخذ على شخص في جانب بمسقطه في سائر الجوانب؛ فالعالم قد يتميّز في علم, ويكون في غيره دون التقدمة، أو الصدارة, وهذا لا يضيره, ولا يغضّ من قدره فيما تقدّم فيه.
والمقدّمة للمعجم تكاد تكون من لوازم التصنيف في المعجم, سبِق إليها الأزهريّ إليها، وسار على طريقه من جاء بعده, ولا يكاد يخلو معجم من مقدمة, قصرت أو طالت، فالمصباح المنير في غريب الشرح الكبير للفيومي كتب له مؤلّفه مقدمة, كما كتب له خاتمة لها أهميتها وقيمتها العلمية, وكتب فيها شيئًا مما يكتب في المقدِّمات.
المقدمة أو ما يسمّى عتبة النص – إذا كانت من عمل المصنّف- يجب أن تكون هي الإطار الذي يفهم النص في سياقه, وهي الموجِّه لفهم مقاصد المؤلّف, وما يلزمه في تصنيفه, ومن هنا تأتي أهمّيته, لو التزم المؤلِّف الإيجاز والتلخيص لا يؤاخذ بترك التفصيلات والإخلال ببعض ما لا تدعو إليه ضرورة من أجل التلخيص, فابن ولاد لمّا ألف كتابه المقصور والممدود قصد إلى تعداد الألفاظ, ولم يقصد إلى شرحها, فليس لنا أن نستدرك عليه تفصيلات وشروحًا لا تلزمه, ولا أن نلزمه بغير ما التزم, ولو اشترط الصحة, كالبخاري في صحيحه, ليس لنا أن نطالبه بإيراد كل الأحاديث, وإن لم تكن صحيحة. وكثير من النصوص التي نشرها بعض المنتسبين لصنعة التحقيق، أساءوا إليها من حيث قصدوا الإحسان, وغالب الظن أنهم لم يأخذوا مقدمة المؤلف التي رسم فيها خطته،والمنهج الذي التزمه, والغاية التي صنّف عمله من أجلها, ولا استوعبوا مقاصده كما ينبغي.
ولدينا في تراثنا مقدّمات تعدّ إبداعًا علميًّا تضيف إلى المعرفة, وتؤسِّس لقواعد كليّة لموضوع الكتاب الذي تتصدّره, وقد كان لي تجربة في دراسة بعض هذه المقدمات أو عتبات النص مع طلابي في برنامج الدكتوراه في مادة "نصوص في اللغة والنحو والصرف"وتقرير بعضٍ منها تحليلا ودرسًا, ومن هذه المقدّمات: مقدمة كتاب الوافي بالوفيات: لصلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي (المتوفى: 764هـ) وهي مقدمة حافلة, تقع في أحد عشر فصلا تنيف على ثلاثين صفحة, بحثت قضايا مهمة في الأعلام, وضبطها , وأمور تتعلق بالتاريخ وكتبه المتنوِّعة. ومقدمة تاج العروس من جواهر القاموس لمحمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (المتوفى: 1205هـ) صدّر كتابه بمقدمة طويلة غير مقدمة الفيروزآبادي للقاموس. ومن المقدّمات الجيّدة مقدّمة ابن سيده لكتاب "المحكم" وهي مقدمة طويلة, فيها فوائد وكليّات مفيدة.
وليست كل المقدّمات يكتبها المؤلّفون, فهناك مقدمات كتبها قارئو النص من محققين, ومعجبين, وناقدين، وهذه لا تهمّنا في هذا المقام, ومن المقدّمات مقدّمات ذات قيمة علمية كبيرة، وقد تكون بمثابة خطة المشروع أو المدخل إليه كما أن هناك مقدّمات ليس لها أهميّة علمية, إذ لا تعدو نمطًا تقليديًّا,أو تقريظًا يستفيد منه المؤلّف, وقد يخدع القارئ, أو تسلية يسرق بها المؤلّف وقت القارئ, وهذه لا تهمّنا أيضًا.
وقد استهوت التسمية بعض المؤلِّفين في العلوم الإسلامية والعربية، فسمّى ابن الصلاح كتابه في علوم الحديث المقدّمة, كما فعل ذلك ابن خلدون(ت832) وابن النقيب الذي كتب مقدمة التفسير التي طبِعت أول الأمر معزوّة لابن القيِّم باسم الفوائد, كما كتب في هذا العصر جمال الدين القاسميّ الدمشقي مقدمة في مجلد, صدّر بها كتابه في التفسير "محاسن التأويل ".
*********
كلمة عن الكتاب ومقدّمته ومؤلّفه:
وكتابة مقدمة للمعجم العام أمر شائع, معروف تتابع عليه بعض مصنفي المعاجم, فلم يخلُ منها كتاب "العين" للخليل بن أحمد ، فله مقدّمة في ثلاث عشرة صحيفة, ومثله الجمهرة لابن دريد له مقدمة في أربع عشرة صحيفة, ولم يكتب ابن فارس في معجميه ((المجمل , والمقاييس)) مقدمة طويلة, وإنما كتب مقدمة مختصرة, عن فكرة الكتاب ومصادره وأصول مادّته, ولم يكتب الجوهري في مقدمته سوى بضعة أسطر, بل بعض من انتقدهم الأزهري في كتابه ومقدمته لم يخلوا كتبهم من مقدمات ، وعلى رأس هؤلاء أحمد بن محمد البشتي, ففي حين يكون تصدير المعجم ليست فكرة امتاز بها عن غيره من المعجميين ، تبقى له ميزة القيمة العلمية؛ فمقدمة تهذيب الأزهري نصٌّ نادر، قل أن نجد له نظيرًا في تراثنا؛ إذ هو مدخل لكتاب أو معجم قل مثله, وعزّ نظيره, باعتراف أهل العلم، يقول ابن منظور: ((وَلم أجد فِي كتب اللُّغَة أجمل من تَهْذِيب اللُّغَة لأبي مَنْصُور مُحَمَّد بن أَحْمد الْأَزْهَرِي، وَلَا أكمل من الْمُحكم لأبي الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن سِيده الأندلسي، رحمهمَا الله، وهما من أمّهات كتب اللُّغَة على التَّحْقِيق، وَمَا عداهما بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا ثنيَّات للطريق. غير أَن كُلًّا مِنْهُمَا مطلب عسر المهلك، ومنهل وعر المسلك)) [لسان العرب 1/ 7] ولم يشأ الأزهري أن يجعل القيم التي ساقها في مقدّمته خاصة بكتابه، بل جعلها نبراسًا وميزانًا لفحص ما يروى من اللغة عن طريقه, وهو صالح لما كان نحوه من مرويات غيره, فقال بعد كلامه عن الليث بن المظفَّر: ((ومتى ما رأيتَني ذكرت من كتابه حرفاً وقلت: إني لم أجده لغيره فاعلم أنَّه مُريب، وكنْ منه على حذر وافحصْ عنه؛ فإن وجدتَه لإمام من الثقات الذين ذكرتُهم في الطبقات فقد زالت الشُّبَه، وإلاّ وقفتَ فيه إلى أن يَضِحَ أمرُه)). [مقدمة التهذيب1/29]. ومقدّمة التهذيب يمكن أن نسترشد بها لاستخراج كتب أو نصوص أو نقترب منها، كما تمكننا من استدراك على كتب مطبوعة, مثل معاني القرآن للفراء. كما حفظت لنا تعريفًا ببعض الأعلام, إلى جانب ما حفظه لنا من مرويّاتهم, وشيء من آرائهم.
نحن اليوم في رحاب أزهريٍّ لم يتخرّج في الأزهر, ولم يتقلّب بين أروقته, ولم يتنقّل بين حلقاته العلمية، ومجالسه العامرة, وأشياخه المقدّمين, ولا صدوره الأفاضل, إنه أبو منصور الأزهري محمد بن أحمد بن طلحة بن نوح بن الأزهر الأزهري الهرويّ الشافعيّ المولود عام 282هـ والمتوفّى عام 370هـ, ـ
نحن في هذه الكلمة أمام نصّ تهيّأت لصاحبه جميع عوامل الإبداع؛ فهو إلى جانب قوّة الدافع, ووضوح الرؤية, يملك الاستعداد الفطري للنبوغ, بما يعنيه من قدرة على الحفظ, والاستيعاب, والتنظيم, والنقد, والتفكير الصحيح, وما يتصل بذلك من الحب الذي وصل به إلى حدِّ الفناء فيما أحبّه من علم اللغة ومعجمها, فوهب نفسه له, واستمرّ عليه طيلة عمره الذي نذره له من أيّام صباه حتّى جاوز السبعين, وهذا مقوّم من مقوِّمات الإبداع, ولم يكتف بهذه الثلاثة، بل أضاف رابعًا لا يقلّ أهمية عنها في الإبداع، وهو الاهتمام الذي لازمه ولم يفارقه, الاهتمام الذي جعل فيه همّه المعجمي مرافقًا له, وملازمًا, في تقلّبات حياته في حلّه و ترحاله, في حرّيّته وإساره, كما تدلّ على ذلك سيرته, وعمله, وما أخبر به عن نفسه.
وفي حياته ما يستدعي الوقوف والتأمل, منها:
أنه طلب العلم ، وتلقّاه عن أشياخه في بلده، ، ثم عزم على الحج فوقع في الأسر لدى القرامطة, فكان الأسر نعمة عليه, ونتاجًا متميِّزًا للمعجم العربي, استمع إليه وهو يقصّ قصته هذه ((وكنت امتُحنت بالإسار سنةَ عارضتِ القرامطةُ الحاجَّ بالهبير ، وكان القومُ الذين وقعتُ في سهمهم عرباً عامتهم من هوازن ، واختلط بهم أصرامٌ من تميم وأسد بالهبير نشئوا في البادية يتتبعون مساقط الغيث أيامَ النُّجَع، ويرجعون إلى أعداد المياه، ويرعون النَّعمَ ويعيشون بألبانها، ويتكلمون بطباعهم البدوية وقرائحهم التي اعتادوها، ولا يكاد يقع في منطقهم لحنٌ أو خطأ فاحش. فبقيت في إسارهم دهراً طويلاً. وكنا نتشتَّى الدَّهناء، ونتربع الصَّمَّان، ونتقيَّظ السِّتارَين، واستفدت من مخاطباتهم ومحاورة بعضهم بعضاً ألفاظاً جمّة, ونوادر كثيرة، أوقعتُ أكثرها في مواقعها من الكتاب، وستراها في موضعها إذا أتَتْ قراءتك عليها إن شاء الله )). [التهذيب (1/7-8].
أنه استكمل تحصيله العلمي, وروايته اللغة عن علماء و مشايخ بغداد من المشاهير من أمثال: محمد بن إبراهيم بن عرفة (نفطويه) (ت323). وأبي بكر محمد بن السري (ابن السراج) (ت316) وأبي إسحاق الزجاج(ت311) وأبي بكر بن الأنباري(ت328) وغيرهم ممن كان في هذه الطبقة. كما لقي آخرين ذكرهم في مقدمة كتابه, وتضاعيفه, كابن دريد, ثمّ عاد إلى هراة ليأخذ عن أشياخها ذوي التوجهات والاهتمامات العلمية المختلفة، من أمثال أبي الفضل محمد بن أبي جعفر المنذري (ت329) ولعله أخذ عنه قبل إساره, وأبي محمد المزني الشافعي(361) وأبي القاسم البغوي (317).
له مؤلّفات, أوردها مترجموه , ولعل أهمها ثلاثة كتب طبعت هي:
1) تهذيب اللغة , وهو بحقٍّ اسم وافق مسمّاه, وهو معجم كبير الحجم, لابدّ لكل من يتصل بعلوم العربية وآدابها بسببٍ أن يفيد منه إمّا مباشرة, وإمّا عن طريق من نقلوا عنه واحتووه في كتبهم، مثل لسان العرب المعجم المشهور؛ إذ هو أهمّ موارده, وقد حرّر مادّته, ووثقها, واقتصر على الصحيح الثابت لديه من اللغة, ورتّبه وفق الترتيب الذي اختطّه الخليل لكتاب"العين".
2) معاني القراءات .
3) الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي. وهو معجم للألفاظ الفقهية, فهو تفسير الألفاظ الواردة في مختصر المزني (ت264) وقد يختلف المترجمون في تسميته.
وقد أورد مترجموه له كتبًا أخرى, مثل: كتاب الأدوات, والتقريب في التفسير, وتفسير أسماء الله (عزّ وجلّ). وتفسير إصلاح المنطق لابن السِّكِّيت, وتفسير السبع الطوال, وتفسير شعر أبي تمام, وتفسير شواهد غريب الحديث, ولعله كتاب معاني شواهد غريب الحديث, وكتاب الروح وَمَا ورد فِيهَا من الْكتاب وَالسّنة, وكتاب الحيض، والرد على الليث, وعلل القراءات, ولعله معاني القراءات المطبوع.
*******
مقاصد تأليف تهذيب اللغة والدروس منها:
ألّف كتابه في آخر عمره, وقد جاوز السبعين, وهذا مدعاة النضج والإتقان.
للمؤلّف من تأليف كتابه مقاصد, كلها تعود لمقاصد شرعية، أراد من ورائها خدمة نصي الوحي: القرآن والسنة، وتحرير اللغة التي يتوصّل بها إلى فهمهما، وإدراك معانيهما, وفهم مغازيهما, فدوافع التأليف لديه ثلاثة، وهي ظاهرة من قوله: ((وقد دعاني إلى ما جمعتُ في هذا الكتاب من لغات العرب وألفاظها ، واستقصيتُ في تتبُّعٍ ما حصَّلت منها، والاستشهاد بشواهد أشعارها المعروفة لفصحاء شعرائها، التي احتجَّ بها أهل المعرفة المؤتمنون عليها، خلالٌ ثلاثٌ:
منها: تقييد نكتٍ حفظتُها ووعيتُها عن أفواه العرب الذين شاهدتهم وأقمت بين ظهرانيهم سنيَّات؛ إذ كان ما أثبتَه كثيرٌ من أئمةِ أهل اللغة في الكتب التي ألّفوها، والنوادر التي جمعوها لا ينوبُ منابَ المشاهدة، ولا يقوم مقام الدُّربة والعادة .
ومنها: النصيحة الواجبة على أهل العلم لجماعة المسلمين في إفادتهم ما لعلَّهم يحتاجون إليه . وقد روينا عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ( ألا إن الدينَ النصيحة لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ) .
وقال في آخر مقدمته: ((وقد سمّيت كتابي هذا (تهذيب اللغة) ؛ لأنِّي قصدت بما جمعت فيه نفْيَ ما أدخل في لغات العرب من الألفاظ التي أزالَها الأغبياء عن صيغتها ، وغيَّرها الغُتم عن سننها، فهذبت ما جمعت في كتابي من التصحيف والخَطاءِ بقدر علمي، ولم أحرص على تطويل الكتاب بالحشو الذي لم أعرف أصله؛ والغريب الذي لم يُسنده الثقات إلى العرب)). [مقدمة التهذيب1/54]