توزيع الضّمائر في قوله تعالى :
وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلّى وَنُصْلِهِ
جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النّساء/115]
أقول وبالله التّوفيقُ: مَن لا يُلقي بالاً لعلاقات الكلمِ بعضِها ببعضٍ في الآيَة يحسبْ أنّ الهاء في [تبيَّنَ له] يعودُ على الرّسول أو على الأقلّ يحتملُ مرجعَيْن هما اسم الشّرط الجازم [مَنْ]
والرسول ، مَعاً .
وهذا أمرٌ منفيٌّ قطعاً لأنّ توزيعَ الضّمائر ليس مَحْكوماً بقواعد التعليقِ والتّركيبِ والنّظمِ فقط، ولكنها مضبوطَةٌ بضابطٍ أكبَرَ وهو السياقُ الخارجيّ الذي يُعين على فهم دلالة النّصّ ، ويدخلُ
في السياقِ الخارجيّ أسبابُ النزولِ وواقع الحال والمَقام... وعليه ، فالضّمير في [لَه] يعود على اسم الشرط الجازم [مَن] والضّمير المستتر في [يتّبعْ] يعودُ أيضاً على [مَنْ] وليس على
الرّسول لأنّ الرّسولَ صلى الله عليه وسلّمَ مُبلِّغُ الهُدى وحاملُه والعاملُ به والقُدوةُ فيه والإسوةُ الحَسَنَةُ فيه، فكيفَ يُشاقُّ الرّسولُ نفسَه والهاءُ في [نُصلِه] عودُ أيضاً على [مَنْ] ويربطُ
جوابَ الشّرطِ بأاتِه
وعلى هذا المنوالِ يُقاسُ تَوزيعُ الضّميرِ في النصوص البليغَةِ الفصيحَة ، أولُها القُرآن الكريمُ ثمّ الحديثُ النّبويّ الصّحيحُ، ثُمّ الشعرُ العربيّ الفصيحُ الرّصينُ قديمه وحَديثُه
***
توزيع الضمائر في قوله تعالى :
يا أيُّها الذينَ آمَنوا لِيَسْتَأذِنْكُمُ الذينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ والذينَ لَمْ يَبْلُغوا الحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحينَ تَضَعونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظّهِيرَةِ ومِنْ بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ
لَيْسَ عَلَيْكُمْ ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللهُ عَليمٌ حَكيمٌ [سورة النور، الآية:58]
في الآية ضمائرُ كثيرةٌ، موزّعةٌ على الكلماتِ ورابطةٌ بينها، في نظامٍ لغويّ تركيبيّ مُحكمٍ، يتحكّمُ فيه نظامٌ سياقيٌّ مقاميٌّ مُحدَّدٌ، يضبطُ قانونَ توزيعِ تلك الضّمائرِ:
-من الضّمائر ضمائرُ المُخاطَبَة: الكاف في “ليستأذنكم” – “أيمانكم” – “منكم” – “تضعون” – “ثيابكم” – “لكم” – “عليكم” – “بعضكم”
-وضمائر الغياب: جمع الغائبين: “آمنوا” – “يبلغوا” – “عليهم” - “طوّافون” – “بعدهن” [يرجع إلى العوْرات أو المَرّات، والأرجَح عَوْدُه على العَوْرات لقُربِ ذكْرِه، وقد نُزّلَ غير العاقل منزلَةَ العاقل
لمُلابسَةٍ بينَهُما] –
- وأسماءٌ مبهمةٌ تتنزّلُ منزلةَ الضّمائر، كأسماء الموصول: الذينَ (التي تعود على المؤمنين) والذين (التي تعود على مَملوكي اليَمين) والذين (التي تعودُ على القاصرين) وحروفٌ تتنزّلُ منزلةَ
الضّمائرِ مَعْنىً لا نحواً : ها التي للتنبيه، التي جاءَت متصلةً بالمُنادى
**********************
أين يتجلى قانونُ توزيع الضّمائر ؟
يتجلّى قانونُ توزيع الضّمائرِ والمُبهماتِ في الآيَة :
* في شبكةٍ تتداخلُ فيها ضمائرُ الخطابِ والغَيْبة ، و ضمائرُ أو مُبهماتٌ اتّحدَت لفظاً واختلَفَت معنى ومرجعاً
* في مُلابسَة الضّميرِ لقيمِ الزّمانِ أو المَكانِ أو الموضوعِ : “حين تضعون ثيابكم من الظّهيرَة”خلافاً لـ: “صلاة الفجر” و “صلاة العشاء”، فالظّرفُ الأوّل فيه مُلابسَةُ المُخاطَبينَ، فقد عبّرَ بزمن وضعهم
ملابسَهُم، تمييزاً لفترة محدَّدة وتبييتاً وتَقْييداً، حتّى لا تلتبسَ بفتراتٍ أخرى من الظّهيرَةِ نفسِها، ففي الظّهيرَةِ مُتَّسعٌ يتقيّدُ بمِنْ البيانيّةِ، ويجوزُ وجه آخَر، وهو أنّ الجارّ والمَجْرورَ [من الظّهيرة] يُ
قيّدانِ زمَن وضعِ الثّيابِ حتّى لا يُرادَ به مُطلقُ زمنِ الوَضعِ
* في ملابسَة المُخاطَبين للغائبينَ [ليستأذنكم الذينَ - لم يبلُغوا الحُلُمَ منكُم - طوافون عليكم]
* في ملابسَة المُخاطَبينَ للأحوالِ المختلفةِ [ثلاث عوراتٍ لكم، وهي حالةٌ مركزيّةٌ جامعةٌ تختصرُ الأوقاتَ الثّلاثةَ و ما يُلابسُها من صفاتٍ وأحوالٍ.
* فهذه بعضُ خَصائصِ قانون توزيع الضّمائرِ ، في الآيَة ، و ينبغي التّنبيه على حقيقةٍ ثابتةٍ :
أنّ قانونَ توزيعِ الضّمائرِ لغةً وتركيباً تابعٌ لقوانين توزيعِ الأحوالِ الاجتماعيّةِ والآدابِ والأعرافِ والمَقاماتِ فشبكةُ توزيعِ الألفاظِ في التركيبِ، تابعةٌ للشبكةِ الاجتماعيّةِ الواسعَةِ ومُقيَّدةٌ بها، ولكنّ مع
التنبيه أيضاً على أنّ اللغةَ العربيّةَ تشتملُ على ما يَكْفي من الأدواتِ والمُرونَةِ والاتّساعِ حتّى تَسَعَ آياتِ الله عزّ وجلّ وتُبلِّغَها للناسِ في أبلغِ صورةٍ .