عطف التسبيب في الحديث النبوي
د. مصطفى شعبان
ناهزتني نكتةٌ بلاغيةٌ في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزَن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال".
هذا قبس من الطب النبوي المُوَصِّفِ لأصول الأدواء في النفس البشرية ومورد الشفاء منها، فإن الإعجاز في ذلك الدعاء النبوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ربط بين سبب الداء والمُسَبَّبِ عنه بطريقة تفوق خيال المتبطئ ويفتحها الله لبديهة المتفطن..وانظر:
الهم والحزن: فالهمُّ من أعظم مسببات الحزن.
العجز والكسل: فإن العجز عن الفعل مسبب للكسل والخمول.
الجبن والبخل: فإن النفس إذا جَبُنَتْ بَخِلَتْ وشَحَّتْ وأقْتَرَتْ.
غلبة الدين وقهر الرجال: فإن الإنسان إذا غلبه دينه وذلت عنقه قهره الناس وأذلوه.
فالعطف هنا ليس من قبيل عطف الجمع والتشريك، بل عطف تسبيب، عطف الشيء على سببه، فالهم سبب الحزن، والعجز سبب الكسل، والجبن سبب البخل، وغلبة الدين سبب قهر الرجال...وإن شئت فقل: عطف ترتُّب؛ لترتب المسبَّبِ على سببه، وهذا يُزاحم قول النحاة في تخصيصهم (الفاء، وثم) وحدهما بإفادة العطف مع الترتيب، ولا مانع من اعتبار الجمع والتشريك من باب أن السبب والمسبب كلاهما مشتركان في الحكم الأصلي وهو (حصول المرض النفسي المعنوي).
وشفاء ذلك كله هو: ""أعوذ بالله""...إعلان الاستعاذة بالله والتبرء من كل حول وقوة إلا من حوله وقوته سبحانه.
فاللهم صل وسلم وبارك وتكرم على سيدنا ومولانا أفصح الأنام ومسك الختام محمد بن عبد الله وعلى الآل والصحب الكرام.