القرآن الكريم واللغة العربية
الأستاذ علي النجدي ناصف
كان عرب الجاهلية يُعرفون ببراعة البيان، وشدة العارضة، والتقدم في اللسن، وكان الكلام البليغ أملك لنفوسهم، وأوقَعَ في قلوبِهم، وهُمْ إلَيْهِ أشوق، وفيه أرغب؛ لذلك اقتضت حكمة الله تعالى أن يجعل القرآن دون غيره معجزة نبيه - صلى الله عليه وسلم - إليهم، يتحدى به، ويعوِّل عليْه في الدعوة والتشريع، واثقًا به، مطمئنًّا إليه، يعلم حق العلم أن الله جلت قدرته قد آتاه من فصاحة النظم، وصحة الحكم، وبراعة التقسيم، وشرف القصد مالم يؤتِ كلامًا سواه.
ولو أنصف العرب لكانوا أحق أن يقدروه، وينزلوه منزلته فوق منازل الكلام، وأن يذعنوا له، ويلبوا داعيه، خاشعين مذعنين، لكنهم انقسموا في الإيمان به كما ينقسم الناس في كل جديد يتصدى لواقع من الأمر يريد أن يبدله، ويحمل الناس على خلافه، فكيف إذا كان الجديد نقضًا صريحًا لعقيدة دينية راسخة، وإبطالاً جازمًا لتقاليد موروثة متأصلة؛ فمنهم من غلب على هواه، وتخلص من عصبيته، وربأ بنفسه عن اللجاج والإصرار على المكابرة والعناد، فآمن به، ودعا إليه، وجاهد فيه أصدق جهاد وأبلغه فداء واحتمالاً.
ومنهم من كفر به، وصد عنه، وراح يؤلِّبُ عليه، ويبطش بأصحابه تعاليًا واستكبارًا، حتى كان منهم من سمع آيات منه فأحمده،، وخشع له، ولم يسعه حين وصفه إلا أن يقر بامتيازه وتفرده في الكلام، فما هو برجز ولا شعر ولا بضرب آخر من جنس ما يتعاطون من فنون القول، ومع ذلك أبتْ عليه العصبية في شدتها، والحمية في ضراوَتِها أن يؤمن به، أو يعدل في أمره عن سنن معارضيه من مقاومته والافتراء عليه.
وحار كُفَّار العَربِ في القرآن، لا يدرون ما هم قائلون فيه، ولا ما هم صانعون به؛ لانتقاصه والنَّيْلِ مِنْهُ ومِنْ صاحِبِه؟ إنَّه كلامٌ عَرَبِيٌّ، ما في ذلك ريب ولا عليه خلاف، لكنَّه كلامٌ لا يُدَانِيهِ كلام سواه، في براعة نَظْمِه، وحلاوة منطقه، وائْتِلافِ فواصله، وإحكام تقاسيمه، ومتانة نسجه، لا ترى فيه كلمة ينبو بِها مكانها، أو تضيق بها جيرتها، ولا تجد من حروفها حرفًا نافرًا، يلوي اللسان بها، أو يخل بخفة أدائها وعذوبة جرسها.
وما كان الله - تعالت حكمته - ليدع هؤلاء المعاندين وشأنهم، يزين لهم الهوى أن يتمادوا في التقول على القرآن والخوض فيه، فأخذ بتلابيبهم إلى التي لا قِبَل لهم بها، ليكشف عوارهم، ويطامن من كبريائهم، فتحدَّاهم جهرة، وفى غير مواربة، أن يأتوا إن استطاعوا بقرآن مثله، ولما أن عجزوا وطال عجزهم، حط عنهم وتحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله، لا يحدها بقدر، ولا يعينها بوصف، ولما أن عجزوا وطال عجزهم أيضًا، حطَّ عنهم وتحداهم أن يأتوا بسورة واحدة مطلقة أيضًا من المقدار والوصف، ولما أن عجزوا وطال عجزهم تحداهم آخر الأمر أن يأتوا بشيء من مثله: آية أو آيَتَيْنِ مثلاً، ولما أن عجزوا وطال عجزهم، قالها عالية مدوية يتردد صداها في سمع الزمان: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88].
ولقد أقاموا مع ذلك على صمتهم، فما يُبدِئون ولا يعيدون، كأن التحدي لم يكن لهم، وكأنهم ليسوا أمراء البيان، وأصحاب الحمية الجاهلية فيما يعلم الناس، فحق عليهم بذلك خزي الكذب الصراح، والادعاء الباطل؛ إذ كانوا - كما يحكي القرآن عنهم - يقولون حين تتلى عليهم آياته: {قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال: 31]، ولو قد تكلف منهم متكلِّف، فعارض القرآن أو شيئًا منه لظهر أمره، ولوجد كما يقول الجاحظ: "من يستجيده، ويحامي عنه، ويكابر فيه".
وهذا أبو العلاء المعري مثلاً، لقد حاجَّ في القرآن، ونفى أن يكون من كلام البشر، فيقول: "هذا الكتاب الذي جاء به محمد - صلَّى الله عليه وسلم - كتاب بَهَرَ بالإعجاز، ولقي عدوه بالإرجاز، ما حذي على مثال، ولا أشبه غريب الأمثال، ما هو من القصيد الموزون، ولا في الرجز من سهل ولا حزون، ولا شاكل خطابة العرب، ولا سجع الكهنة ذوي الأرب"، ومع ذلك لقد اتُّهم المعري بأنه ألف كتابًا عارض فيه القرآن، سماه: "الفصول والغايات في مجاراة السور والآيات".
وما أحسب مسيلمة ومن عمل مثله كانوا يريدون أن يعارضوا القرآن، ويبطلوا إعجازه بما كانوا يتكلَّفون لأصحابِهم من قول، لأنهم كانوا يعلمون حقًّا ما يشوبه من ضعف وقصور، وإلا فما لهم لم يستطيعوا الفكاك من الانجذاب إليه، والأخذ على سننه؟ ولكنهم أرادوا بما عملوا أن يكون لدعواهم خصائص النبوة، ومعالم الرسالة الإلهية، وأنها ليست اختلاقًا من عندهم، ولكنها وحي من عند الله يتنزل عليهم من السماء.
فليس عجيبًا إذًا أن يتَّخذَه النَّاسُ مَثَلَهُم الأعلى في نصاعة البيان وبلاغة التعبير، وأن يكون لهم من منتخب كلمِه، ومُحكَمِ نَظْمِه، وشرف معانيه، مددٌ لا نفاد له ولا انقطاع، يُزَيِّنُون به كلامهم من المنظوم والمنثور، على تعاقب العصور، منذ عصر النبوة إلى يومنا هذا.
ولا أريد أن أستكْثِرَ في هذا المقام من الشواهد التي تدلُّ على بعض ما أفاد الشعراء لشعرهم من مفرداتِه، وأساليب آياته، وبارع معانيه، وبِحَسْبِي لمحاتٌ خاطفة، أرجو أن يَكونَ في قليلِها كفايةٌ وبلاغ.
قال حسَّان بن ثابت في رثاء الرسول، صلوات الله عليه:
عَزِيزٌ عَلَيْهِ أَنْ يَحِيدُوا عَنِ الهَوَى حَرِيصٌ عَلَى أَنْ يَسْتَقِيمُوا وَيَهْتَدُوا
أخذه من آية: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} [التوبة: 128].
وقال أبو الأسود الدؤلى، يمدح آل البيت:
فَإِنْ يَكُ حُبُّهُمْ رُشْدًا أُصِبْهُ وَلَسْتُ بِمُخْطِئٍ إِنْ كَانَ غَيَّا
فقيل له: شككت يا أبا الأسود، فقال: أما سمعتم قول الله عز وجل: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 24]؟
وقال ابن قيس الرقيات:
يَأْمُرُ النَّاسَ أَنْ يَبَرُّوا وَيَنْسَى وَعَلَيْهِ مِنْ كِبْرِهِ جِلْبَابُ
أخذه من آية: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 44].
وقال الفرزدق يمدح سليمان بن عبدالملك:
بُعِثْتَ لأَهْلِ الدِّينِ عَدْلاً وَرَحْمَةً وَبِرًّا لأَرْبَابِ الجُرُوحِ الكَوَالِمِ
كَمَا بَعَثَ اللهُ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا عَلَى فَتْرَةٍ وَالنَّاسُ مِثْلُ البَهَائِمِ
المعنى في البيتين من آية: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وآية: {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} [المائدة: 19].
وقال مروان بن أبي حفصة يمدح المهدي، ويحتج لحق بني العباس في الخلافة:
هَلْ تَطْمِسُونَ مِنَ السَّمَاءِ نُجُومَهَا بِأَكُفِّكُمْ أَوْ تَسْتُرُونَ هِلالَهَا
أَوْ تَجْحَدُونَ مَقَالَةً عَنْ رَبِّكُمْ جَبْرِيلُ بَلَّغَهَا النَّبِيَّ فَقَالَهَا
شَهِدَتْ مِنَ الأَنْفَالِ آخِرُ آيَةٍ بِتُرَاثِهِمْ فَأَرَدْتُمُو إِبْطَالَهَا
يشير إلى قوله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: 75].
وقال أبو تمام يمدح المعتصم:
لاَ تُنْكِرُوا ضَرْبِي لَهُ مَنْ دُونَهِ مَثَلاً شَرُودًا فِي النَّدَى وَالبَاسِ
فَاللهُ قَدْ ضَرَبَ الأَقَلَّ لِنُورِهِ مَثَلاً مِنَ المِشْكَاةِ وَالنِّبْرَاسِ
أخذه من آية: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ[1] فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور: 35].
وقال المتنبي يمدح المغيث العجلي بالتخلي عن صحبة المال:
تُحَايِدُهُ كَأَنَّكَ سَامِرِيٌّ تُصَافِحُهُ يَدٌ فِيهَا جُذَامُ
فيه إشارة إلى قوله تعالى: {فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ} [طه: 97].
وقال المعري في رثاء فقيه:
طَالَمَا أَخْرَجَ الحَزِينَ جَوَى الحُزْ نِ إِلَى غَيْرِ لاَئِقٍ بِالسَّدَادِ
مِثْلَ مَا فَاتَتِ الصَّلاَةُ سُلَيْمَا نَ فَأَنْحَى عَلَى رِقَابِ الجِيَادِ
يشير البيت الثاني إلى آية: {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} [ص: 32، 33].
ولما أن اكتسح التتار أقطار الدولة العباسية، وغلب الناس على أمرهم، ولا ناصر لهم ولا مجير - تولَّى الشعراء المسعاة لكشف الضر عنهم، لا بالجهاد والقتال، ولكن بالشعر، يمدحون به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويبثون شكواهم إليه، ويستشفعون به إلى ربهم، عسى أن يرحمهم، ويدفع البلاء عنهم، ومن هنا نشأت المدائح النبوية الكثيرة، وهي قصائد تقتضي بموضوعها والفنون التي تدور عليها أن يقتبس لها الكثير من ألفاظ القرآن وعباراته، وأن يشار فيها إلى ضروب شتى من معانيه.
وخلف من بعد هؤلاء الشعراء خلف راقهم هذا اللون من ألوان الشعر، فعالجوا نظمه، وعارضوا منه ما طاب لهم أن يعارضوه، فكان لهم من القرآن في الحالين مثل ما كان لسلفهم منه.
ومن الشعراء من لم يقنع في الأخذ من القرآن بالكلمة ينقلها، أو المعنى يشير إليه، فراض نفسه على اقتباس بعض أساليبه، ينقلها كما هي؛ كقول أحمد بن محمد بن يزيد:
سَلِ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ وَاتَّقِهْ فَإِنَّ التُّقَى خَيْرُ مَا تَكْتَسِبْ
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَصْنَعْ لَهُ (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبْ)
وقول عبدالقاهر بن طاهر التميمي البغدادي:
يَا مَنْ عَدَا ثُمَّ اعْتَدَى ثُمَّ اقْتَرَفْ ثُمَّ انْتَهَى ثُمَّ ارْعَوَى ثُمَّ اعْتَرَفْ
أَبْشِرْ بِقَوْلِ اللَّهِ فِي آيَاتِهِ: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفْ)
وأما آثار القرآن في النثر فأكثر من أن يحيط بها حصر، إذ كان اقتباس بعض آياته في الخطب سمة ملازمة، وعرفًا متبعًا، لا يحيد الخطيب عنه، ولا يفرط فيه، حتى كانوا يسمون الخطبة التي تخلو من القرآن الكريم والحديث الشريف – بالشوهاء.
وهذا عمران بن حطان يقول: "خطبتُ عند زياد خطبة ظننت أني لم أقصر فيها عن غاية، ولم أدع لطاعن علة، فمررت ببعض المجالس، فسمعت شيخًا يقول: "هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القرآن".
بل هذا مصعب بن الزبير، يقدم على البصرة واليًا من قبل أخيه، فيصعد المنبر ليخطب في الناس، فلا يزيد على أن يتلو آيات من أول سورة القصص، يقرن إلى بعضها إشارات بيده، فلما أن وصل في التلاوة إلى: {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4] أشار نحو الشام، ولما أن وصل إلى: {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 5] أشار نحو الحجاز، ولما أن وصل إلى: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 6] أشار إلى العراق، ثم نزل راضيًا، لا يحس أنه قصر في الإفصاح عن مراده، ولا أن القوم لم يفهموا عنه أنه قد نال من خصمه في الشام حين عناه مشيرًا إليه بقول الله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}، وأنه قد وعد شيعة أخيه في الحجاز وعدًا حسنًا، ومناهم أن العاقبة لهم، والدائرة على عدوهم حين عناهم مشيرًا إليهم بقول الله تعالى: {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}، وأنه قد توعد من بالعراق من عدوه أن سيحل بهم العقاب الذي يحذرون، لا ينفعهم حذر، ولا يغني عنهم جند، حين عناهم مشيرًا إليهم بقول الله تعالى: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}.