في تناقضات الشروح البلاغية
شروح ميثم البحراني أنموذجًا
الباحث: أبو الخير الناصري
أسعى في هذه المقالة إلى إثبات دعوى أصوغها في هذه العبارة: إن ارتكاز ميثم البحراني على عقيدة العصمة في شرحه أدعيةَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد أسهم في جعل شروحه يناقض بعضُها بعضا.
وقد اخترتُ، للاستدلال على هذه الدعوى، أن أتوقف بالتحليل عند شروحه لبعض أدعية عليٍّ، خصوصا ما ضَمَّنه عليٌّ عباراتٍ تفيد إقرارَه بالخطإ وتُصرِّح باستغفاره الله سبحانه؛ لأن هذه الأدعية هي مِنْ أكثر ما يخدش عقيدة عصمة الإمام عند ميثم والإمامية الاثني عشرية، وذلك لكونها صادرةً عن "إمام معصوم" لديهم لا يتصورون صدور الأخطاء عنه.
وعليه فإن هذه المقالة تبتغي الإجابة عن الأسئلة الآتية:
- ما تجليات عقيدة العصمة في شرح ميثم لأدعية علي رضي الله عنه؟
- ما التناقضات الواقعة في الشروح الميثمية للأدعية العَلَوية؟
- هل من سبيل لتجاوز تناقضات ميثم وجعل شروحه يتمم بعضُها بعضا؟
ولتحقيق غاية هذه المقالة فقد ارتأيت أن أتبع فيها الخطوات الآتية: التعريف بميثم البحراني وتحديد مذهبه العَقَدي، فبيان لتجليات عقيدة العصمة في شروحه لأدعية عليّ، ثم إبراز للتناقض الواقع في شروحه، فذِكْرٌ لسبيل تجاوز التناقض وتحقيق الانسجام والتكامل بين مواضع الشرح المتناقضة.
1- ميثم البحراني ومذهبُه العَقَدي(1)
هو ميثم بن علي بن ميثم البحراني، ولد في إحدى قرى البحرين، وتلقى العلم عن عدد من العلماء منهم: الشخ جمال الدين علي بن سليمان البحراني، وأبو السعادات أسعد بن عبد القاهر بن أسعد الهلالي، ونصير الدين الطوسي. وأخذ عنه علماء منهم: نصير الدين الطوسي (أخذ عنه الفقه)، والحسن بن يوسف بن المطهر.
يعد ميثم من مشاهير علماء الشيعة الإمامية الاثني عشرية في القرن السابع الهجري، فقد حَلّاه الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني في رسالته "السُّلافة البَهية في الترجمة الميثمية" بـ«الفيلسوف المحقق والحكيم المدقق قدوة المتكلمين وزبدة الفقهاء والمحدثين العالم الرباني (...) غواص بحر المعارف ومُقتنص شوارد الحقائق واللطائف، ضَمّ إلى إحاطته بالعلوم الشرعية وإحراز قصبات السبق في العلوم الحكمية والفنون العقلية ذوقاً جيداً في العلوم الحقيقية والأسرار العرفانية»(2).
وتتكرر في بعض كتب التراجم قصة عن ميثم تبين مكانته العلمية المتفوقة، مُفادها أنه كان في أوائل حياته العلمية يفضل العزلة، فراسله علماء العراق يلومونه على إيثاره العزلة مع ما هو عليه من العلم، فردَّ عليهم بالقول:
طلبت فنون العلم أبغي بها العلا فقصر بي عما سموتُ به القل
تبين لي أن المحـاسـن كلـها فروعٌ وأن المال فيها هو الأصل
وحينما عَدّوا جوابه من قبيل الخطإ؛ لأنه جعل المال أصلا والفضائل فروعاً، قصَدَ العراق، وتنكّر في ثياب خشنة، ودخل مجلسا من مجالس العلم، فلم ير في عيون العلماء غير الاحتقار له «وفي أثناء المباحثة وقعت بينهم مسألة مشكلة دقيقة كَلَّتْ عنها أفهامهم وزلَّتْ فيها أقدامهم، فأجاب (روح الله روحه) وتابع فتوجه بتسعة جوابات في غاية الجودة والدقة، فقال له بعضهم بطريق السخرية والتهكم: يا حيلك طالب علم(3)، ثم بعد ذلك أُحضر الطعام فلم يؤاكلوه (قدس الله سره) بل أفردوه بشيء قليل في طرف على حدة واجتمعوا هم على المائدة، فلما انقضى ذلك المجلس(4) قام (قدس الله سره).
ثم إنه عاد في اليوم الثاني إليهم، وقد لبس ملابس فاخرة وهيئة الأكمام واسعة وعمامة كبيرة رائقة، فلما قرب وسلم عليهم قاموا إليه تعظيما واستقبلوه تكريما (...) ولما شرعوا في المباحثة والمذاكرة تكلم معهم بكلمات عليلة لا وجه لها عقلا ولا شرعا، فقابلوا كلماته العليلة بالتحسين والتسليم والإذعان على وجه التعظيم، فلما حضرت مائدة الطعام بادروا معه بأنواع الأدب، فألقى الشيخ (قدس الله سره) كمه في ذلك الطعام وقال كُلْ يا كُمّي (...) واستفسروه عن معنى هذا الخطاب فأجاب عطر الله مرقده: إنكم إنما أتيتم بهذه الأطعمة النفيسة لأجل أكمامي الواسعة لا للنفس القدسية اللامعة، وإلا فأنا صاحبكم بالأمس، وما رأيت تعظيما ولا تكريما (...) إني جئتكم أمس بهيئة الفقراء وسجية العلماء، واليوم جئتكم بلباس الجبارين وتكلمت بكلام الجاهلين، فقد رجحتم الجهالة على العلم والغنى على الفقر، وأنا صاحب الأبيات التي في أصالة المال وفرعية صفات الكمال التي أرسلتها إليكم وعرضتها عليكم، وقابلتموها بالتخطئة، وزعمتم انعكاس القضية، فاعترف الجماعة بالخطإ في تخطئتهم، واعتذروا مما صدر منهم من التقصير في شأنه»(5).
توفي ميثم سنة 679هـ بالبحرين مخلفا مؤلفات في البلاغة وعلم الكلام، من بينها: "شرح نهج البلاغة" (في خمسة أجزاء)، و"أصول البلاغة"، و"مقدمة شرح نهج البلاغة"، و"شرح المائة كلمة"، و"النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة"، و"قواعد المرام في علم الكلام"، وذكر في أغلبها جملة من معتقداته في الإمامة، والعصمة، والتقية، والمهدية والغيبة تؤكد انتسابه إلى الشيعة الإمامية الاثني عشرية.
2- مرتَكز العصمة في شرح أدعية علي بن أبي طالب
2-1- تعريف العصمة
يعرف ميثم العصمة بأنها «مَلَكة نفسانية يمتنع معها المُكلَّف من فعل المعصية»(6)، وهي شرطٌ من شروط الإمامة، إذ بها يصبح الإمامُ «مُسْتجمِعاً لأصول الكمالات النفسانية، وهي العلم، والعفة، والعدالة، والشجاعة»(7) مُسْتحِقا لمنصب الخلافة دون غيره من الناس.
ويثبت ميثم صفة العصمة لعلي بن أبي طالب، فيقول بـ«وجوب عصمته وطهارته عن الأرجاس»(8)، ويراه «مُنزَّها عن الشرور»(9)، مستجمعا للفضائل النفسية. كما يثبت ذلك لـ«مَن ادُّعِيَتْ له العصمة من أولاده»(10) رضي الله عنه، ابتداء من ابنه الحسن بن علي، وانتهاء بمحمد بن الحسن العسكري(11).
2-2- أثر العصمة في الشرح
يظهر أثر عقيدة العصمة واضحاً في شرح ميثم كلامَ عليّ، خصوصا ما كان منه أدعية يقرّ فيها – رضي الله عنه – بنقصه وعيبه، ويسأل الله تعالى أن يغفر له.
ومن الأمثلة المبينة لحضور هذه العقيدة في الشرح الميثمي ما يلي:
- المثال الأول: قولُ عليّ وقد مدحه قومٌ في وجهه:«اللهم إنك أعلمُ بي من نفس، وأنا أعلمُ بنفسي منهم، اللهم اجعلنا خيراً ممّا يظنون، واغفر لنا ما لا يعلمون»(12).
فقد ذهب ميثم، في شرحه هذا الدعاءَ، إلى أنه «كَسْرٌ لنفسه عليه السلام في مقابلة المَدح الموجب للعُجْب»(13).
ولَمّا كان في ألفاظ هذا الدعاء ما يدل على إحساس بالنقص الملازم لكل كائن بشري، وهو قوله "اللهم اجعلنا خيراً مما يظنون"، إذ معناه "لستُ يا ربي بالشخص الخالي من العيوب كما يتخيلني هؤلاء المادحون"، وكان في ألفاظه ما يدل على اعتراف بالخطإ، وهو قوله "اغرف لنا ما لا يعلمون"، إذ إن ما يُطلب مغفرته هو الأخطاء والذنوب، وكان في ذلك كله ما يتعارض وصورةَ الإمام المعصوم في مذهب ميثم، فقد ألفى الرجل نفسه مُطالَبا بالإجابة عن سؤال الاتساق والانسجام بين صورة المعصوم كما رسخت في مذهب الإمامية الاثني عشرية وبين دُعاء "أول الأئمة المعصومين" ربَّه أن يغفر له ما لا يَعلمُه المادحون المُعجَبون؛ فقال – في الإجابة عن هذا السؤال -: «فإن قلتَ: إنه معصوم فكيف يَصدرُ عنه عيبٌ يطلب مغفرته؟
قلتُ: قد بيَّنا فيما سلف أن عيْبَ مِثلِه عليه السلامُ وما يُسمى ذَنْباً في حقه إنما هو مِنْ باب تَرْكِ الأَوْلى وليس هو من الذنوب المتعارَفة التي عُصم عنها»(14).
- المثال الثاني: قول عليّ: «اللهم اغفر لي ما أنت أعلمُ به مني، فإن عدتُ فعُدْ عليَّ بالمغفرة، اللهم اغفر لي ما وأيْتُ من نفسي ولم تَجِدْ له وفاءً عندي، اللهم اغفر لي ما تَقرَّبْتُ به إليك بلساني ثم خالفه قلبي، اللهم اغفر لي رَمزات الألحاظ، وسَقطات الألفاظ، وشهوات الجنان، وهفوات اللسان»(15).
ومثلما استند ميثم إلى عقيدة العصمة في شرحه الدعاء السابق، فقد ساق في شرحه هذا الدعاء قوليْن للشيعة فسَّر بهما طلبَ علي لمغفرة الأمور المذكورة، فقال: «واعلم أن الشيعة لما أوجبوا عصمته عليه السلام عن المعاصي حملوا طلبه لمغفرة هذه الأمور على وجهين:
أحدهما: وهو الأدق أن طلبه لغفرانها إنما هو على تقدير وقوعها منه فكأنه قال: اللهم إنْ صدر عني شيء من هذه الأمور فاغفره لي (...)
الثاني: أنهم حملوا ذلك على تأديب الناس وتعليمهم كيفية الاستغفار من الذنوب أو على التواضع والاعتراف بالعبودية وأن البشر في مظنة التقصير والإساءة. وأما مَنْ لم يُوجِبْ عصمته فالأمرُ معه ظاهر»(16).
- المثال الثالث: قول عليّ: «اللهم اغفر لنا رمزات الألحاظ، وسقطات الألفاظ، وهفوات اللسان، وسهوات الجنان»(17).
وقد أورد في شرحه له سؤالا عن «أن الشيعة أثبتت له عليه السلام العصمة من المعاصي؛ سهوها وعمدها من حين الولادة وما بعدها، وطلبه للغفران لنفسه دليلُ جوازِ صدورِ المعاصي عنه، وهو مبطِلٌ لقولهم؟»(18). وأجاب عنه من وجهين قال في أولهما «إن الدعاء ههنا والتماس المغفرة مشروطٌ بوقوع هذه الأشياء منه، فكأنه قال عليه السلام: اللهم إنْ وقع مني كذا وكذا فاغفره لي»(19)، وقال في «الثاني: إن للشيعة أن يقولوا: لما ثبتت عصمته بالبرهان وكان قوله عليه السلام "لنا" عاماً يتناول بظاهره كلّ مؤمنٍ ومسلم معه ممّن يجوز صدور هذه الأمور منه(20) كان ذلك العموم مخصوصاً بالدليل العقلي الدالّ على عصمته عليه السلام ويبقى عاماً في الباقين، وإضافة ذلك إلى نفسه وإدخاله لها في جملة أولئك اعترافٌ بالعبودية وخضوعٌ لله تعالى وإظهارٌ للحاجة إلى لطيفِ عنايته وإفاضة ستره ووقايته وإتمام تلك النعمة عليه، وذلك من جميل الأخلاق وكمال العرفان، ونجد الأدعية الصادرة عن الأنبياء عليهم السلام مشحونةً بطلب المغفرة والاعتراف بالذنوب والمعاصي مع الاتفاق على عصمتهم، وذلك محمولٌ على ما قلناه»(21).
ويلاحَظ من قراءة الأمثلة الثلاثة المذكورة أن فيها جميعا ذكراً لعقيدة العصمة، ودفاعاً عن عصمة علي، وحجاجاً لأي قارئٍ مُفتَرَض يتخذ من أدعية رابع الخلفاء الراشدين مناسبة للتشكيك في عصمته.
3- في تناقضات الشروح الميثمية
ذلك، وإن اتخاذ ميثم عقيدةَ العصمة مرتكزاً في شرحه قد جعله لا يستقر على قولٍ واحدٍ في شرح أدعية تشترك في موضوع واحدٍ هو الاستغفار. وأرى أن ألخص الأقوال التي ذكرها ميثم في شروحه وأناقشَها قبل أن أبين ما بينها من تعارض وتناقض، وهذه الأقوال أربعةٌ:
- القول الأول: يقرُّ فيه ميثم بأن عليا – رضي الله عنه – قد صدر عنه ما جعله يدعو اللهَ تعالى أن يغفر له، ثم يَفصل بين ما صدر عن عليٍّ وبين ما يصدر عن عامة الناس قائلا إن «ما يُسمى ذنباً في حقه إنما هو من باب تَرْك الأَوْلى وليس هو من الذنوب المتعارَفة التي عُصم عنها».
وهذا القول مردودٌ بما جاء على لسان عليٍّ في أحد الأدعية المشروحة، إذ سَمَّى بعضَ ما طلبَ من الله سبحانه أن يغفره له، فقال "اللهم اغفر لي رمزات الألحاظ، وسقطات الألفاظ، وشهوات الجنان، وهفوات اللسان"، وهذه أمور مشتركة بين أغلب الناس، فلا مُسوِّغ إذاً للفصلِ بين ما دعا عليا – رضي الله عنه – للاستغفار وبين ما يدعو غيرَه من الناس إليه، وتسميةِ هذا ذنباً وتسمية ذاك تَرْكاَ للأَوْلى !
- القول الثاني: ينفي فيه أن يكون قد صدر عن علي أمرٌ من الأمور التي تقتضي الاستغفار، ويرى أن طلَبَ عليٍّ «لغفرانها إنما هو على تقدير وقوعها منه، فكأنه قال: اللهم إِنْ صدر عني شيءٌ من هذه الأمور فاغفره لي»، وينتصر ميثم لهذا القول واصفاً إياه بأنه «هو الأدق» في فهم دعاء عليّ.
وهذا القول هو أضعف الأقوال وأكثرها تهافتاً؛ وذلك لأنه يناقض النصَّ المشروح ويُحمِّلُه معنى لا يحتمله. لقد أتى عليٌّ –رضي الله عنه – في دعائه بجُمَلٍ خَبَرية صادقة تدل على أمورٍ واقعةٍ؛ فقال مثلا: "اللهم اغفر لي ما وأيْتُ من نفسي ولم تجدْ له وفاءً عندي"، وهو قولٌ معبّر عن أمرين اثنين أنجز المتكلمُ أحدَهما (قطْعُ وَعْدٍ على النفس) وتَعذَّر عليه إنجاز الثاني (الوفاء بالوعد)؛ فكان هذا التعذر داعياً للاستغفار(22).
هذا هو المعنى الصريح الواضح لعبارات الدعاء، لكن البحراني يشيح بوجهه عنه، ويقول إن المعنى هو "اللهم إنْ صدر عني شيء من هذه الأمور فاغفره لي"، ويَعُد هذا الفهمَ أدقَّ فهم وأحسَنَه.
وهو بهذا الشرح إنما يسعى لتحويل كلام عليٍّ من معنى الخَبَر إلى معنى الشَّرْط؛ وذلك لإفراغه من مضامينه الصادقة التي لا تتناسب وعقيدة العصمة. إن الجملة الشرطية التي يعدها ميثم أدقَّ تعبير عن معنى الدعاء المشروح، هي جملةٌ تترك فراغاً في النص يملؤه ميثم بما يخدم معتقده في عصمة الإمام؛ لذلك قال عقبَ تلك الجملة: «قد علمتَ في علم المنطق أنه لا يلزم من صِدْق الشرطية صدقُ كلّ واحدٍ من جزئيْها، بل ولا يلزم جوازُ وقوعِه، فإنك لو قلتَ: "إنْ كانت الأرضُ محيطةً بالسماء كانتْ أعظمَ من السماء" كان ذلك لزوماً صادقاً مع استحالةِ كلِّ واحدٍ من الجزئيْن، فنحنُ نمنعُ وقوعَ المعاصي منه وإنْ صَدَقَ هذا الكلامُ»(23). وبعبارة مغايرة فقد أراد ميثم أن يدفع قراء شرحه إلى فهم دعاء علي وَفْق ما يلي:
