1-
تقود النظرة التحليلية للعديد من تطبيقات النحاة إلى أنَّ فكرة الاستصحاب فى النحو العربى تقوم على عناصر خمسة يترتب كلُّ تالٍ منها على سابقِهِ، وهى بإجمال:
1- وجود أصلٍ للفظٍ ما.
2- اعتبار حالين لهذا اللفظ.
3- انتقال ذهنى أو لفظى من إحدى الحالين إلى الأخرى.
4- إبقاء للأصل أو مراعاة له عند هذا الانتقال.
5- انعدام موجِب التغيير أو الإهمال.
وتفصيل ذلك فيما يلى:
يقوم الاستصحاب على وجود أصل لِلَّفْظِ، واللفظُ إمَّا مفرد أو مركب.
ثم هذا اللفظ يكون له حالان:
الحال الأولى: هى الأصل، أو ما يتضمنه، وسأرمز لها بـ ( أ ).
والحال الثانية: تكون على ثلاثة أنحاء، وسأرمز لها بـ (ب):
الأول: أن تكون حال النطق، والمراد به نطق المتكلم بالعربية ممن يحتج به، سواء أكان الناطق فردًا أم جماعة قليلة أم كثيرة، وسواء أكان المنطوق مطردًا فى السماع كـ(استحوذ) أم قليلا كـ(مَصْوُون).
والعلاقة بين ( أ ) و(ب) هنا هى علاقة إخراج ما هو موجود بالقوة، إلى الوجود بالفعل.
الثانى: أن تكون حال النظر، والمراد به نظر النحوى، وهو إمّا أنْ يكون نظرًا فى أحد أنواع جنس ما، أو أفرادِ نوعٍ ما، للحكم عليه بأحد أحكام هذا الجنس أو النوع؛ كالنظر فى فعل الأمر للحكم عليه بالإعراب أو البناء، وكالنظر فى (مَنْ) الاستفهامية للحكم عليها بالتنكير أو التعريف، والنظر فى الأسماء الستة للحكم عليها بالإعراب بالحركات أو الحروف، وكالنظر فى (كان) للحكم عليها بالدلالة على الحدث والزمان أو الزمان فقط، وكالنظر فى (أو) للحكم عليها بالدلالة على معنى الواو أو عندمِها وهو ما يساوى الاشتراك وعدمَه.
وإِمَّا من يكون نظرًا فى أحد الأفراد لتحديد نوعه، كالنظر فى (نِعْمَ) لتحديد كونها اسمًا أو فعلا، وفى المصدر المنصوب الذى يفيد الحالية أحال هو أم مفعول مطلق.
والعلاقة بين ( أ ) و(ب) هنا هى أنَّ ناتج (ب) يقع من ( أ ) موقع النتيجة من المقدمة فى الاستدلال المباشر، ويدخل هذا تحت انتقال الذهنى.
الثالث: أنْ تكون حالا لِلَّفظِ تاليَةً لأخرى مثل (اسْتَقَوْمَ) بعد نقل الفتحة من الواو إلى القاف، فإنها حال تالية لـ (اسْتَقْوَمَ)، وكذا (استقام) بعد قلب الواو ألفًا تالية لـ (اسْتَقَوْمَ).
والعلاقة بين ( أ ) و(ب) هنا هى علاقة التقدم فى الرتبة اللفظية، فالحال الثانية مُنْتَقَلٌ إليها من الأولى انتقالا لفظيًّا.
وبهذا يظهر أنَّ النسبة بين الحالتين فى هذا السياق أعمُّ من النسبة المرادة بين حالى اللفظ التى تكون إحداهما متقدمة فى الرتبة على الأخرى.
ثُمَّ يأتى العملُ الذى يُمَثِّلُ الاستصحابَ، وقد عَبَّر عنه النحاة بعبارات متعددة سبق بيانها.
وعملية الاستصحاب هذه تتجلى عند النحاة فى نمطين رئيسين، سنصطلح على تسمية الأول بالإبقاء على الأصل، والثانى بمراعاة الأصل أو اعتباره؛ للتمييز بينهما، علمًا بأننا قد نجدهم يستعملون أحيانًا مراعاة الأصل فى التعبير عن النمط الأول؛ وذلك لأنَّ التمييز بين النمطين لم يكن محدَّدًا على المستوى النظرى حتى تتحدد مصطلحاته عندهم.
فأمّا النمط الأوّل للاستصحاب، وهو الإبقاء على الأصل، فله ـ بناءً على أنواع الحال الثانية ـ ثلاثة مسالك: الأول عند النطق، والثانى عند النظر، والثالث عند الانتقال.
فأمّا المسلك الأول فله صورة واحدة، وهى: إبقاء اللفظ عند النطق كما هو فى أصل وضعه الذهنى، سواء وافق القياسَ أو خالفَه.
فممّا وافق القياس أنَّ « الواو والياء فى الغَزْو والرَّمْى صحتا ولم تُعَلَّا؛ لأنه لا يوجد فيهما ما يوجب الإعلال، فبقيت صحيحة على الأصل ». وممّا خالف القياست مجىء نحو ﴿استحوذ عليهم الشيطان﴾، واستنوق الجمل، وأغيلت المرأة، بالتصحيح على اصل الوضع، وهو مخالف للقياس.
وأمّا المسلك الثانى فله خمس صور:
الأولى ـ إِبْقاء الحكم الأصلى للجنس فى أحد أنواع عند النظر فى انطباقه عليه، أى انطباق الحكم على النوع.
ومثال ذلك أنَّ مذهب البصريين أنَّ الأصلَ فى الفعل البناء، وعند النظر فى فعل الأمر، وهو أحد أنواع الفعل، يتمسكون بهذا الأصل، فيحكمون له بالبناء.
وقد يكون المنظور فى حكمه أحد أفراد نوع من أنواع الجنس، ويكون الأصل المذكور فى السياق للجنس لا للنوع، كما فى قول ابن مالك مانعًا زيادة (كان) آخرًا: « والصحيح منع ذلك لعدم استعماله؛ ولأنَّ الزيادة على خلاف الأصل، فلا تستباح في غير مواضعها المعتادة »؛ فالأصل هنا عدم الزيادة، وهو أصل للكلمة إن نظر إلى المزيد، أو للكلام إن نظر إلى المزيد فيه، فعلى الأول الكلمة جنس لـ (كان) لا نوع لها إذ نوعها الفعل، فالحكم الأصلى الذى أبْقِىَ لِكان حينئذٍ هو حكما لجنس لا النوع، لكن لا يتصور استصحاب الحكم الأصلى للجنس فى أحد الأفراد إلا بعد تصور استصحابه فى نوع هذا الفرد.
الثاينة ـ إبقاء الحكم الأصلى للنوع فى أحد أفراده عند النظر فى انطباقه عليه.
ومثال ذلك أنَّ الأصل فى الأسماء الإعراب، و(أىّ) أحد أفراد الاسم، لكنَّ فيها شبهَ الحرف، وعند النظر فى حكمها من حيث الإعراب والبناء نقول: « لو عارض شبهَ الحرف ما يقتضى الإعرابَ اسْتُصْحِبَ؛ لأنه الأصل فى الاسم »، وقد قام هذا المعارض فى (أى) « بلزومها الإضافة فى المعنى، فبقيت على مقتضى الأصل فى الأسماء ».
ومن ذلك أيضًا استدلال ابن مالك على أنَّ الأفعال الناقصة تدل على الحدث كما تدل على الزمان بقوله: « إنَّ مدَّعى ذلك [يعنى عدم دلالتها على الحدث] معترف بأنَّ الأصل فىكل فعل الدلالة على المعنيين، فحكمه على العوامل المذكورة بما زعم إخراج لها عن الأصل، فلا يقبل إلا بدليل »، ففى هذا تمسك منه بالأصل، حيث استصحب أصل الفعل وهو الدلالة على الحدث والزمان فى بعض أفراده وهى الأفعال الناقصة عند النظر فى حكمها.
الثالثة ـ إبقاء النوع على أصله عند النظر فى دخول أحد الأفراد تحته.
ومثال ذلك: إبقاء الاسم على أصله من الإعراب عند النظر فى دخول (نعم) و(بئس) تحته، يدخلان لبنائهما.
الرابعة ـ إبقاء اللفظ على نوعه الأصلى عند النظر فى اندراجه تحت أحد أنواع جنسهز
وذلك كالاستدلال على اسمية كلمة مختلف فى نوعها بأنَّ الاسم هو الأصل، فيحكم باسميتها إبقاءً لها على نوعها الأصلى. وقد استعمل الأنبارى والعكبرى هذه الصورة فى الاستدلال على اسمية (كيف).
كما استدل بها ابن مالك على أنَّ المرفوع الواقع بعد (لولا) مبتدأ لا فاعل لفعل محذوف إذ يقول: «فإنَّ المبتدأ أصل المرفوعات ... فأىّ موضع وجد فيه اسم مرفوع محتمل للابتداء وغيره فالابتداء به أولى».
ويلاحظ أنَّ الأصل المستصحب فى هذه الصورة هو المتقدم فى الرتبة النفسية خصوصًا.
الخامسة ـ إبقاء اللفظ عند النظر فى حكمه على أصل وضعه.
ومثال ذلك: إبقاء المصدر فى نحو: جاء زيد سعيًا على أصل وضع وهو الدلالة على الحدث فقط، ونصبُه بفعل مقدّر من لفظه، أو بالفعل المذكور مع تضمينه معناه، وذلك فى مقابل تأويله بالمشتق.
وأمّا المسلك الثالث فله صورتان:
الأولى ـ إبقاء اللفظ على صورته أو معناه عند انتقاله من حالة إلى أخرى.
ومثال ذلك ما ذهب إليه بعض النحاة من أنَّ (الآنَ) فى الأصل فعل ماض مبنى على الفتح، فأصله (آنَ) ولـمّا انتقل من الفعلية إلى الاسمية بقى فتح آخر، أى أنَّ صورة اللفظ (آنَ) بقيت بما فيها من الفتحة عند انتقاله من حال الفعلية وهو الأصل إلى حال الاسمية.
الثانية ـ إبقاء حكم أصل اللفظ عند انتقاله من حالة إلى أخرى.
ومثال ذلك ما ذكره الرضى من أنَّ أسماءَ الأفعال « لا يتقدم عند البصريين منصوباتها عليها نظرًا إلى الأصل؛ لأنَّ الأغلب فيها إمّا مصادر ـ ومعلوم امتناع [تقديم] معمولها عليها ـ وإمّا صوت جامد فى نفسه منتقل إلى المصدرية ثم منها أيضًا لكون عملهما لتضمنهما معنى الفعل ».
فلدينا تركيب هو (اسم الفعل ومنصوبه)، ولاسم الفعل أصل سابق، وقد بقى أحد أحكام هذا الأصل المتعلقة بالتركيب وهو عدم تقيم المنصوبات عليه.