البلاغة في دراسات العربية في الغرب – تجربة من بريطانيا –
أ.د. محمد عبد الحليم
مدير مركز الدراسات الإسلامية بجامعة لندن(*)
عرض أولي للنقاش
بسم الله الرحمان الرحيم
أتحدث إليكم عن مقررات البلاغة في تقليد دراسي للعربية يختلف في طبيعته وأهدافه عن الدراسة في البلاد العربية (وربما الإسلامية) ومع ذلك أرجو أن يكون في الحديث عنه فائدة في الكلام عن المقررات في البلاد العربية.
في البلاد العربية التلاميذ – بالطبع –عرب اللسان منذ بدء حياتهم و يتبعون نظاما في الدراسة هو امتداد لتراث عربي إسلامي مديد.
أما في الغرب (وسأقصر حديثي على بريطانيا التي أعمل في أكبر جامعاتها) فإن دارسي العربية يبدأون بتعلمها من الألف باء في سن التاسعة عشرة، وعليهم أولا تعلم الألفاظ وتعلم النحو والصرف مما يحتاج إلى جهد كبير لا ينتهي، ومن الطريف أن هؤلاء الطلاب يدخلون إلى العربية منذ البدء من باب الفصحى، أما العرب فيدخلون من باب العامية، ويحتاجون بعد ذلك إلى تعلم الفصحى، وقد يقضون حياتهم دون إتقان للقواعد الأساسية. ولعل برنامج تعلم العربية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بلندن هو أقوى البرامج الموجودة في بريطانيا، ويصرف الطالب 75% من وقت دراسته في السنة الأولى في تعلّم اللغة، و25% في دراسة مادة أخرى كالدين أو التاريخ أو القانون، وفي نهايتها يستطيع أن يقرأ المادة الصحفية وبعض القصص القصيرة. وفي السنة الثانية يستمر التركيز على معرفة القواعد والأساليب المختلفة في اللغة، ويبدأون قراءاتهم لنماذج من الأدب العربي في عصوره المختلفة بفروع دراسته حتى العصر الحديث. ويقضي الطلاب السنة الثالثة في بلد عربي ومراكز خاصة كما في الإسكندرية ليعايشوا اللغة والثقافة العربية مع الاستمرار في الدراسة النظامية، ثم يعودون لإكمال برنامج الليسانس في السنة الرابعة في لندن.
فالرقعة الزمنية قصيرة ومجالات الدراسة واسعة جدا، وكثير من الطلاب يدرسون مع العربية حقلا آخر كالسياسة أو الاقتصاد أو الفنون مما يأخذ من وقت دراستهم 40%. ولأسباب اقتصادية ونظامية لا يمكن أن يمضي الطالب أكثر من أربع سنوات في الليسانس.
ونتيجة لكل هذه العوامل لا تجد في نظام الدراسة مكانا لعلوم البلاغة. طبعا لا تخلو دراسة النصوص الأدبية والدينية من إشارة إلى ألوان المجاز وبعض المحسنات البديعية كالجناس والسجع، أما علم المعاني فلا وجود له، ولم يظهر في منهاج أو مقررات أي جامعة في مادة الليسانس أو الماجستير، إلا ما حصل حديثا إذ أدخلنا في ماجستير الدراسات الإسلامية مادة القرآن: لغته وأساليب البيان فيه وترجماته إلى الإنجليزية في الكلية التي أعمل بها مما أتاح الحديث عن البلاغة و المعاني.
ولا يقتصر عدم الاهتمام بعلم المعاني على مناهج أو مقررات التدريس للطلاب بل إن الباحثين الدارسين للقرآن كبارا وصغارا لا يولون المعاني اهتماما في كتاباتهم. وأبرز الأمثلة على ذلك ما نجده عند عالم بارز لعله لا يزال يعتبر زعيم الدارسين للقرآن في الغرب وهو الأستاذ ثيودور نولدكه الألماني المتوفي سنة 1930، فقد أسهم هذا العالم في كتابه الأشهر “تاريخ القرآن” الذي صدر الجزء الأول منه سنة 1860، أقول أسهم إسهاما رائدا وقويا بحق، وإن اختلف معه القارئ المسلم في بعض ما يقول. ولازال لكتاب تاريخ القرآن أثر كبير. فهذا العالم الكبير كتب سنة 1910 مقالا جمع فيه بعض ما يراه غريبا في أسلوب القرآن، ومن ذلك بعض أمثلة مما يعرف في علم المعاني بالالتفات، ولم يذكر نولدكه هذا المصطلح ولكن قال أن ما يرد في تلك الأمثلة “نحو رديء”. فهذا الالتفات الذي يسفه علماؤنا بأنه يبين “شجاعة العربية” هو عند نولدكه الذي نشأ على الألمانية وما لها من التزام صارم بالشكل في النحو هو “نحو رديء”، ومن المهم أن نشير هنا إلى أن باحثا دانماركيا هو فون مهرن ترجم إلى الألمانية كتاب تلخيص المفتاح للخطيب القزويني (1338739/) ونشره سنة 1853 أي قبل ظهور كتاب “تاريخ القرآن” بسبع سنوات.وأظن أن من العوامل الحاسمة في هذا الصدد أنه ترجم ما ذكره القزويني في علم البيان وعلم البديع وأهمل تماما علم المعاني. ولعله نظر في العناوين فرأى المسند والمسند إليه، والذكر والحذف، والتعريف والتنكير فظن أن هذا جزء من النحو، وقد كتب الغربيون كثيرا في التحو العربي فلا حاجة إلى علم المعاني. كان هذا – للأسف – سوء تقدير لأهمية علم المعاني استمر أثره إلى اليوم. وفي سنة 1991 نشرت مقالا في مجلة كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن معلقا على ما ذكره نولدكه عن “النحو الرديء” في أمثلة الالتفات وعرضت موضوع الالتفات عرضا مستفيضا فكان هذا بداية للحديث عن الالتفات في الكتابات الإنجليزية عن القرآن، هكذا أتيح لعربي مصري درس في المعهد الديني ودار العلوم وأفاد من كتب طه حسين وأمين الخولي وشوقي ضيف أن يدخل الحديث عن الالتفات وغيره من ظواهر البلاغة إلى مجال الدراسة العربية بالإنجليزية، كما دخل إلى الحلبة عرب آخرون نشأوا على نظام الدراسة العربية: سلوى العوا من مصر، وكمال أبو ديب من سوريا، وباسل حاتم وحسين عبد الرؤوف من العراق، فبدأ اتجاه جديد سيسعى إلى توطيد مكان علم المعاني والبلاغة عموما في الدراسة بالإنجليزية.
وليس المقصود هنا الإقلال من أهمية دراسة علماء الغرب للقرآن، فكثير من دراساتهم يضيف – بلا ريب – إضافات بارعة في مجالات واسعة إلى دراسات المسلمين.
وللنابهين من علماء الغرب إنجازات خاصة بهم، فهم قد نشأوا في جو علمي خصب تسود فيه روح الإنجاز والتجديد والتفرد والاستفادة من تطور العلوم المختلفة، واتجاهات الدراسة والنقد في لغات ذات ثقافة غنية كالإنجليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية، وبعضهم يعرف هذه اللغات كلها ويستفيد مما يكتب من أبحاث فيها. والنابهون الجادون من دارسي القرآن ممن تجاوزوا عصر التجني والتعدي على القرآن والإسلام لهم بلا ريب جهد مشكور في دراسة القرآن في مجالات متعددة واتجاهات متجددة.
لكن هؤلاء العلماء على رحابة ما يقومون به من دراسات يهملون الجانب البلاغي ولا يرون له جدوى كبيرة، فيفوتهم الكثير في فهم القرآن وإدراك أساليبه على الوجه الصحيح كما سيظهر في هذه الدراسة.
وسنتناول الآن بعض قضايا علم المعاني التي يترتب على إهمال دراستها قصور في تقدير بلاغة القرآن، ولضيق المقام سنقصر الحديث هنا على ثلاث مسائل:
الإنشاء، والسياق، وخروج الكلام عن مقتضى الظاهر.
الخبر والإنشاء:
تكلم علماء البلاغة عن تقسيم الجملة إلى خبرية وإنشائية، وأنواع الإنشاء الطلبي وغير الطلبي، وأفاضوا في الحديث في الإنشاء الطلبي وفي الأمر والنهي والاستفهام والتمني والنداء. والواقع أن للجملة الإنشائية دورا جوهريا في أسلوب القرآن، فالقرآن لا يقرر القضايا والتعاليم ويلقيها فوق رؤوس السامعين بل يشركهم في الموقف والحديث والحوار. إنه دعوة، والدعوة تقتضي أمر الناس ونهيهم وسؤالهم ونداءهم وتشجيعهم وتوبيخهم: “أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض (البقرة 85)، بدل أن يقرر أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض”. ويتساءل ويتحدى: “أفرأيتم ما تدعون من دون الله، أروني ماذا خلقوا من الأرض، أم لهم شرك في السموات، ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين. ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون” (الأحقاف 4-5). “أم تأمرهم أحلامهم بهذا” (الطور 32). “هل عندكم من علم فتخرجوه لنا” (الأنعام 143).
ويبين لهم نعمه بالجملة الخبرية “وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنحيي به بلدة ميتا، ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا” (الفرقان 48- 49)، وبالإنشائية “أم من خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة” (النحل 60). ويستحثهم إلى المسارعة: “وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول: رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين. ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها” (المنافقون 10 – 11)، ويلزمهم بالحجة البالغة “فلولا إذا بلغت الحلقوم، وأنتم حينئذ تنظرون، ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون، فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها” (الواقعة 84 – 87)، “أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون” (المؤمنون 115).
ويمتن على المخاطبين فيقول: “والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات” ثم ينقلهم إلى الغيبة ليشهد عليهم كل شاهد “أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون” (النحل 72)، ويوجههم إلى النظر إلى جمال النبات: “انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه” (الأنعام 99)، “انظروا ماذا في السموات والأرض” ثم يعنفهم بالحديث عنهم بالغيبة “وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون” (يونس 101).
إن القرآن يستعمل الصيغ الصرفية فيضيف إليها معاني بلاغية ليست لها في الأصل، ولنتأمل “عبس وتولى” (عبس 1)، إن ضمير الغيبة إنما يدل على الغيبة، لكنا نحس هنا أن به إبعادا للرسول، وتأنيبا (دون ذكر أي كلمة إبعاد أو تأنيب)، ثم انظر إلى استعمال ضمير الخطاب للرسول في نفس الموقف (وخطابه في العادة للتكريم والإرشاد)، لكنه هنا للتأنيب دون ذكر لفظة تأنيب)، “وما يدريك لعله يزكي” فالبلاغة تغني النحو. وفي مواقف كثيرة في القرآن تسود اعتبارات البلاغة على النحو كما نرى في ظواهر الحذف والالتفات وغيرهما.
ونقول بشأن الجملة الإنشائية. أن القرآن حجاج لإلزام الناس بالحجة والإقناع “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” (البقرة 256)، وليس أسلوب القرآن مسطحا ولا باردا ولا انعزاليا. والجمل الإنشائية تشرك المخاطب والغائب في الموقف، وهي أساسية في أسلوب الدعوة في القرآن وأهداف رسالته، إن القرآن لا يترك حتى الرافضين لدعوته ومن يعزلون أنفسهم عنها “وهم ينهون عنه وينأون عنه (الأنعام 26)، بل يخاطبهم “أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين (الزخرف 5)، “الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” (الكهف 29)، ويكثر النداء والخطاب في القرآن للمسلمين وأهل الكتاب والكفار والمنافقين.
قد نقول إن هذه الطريقة التي تشرك الناس في الموقف والحديث لم تكن متوقعة في الوحي القرآني في بادئ النظر وهي طبيعية في الحديث حيث يجلس الرسول ويخاطب فردا أو أفراد ويسألونه ويجيبهم ويجري نقاش قد يخرج عن الموضوع، أما الوحي القرآني فلا دور لأحد فيه إلا الرسول ودوره هو التلقي فقط فلا يسأل ولا يعلق، بل التلقي في حالة قد نقول عنها أنها شبه غيبوبة كما نستنتج مما جاء في وصف “حالة الوحي”. ومع ذلك فالقرآن يشرك السامعين. فهذا النسق في التواصل ودور الجمل الإنشائية فيه هو طابع الدعوة في القرآن. ومن التمارين التي أطرحها على طلابي في مادة القرآن: لغته وأساليب البيان فيه، أن أطلب من كل منهم أن يفتح المصحف ويحصر ما في الصفحة أو الصفحتين من جمل إنشائية ثم يذكر في الصف ما وجده ويبين الجوانب البلاغية وما تفيده في طريقة الدعوة في القرآن، ولا يتكلم الغربيون في الغالب عن الجمل الإنشائية وأثرها في حيوية الأسلوب وتأثيرها على القارئ، وعند البعض فإن ذلك المزيج البليغ من الخبر والإنشاء هو تخليط في الأساليب، وهؤلاء لا يهتمون أصلا بالأثر البلاغي للقرآن. على عكس ما نجده عند آربري في إنجلترا وآنتوني جونز في أستراليا مثلا.
من الواضح أن العرب كانوا يطربون لأسلوب الإنشاء، ويدركون أهميته في الدعوة. ومن أمثلة ذلك أن أبا الدحداح حين سمع “من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له” (الحديد 11)، قال ألا ما أكرمه: يستقرضنا ما قد أعطانا!
وقال آخر حين سمع الله يقسم في القرآن: من ذا الذي أغضب الحليم حتى أقسم؟ “. والقسم من أنواع الإنشاء غير الطلبي كما ذكر البلاغيون..وفي كتب البلاغة لاحظت أنهم يتكلمون في تفاصيل أنواع الإنشاء، ولم أر – في حدود ما قرأت – كلاما عن هذه الوظيفة الكلية للإنشاء وأنها سمة الدعوة في القرآن.
السياق
وننتقل إلى قضية السياق التي عبروا عنها في علم المعاني بالمقام وقالوا لكل مقام مقال، ولكل كلمة مع صاحبتها مقام، وقد لاحظ أستاذنا تمام حسان – رحمه الله – أن البلاغيين عندما تنبهوا إلى معرفة هذا قد سبقوا زمانهم بأكثر من ألف عام، والحق أن معرفة سياق الكلام أمر جوهري في فهم آيات القرآن وفي ترجمته، ويترتب على الغفلة عنه خطأ واضطراب في المعنى وأحيانا مجافاة للمنطق والمعقول، وهذا مما يترتب على إهمال دراسة علم المعاني في الغرب وكذاك عدم الاهتمام الكافي والجاد بدراسة السياق في القرآن في مجال الدراسة العربية الإسلامية أيضا. وفي أسلوب القرآن من الظواهر ما قد يلهي عن التنبه في القراءة السريعة إلى المعنى الصحيح الذي يفرضه السياق. ومن تلك الظواهر ظاهرة وجوه القرآن حين يكون للكلمة الواحدة معاني متعددة فيصبح السياق هو الفيصل الوحيد في اختيار المعنى المناسب دون ما سواه.
ومن تلك الظواهر تقسيم نص الآيات بحسب الفاصلة، وللفاصلة أهمية أساسية لكن المعنى الواحد قد يمتد عبر آيات متتالية، ويكون سياق النص حاسما في تحديد معنى كلمات وردت في إحدى الآيات. ونحن قد تعودنا على حفظ آيات القرآن مستقلة في طفولتنا وقراءتنا وما نسمعه، مما يحتاج إلى تمرين وجهد عقلي يخالف ما تعودنا عليه لكي ندرك سياق الكلام وهو من تدبر القرآن “أفلا يتدبرون القرآن” (محمد 24)، وفي ترجمات القرآن أمثلة كثيرة لأثر الغفلة عن سياق الكلام، ونعرض هنا أمثلة سريعة لكلمات وآيات يلزم التنبه للسياق لتحديد معناها الصحيح.
“حكيم” صفة من صفات الله، وترد في القرآن أكثر من 90 مرة، وقد جرى المفسرون والمترجمون على فهمها بأنها تعني ذا الحكمة، والله تعالى ذو الحكمة البالغة بلا ريب، ولكن السياق قد يقضي بأن المقصود هو الحُكم، انظر مثلا إلى “ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم” (البقرة 209). فالسياق للتهديد بأن الله سيحكم عليهم ولا معقب لحكمه. وليست الحكمة هنا هي المقصد الأول في مقام التهديد، وقد قال أعرابي حين سمع الآية “عز فحكم”. و نتذكر “عزيز ذو انتقام”:(المائدة 95)
“الرحمن”.: من صفات الله ويفهمها المترجمون على أنها تعني تام الرحمة، لكن الحق أن مواطن ورودها في القرآن تضيف إلى الرحمة السلطان كما ذكر أستاذنا تمام حسان في دراسة له في مجلة الدراسات القرآنية (ولنتذكر أن مسيلمة الكذاب كان ينعت نفسه “رحمن اليمامة…”). انظر مثلا إلى قوله تعالى “قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن” (الأنبياء 42). ونرى مترجما يقول بالإنجليزية من يحفظكم بالليل والنهار من تام الرحمة إذا كان تامّ الرحمة فلا يحتلجون ألى من يحفظهم منه، ولنتذكر ما جاء بعد الآية “أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا، لا يستطيعون نصر أنفسهم”.
ومثال آخر: “والذاريات ذروا، فالحاملات وقرا، فالجاريات يسرا، فالمقسمات أمرا، إن ما توعدون لصادق، وإن الدين لواقع” (الذاريات 1 – 6)، فالبيضاوي مثلا (وعليه يعتمد أكثر الغربيين في تفسيرهم وفهمهم) يقول: إن الذاريات تعني الرياح لأنها تذروا التراب أو النساء لأنهن يذرين الذرية أو الأسباب تذري الخلائق من الملائكة وغيرها. والحاملات تعني واحدا من أربعة أشياء والجاريات واحدا من ثلاثة، والمقسمات واحدا من ثلاثة أشياء على نفس النسق أو أو أو، وأنا أسمي هذا “مدرسة أو أو أو”. (ولعل العلماء كانوا يرون وجوب ذكر كل تلك الآراء تحرزا من تهمة كتمان العلم)، لكن هذا الاتجاه بعيد كلية عن السياق ويشوش على الناس ويجعل بعض الغربيين يستشهدون به على أن المسلمين أنفسهم لا يعرفون ما يقول القرآن. والحق أن السياق يقضي بمعنى واحد لا محيد عنه وهو الرياح التي تسوق السحاب المحمل بالمطر..إلى أرض هامدة فتنبت الزرع كما هو مذكور صراحة وتحديدا في سورة الأعراف حيث تنتهي الآية بقوله “وكذلك تخرجون” فالقسم في سورة الذاريات قسم احتجاجي كل تفاصيله جزء من الحجة التي يستشهد بها على قدرة الله على البعث و يكتفي الغربيون بقولهم إن هذه الأيات من سجع الكهان و ليس لها معنى ظاهر.
ويعين السياق على التقسيم السليم لأجزاء آية والفهم الصحيح للكلام: فمثلا “جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس، والشهر الحرام، والهدي والقلائد، ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم. اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم” (المائدة 97 – 98)، فالمفسرون – حتى الرازي على عظمته – والمترجمون يرون أن اللام في لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات..لام التعليل، وكأن الله جعل الكعبة..والهدي والقلائد لكي نعلم أنه يعلم ما في السموات والأرض، ويبدو الأمر غريبا جدا حتى نقرأ هذا في الإنجليزية. والسياق يرشدنا إلى الفهم الصحيح لمعنى اللام. فليس السياق للتدليل على سعة علم الله، بل إنه للتهديد لمن لا يلتزم بشعائر الله، كما هو واضح من قوله: اعلموا أن الله شديد العقاب. والتقسيم الصحيح للآية يقضي بالوقوف على “ذلك”. ولفظ ذلك جملة كاملة أي فرض كل ذلك، وفي سورة الحج دلائل على هذا الاستعمال. ويبدأ الكلام بعد ذلك بلام الأمر: يجب أن تعلموا أن الله يعلم كل شيء وما تفعلون وأنه سيعاقب المخالفين فالسياق سياق تحذير وتهديد و ليس سياق بيان سعة علم الله.