mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > مقالات مختارة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي اَلنَّحْوُ التَّعْلِيْمِيُّ مفهومه وأسبابه

كُتب : [ 01-14-2017 - 03:15 PM ]


اَلنَّحْوُ التَّعْلِيْمِيُّ مفهومه وأسبابه
أ.د. عبد الله جاد الكريم

لَقَدْ كَانَ اَلْعَرَبُ قَبْلَ نَشْأَةِ عِلْمِ النَّحوِ ينطقُونَ اللُّغةَ بسليقَةٍ جُبِلُوا عليها، غَيْرَ مُحتاجين لقانُونٍ يضبطُ ألسنتهم ويصونها من اللَّحن أو مُعلِّمٍ، فكانتْ اللُّغةُ تخرجُ مِنْ أَلْسِنَتِهِمْ كَمَا يَسِيْلُ اَلْعَسَلُ مِنْ اَلنَّحْلِ، وَكَمَا يَفُوْحُ اَلْعِطْرُ مِنْ اَلزَّهْرِ، وَلَمَّا جَاءَ اَلإسْلامُ وكرَّم اَلْعَرَبَ وَاَلْعَرَبيَّةَ بِنُزُولِ القُرآنِ بِلِسَانَهَا، ولمَّا دَخَلَ النَّاسُ فِي دِيْنِ اللهِ أفواجًا، ودخلَ الإسْلامُ بِلادًا غَيْرَ عَرَبيَّةٍ، وَامْتَزَجَ العَرَبُ المُسلمُون بِغَيْرِهِمْ مِنْ اَلْعَجَمِ فِي بِلادِ الإسْلامِ غَيْرِ اَلْعَرَبيَّةِ، وَبَدَأَ اَللَّحْنُ يَتَسَرَّبُ إِلَي أَلْسِنَتِهِمْ فَأَفْسَدَ عَلَيْهِم بَعْضَ سَلِيْقَتِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ لَحَنَ بعضُهُمْ في قِرَاءَةِ القُرْآنِ الكَريمِ، وهُنَا هَبَّ العُلماءُ المُسلمون اَلْغَيُّورُوْنَ عَلَى دِيْنِهِمْ وَلُغًتِهِمْ؛ لِصِنَاعَةِ قَانُوْنٍ يَحْفَظُ اَلْعَرَبِيَةَ، وَيَصُوْنَ أَلْسِنَةَ اَلْعَرَبِ مِنْ اَللَّحْنِ والتَّحْرِيْفِ، فَوَضَعُوا عِلْمَ اَلنَّحْوِ لِهَذَا اَلْغَرَضِ، وَنَجَحُوا فِي ذَلِكَ أيَّمَا نَجَاحٍ، وَأَبْهَرُوا اَلْعَالَمَ فِي هَذَا اَلْمِضْمَارِ، وَنَشَأَ عِلْمُ النَّحْوِ اَلْعَرَبِيِّ فِي بِدَايَتِهِ عِلْمًا عَرَبِيًّا مَحْضًا، لَلأَسْبَابِ اَلْمَعْرُوْفَةِ؛ اَلدِّيْنِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ وَالتَّارِيْخِيَّةِ وَاللُّغَوِيَّةِ، وَمَرَّ بِمَرَاحِلِ نَشْأَتِهِ اَلْمَشْهُوْرَةِ - اَلنَّشْأَةِ وَالتَّطَوْرِ وَالنُّضْجِ وَالاكْتِمَالِ، عِنْدَ اَلْبَصْرِيينَ واَلْكُوْفِيِّينَ وَاَلْبَغْدَادِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ. وَأَصْبَحَ "اَلنَّحْوُ فِي اَلْكَلَامِ، كَالْمِلْحِ فِي اَلطَّعَامِ، إِذْ اَلْمَعْنَى أَنْ اَلْكَلَامَ لَا يَسْتَقِيمُ وَلَا تُحَصَّلُ مَنَافِعُهُ اَلَّتِي هِي اَلدِّلَالَاتُ عَلَى اَلْمَقَاصِدِ، إِلاّ بِمُرَاعَاةِ أَحْكَامِ اَلنَّحْوِ فِيْهِ، مِنْ اَلإِعْرَابِ وَالتَّرْتِيْبِ اَلْخَاصِّ، كَمَا لَا يُجْدِي اَلطَّعام،ُ وَلَا تَحْصُلُ اَلْمَنْفَعَةُ اَلْمَطْلُوْبَةُ مِنْهُ، وَهِيَ اَلتَّغْذِيَةُ، مَا لَمْ يُصْلْحْ بِالْمِلْحِ،(1) وَبِمُرُوْرِ اَلزَّمَانِ كَثُرَتْ اَلْمُؤَلَّفَاتُ اَلنَّحْوِيَّةُ، وَظَهَرَ فِيْهَا اَلتَّطويلُ والتَّعقيدُ، وَاَلْفَلْسَفَةُ وَاَلْمَنْطِقُ وَعِلْمُ اَلْكَلَامُ، وَدَبَّتْ اَلْخِلافاتُ فِي اَلآَرَاءِ بَيْنَ أَصْحَابِهَا، وَظَهَرَتْ اَلْمَدَارِسُ اَلنَّحْوِيَّةُ وَاَلْمَذَاهِبُ اَلْمُخْتَلِفَةُ، فَانْصَرَفَ كَثِيْرٌ مِنْ اَلْمُتعلِّمينَ عَنْ تَعَلُّمِ النَّحْوِ ومُتابعةِ دُرُوسِهِ. فَأَنَّي لَنَا أَنْ نُعِيْدَهُمْ إِلَيْهِ !!
• عِلْمُ النَّحوِ والنَّحوُ التَّعليميُّ:
لَقَدْ أَدْرَكَ اَبْنُ اَلْحَاجِبِ وغيرُهُ الفَرْقَ بين عِلْمِ النَّحْوِ وَتَعْلِيْمِ اَلنَّحْوِ، فَلِذَلِكَ جَاءَ كَثِيرٌ مِنْ مُؤَلَّفَاتِهِ يَصُبُّ فِي صَالِحِ اَلْمَنْهَجِ التَّعليميِّ، اَلَّذِي يَقُوْمُ عَلَى: تَكْيِيْفِ اَلنَّحْوِ وَاَلصَّرْفِ مَعَ اَلْمَقَايِيْسِ اَلَّتِي تَقْتَضِيْهَا اَلتَّرْبِيَةُ اَلْحَدِيْثَةُ؛ عَنْ طَرِيْقِ تَبْسِيْطِ اَلصُّوْرَةِ اَلَّتِي تُعْرَضُ فِيْهَا اَلْقَوَاعِدُ عَلَى اَلْمُتَعَلِّمِيْنَ. فَعَلَى هَذَا، يَنْحَصِرُ اَلتَّيْسِيْرُ فِي كَيْفِيَّةِ تَعْلِيْمِ اَلنَّحْوِ، لَا فِي اَلنَّحْوِ ذَاتِهِ. وَهَــذَا هُوَ اَلْمَفْهُوْمُ اَلإِجْرَائِيُّ اَلَّذِي يَدْعُو اَلدَّارِسِيْنَ إِلَى ضَرُوْرَةِ التَّمْيِيْزِ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنْ اَلنَّحْوِ: اَلنَّحْوِ اَلعِلْمِيِّ (اَلنَّظَرِيِّ)، وَاَلنَّحْوِ اَلتَّعْلْيْمِيِّ (اَلتَّرْبَوِيِّ).
فالنَّحوُ العِلْمِيُّ التَّحليليُّ: يَقُوْمُ عَلَى نَظَرِيَّةٍ لُغَوِيَّةٍ، تَنْشُدُ اَلدِّقَةَ فِي اَلْوَصْفِ وَالتَّفْسِيْرِ، وَتَتَّخِذُ لِتَحْقِيْقِ هَذَا اَلْهَدَفِ أَدَقَّ اَلْمَنَاهِجِ. فَهُوَ نَحْوٌ تَخَصُّصِّيٌّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُوْنَ عَمِيقًا مُجَرَّدًا ، يُدْرَسُ لِذَاتِهِ، وَتِلْكَ طَبِيْعَتُهُ. وَهَذَا اَلْمُسْتَوَى مِنْ اَلنَّحْوِ يُعَـدُّ نَشَاطًا قَائِمًا بِرَأْسِهِ، أَهْدَافُهُ اَلْقَرِيْبَةُ اَلْخَاصَّةُ بِهِ هِيَ اَلاكْتِشَافُ اَلْمُسْتَمِرُّ وَالْخَلْقُ وَالإِبْدَاعُ. وَهَذَا هُوَ اَلأَسَاسُ وَالْمُنْطَلَقُ فِي وَضْعِ نَحْوٍ تَعْلِيْمِيٍّ؛ تُرَاعَى فِيْهِ قَوَانِيْنُ عِلْمِ اَلتَّدْرِيْسِ(2).
أَمَّا اَلنَّحْوُ اَلتَّرْبَوِيُّ اَلتَّعْلِيْمِيُّ فَيُمَثِّلُ اَلْمُسْتَوَى اَلْوَظِيْفِيُّ النَّافِعُ لِتَقْوِيْمِ اَللِّسَانِ، وَسَلَامَةِ اَلْخِطَابِ، وَأَدَاءِ اَلْغَرَضِ، وَتَرْجَمَةِ اَلْحَاجَةِ. فَهُوَ يُركِّزُ عَلَى مَا يَحْتَاجُهُ اَلْمُتعلِّمُ، يَخْتَارُ اَلْمَادَةَ اَلْمُنَاسِبَةَ مِنْ مَجْمُوْعِ مَا يُقدِّمُهُ اَلنَّحْوُ اَلْعِلْمِيُّ، مَعَ تَكْيِيْفِهَا تَكْيِيْفًا مُحْكَمًا طِبْقًا لِأَهْدَافِ اَلتَّعْلِيْمِ وَظُرُوْفِ اَلْعَمَلِيَّةِ اَلتَّعْلِيْمِيَّةِ(3. فَالنَّحْوُ اَلتَّرْبَوِيُّ يَقُوْمُ عَلَى أُسُسٍ لُغَوِيَّةٍ وَنَفْسِيَّةٍ وَتَرْبَوِيَّةٍ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ تَلْخِيْصٍ للنَّحوِ اَلْعِلْمِيِّ. وَالنَّحْوُ اَلْعِلْمِيُّ شَيْءٌ، وَاَلنَّحْوُ اَلتَّعلِيْمِيُّ شَيْءٌ آَخَرُ وَنَمَطٌ خَاصٌّ، يَتَكَوَّنُ مِنْ مَادَّةٍ تَرْبَويَّةٍ مُخْتَارةٍ عَلَى غِرَارِ أُسُسٍ وَمَعَايِيْرَ مَوْضُوْعِيَّةٍ، تُرَاعِي أَهْدَافَ اَلتَّعْلِيْمِ، وَحَاجَاتِ اَلْمُتَعَلِّمِيْنَ، وَظُرُوْفَ اَلْعَمَلِيَّةِ اَلتَّعْلِيْمِيَّةِ. وَعَلَيْهِ، فَقَدْ" أَخْطَأَ كَثِيْرٌ مِنْ اَلْمُعَلِّمِيْنَ حِيْنَ غَالُوا بِالْقَوَاعِدِ، وَاهْتَمُّوا بِجَمِيْعِ شَوَارِدِهَا وَالإِلْمَامِ بِتَفَاصِيْلِهَا، وَالإِثْقَالِ بِهَذَا كُلِّهِ عَلَى كَاهِلِ اَلتَّلَامِيْذِ؛ ظِناًّ مِنْهُمْ أَنَّ فِي ذَلِكَ تَمْكِيْناً لَهُمْ مِنْ لُغَتِهِمْ، وَإِقْدَارًا لَهُمْ عَلَى إِجَادَةِ اَلتَّعْبِيْرِ وَالْبَيَانِ"(4).
وَلَعَلَّ أَقْدَمَ تَشْخِيْصٍ لِلْعَلَاقَةِ اَلسَّلْبِيَّةِ بَيْنَ اَلْمَعْرِفَةِ اَلنَّظَرِيَّةِ اَلْوَاعِيَةِ بِالْقَوَاعِدِ وَاَلاسْتِعْمَالِ اَلْفِعْلِيِّ لَهَا فِي اَلْمُسْتَوَى اَلْمَنْطُوْقِ وَاَلْمَكْتُوْبِ مِنْ اَللُّغَةِ هُوَ ذَلِكَ اَلَّذِي جَاْءَ فِي مُقَدِّمَةِ اِبْنِ خُلْدُوْنِ، حَيْثُ يَرَى :"أَنَّ صِنَاعَةَ اَلْعَرَبِيَّةِ - صِنَاعَةَ اَلنَّحْوِ - إِنَّمَا هِيَ مَعْرِفَةُ قَوَانِيْنِ هَذِهِ اَلْمَلَكَةِ - اَلُّلغَةِ - وَمَقَايِيْسِهَا خَاصَّةً. فَهُوَ عِلْمٌ بِكَيْفِيَّةٍ لَا نَفْسَ كَيْفِيَّةٍ. فَلَيْسَتْ نَفْسُ اَلْمَلَكَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَثَابَةِ مَنْ يَعْرِفُ صِنَاعَةً مِنْ اَلصَّنَائِعِ عِلْمًا وَلَا يَحْكُمُهَا عَمَلاً... وَهَكَذَا، اَلْعِلْمُ بِقَوَانِيْنِ اَلإِعْرَابِ إِنَّمَا هُوَ عِلْمٌ بِكَيْفِيَّةِ اَلْعَمَلِ"(5).
إِذَنْ، فَالنَّحْوُ ضَرُوْرِيُّ فِي تَعْلِيْمِ اَللُّغَةِ وَاِكْتِسَابِ اَلسَّلِيْقَةِ، وَلَكِنْ لَا كَقَوَاعِدَ نَظَرِيَّةٍ تُحْفَظُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، مُطَّرِدُهَا وَشَاذُّهَا، وَلَكِنْ كَمُثُلٍ وأنماطٍ عمليَّةٍ تُكتسَبُ بالتَّدريبِ والمِرَانِ المُستمرَّين. قَاْلَ اِبْنُ خُلْدُوْنِ:"وَهَذِهِ اَلْمَلَكَةُ إِنَّمَا تَحْصُلُ بِمُمَارَسَةِ كَلَامِ اَلْعَرَبِ، وَتُكُرِّرُهُ عَلَى اَلسَّمْعِ، وَالتَّفَطُّنِ لِخَوَاصِّ تَرْكِيْبِهِ. وَلَيْسَتْ تَحْصُلُ بِمَعْرِفَةِ اَلْقَوَانِيْنِ اَلْعَمَلِيَّةِ فِي ذَلِكَ؛ اَلَّتِي اِسْتَنْبَطَهَا أَهْلُ صِنَاعَةِ اَلْبَيَانِ. فَإِنَّ هَذِهِ اَلْقَوَانِيْنِ إِنَّمَا تُفِيْدُ عِلْمًا بِذَلِكَ اَللِّسَانِ، وَلَا تُفِيْدُ حُصُوْلَ اَلْمَلَكَةِ بِالْفِعْلِ فِي مَحَلِّهَا"(6). وَلَيْسَ اَلْغَرَضُ مِنْ تَدْرِيْسِ اَلنَّحْوِ اَلتَّعْلِيْمِيِّ إِخْرَاجُ جَمِيْعِ اَلتَّلَامِيْذِ عُلَمَاءَ فِي عِلْمِ اَلنَّحْوِ أَوْ اَللِّسَانِيَّاتِ(7)، وَلَكِن اَلْهَدَفَ مِنْ ذَلِكَ إِكْسَابِ اَلْمُتَعَلِّمِ اَلْسَلَامَةَ اَللُّغَوِيَّةَ إِلَى جَانِبِ اَلتِّلْقَائِيَّةِ فِي اَلتَّعْبِيْرِ؛ أَي: اَلْمَلَكَةَ اَللُّغَوِيَّةَ وَاَلْمَلَكَةَ اَلتَّوَاصِلِيَّةَ.
• أَسْبَابُ نَشْأَةِ النَّحْوِ التَّعليمِيِّ:
لَقَدْ حَرِصَ النُّحَاةُ اَلأَوَائِلُ عَلَى تَعْلِيْمِ اَلنَّاسِ اَلنَّحْوَ، بِدَافِعِ حِرْصِهِمْ عَلَى اَلإِسْلَامِ وَلُغَتِهِ؛ لِأَنَّ ثَمَرَةَ عِلْمِ اَلنَّحْوِ هِيَ اَلاسْتِعَانَةُ بِهِ عَلَى فَهْمِ كِتَابِ اَللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ، وَفَهْمِ مَعَانِي كَثِيْرٍ مِنْ اَلْعُلُوْمِ اَلدِّيْنِيَّةِ اَلَّتِي لَيْسَ لَهَا غِنِىً عَنْهُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ عَانُوا مُنْذُ عَصْرٍ مُبْكِرٍ صُعُوْبَةً فِي تَعْلِيْمِ اَلنَّحْوِ؛ إِذْ مَا كَادَتْ أُسُسُ النَّحْوِ تَسْتَقِـرُّ نَوْعًا مَا فِي أَوَاخِرِ اَلْقَرْنِ الثَّانِي، حَتَّى وَاْجَهَتْ اَلنُّحَاةَ مُشكلاتٌ؛ تتمثَّلُ فِي تَعْلِيْمِ تَلَامِيْذِهِمْ ظَوَاهِرَ اَللُّغَةِ وَقَوَاعِدَ اَلنَّحْوِ، وَفِي وَسَائِلِ وَأَسَاْلِيْبِ تَعْلِيْمِ هَذِهِ اَلْقَوَاعِدِ(8).
وَمَنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ أَنَّ اَلْمُتَحَدِّثَ بِالْعَرَبِيَّةِ لَا غِنَى لَهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنْ اَلأَوْقَاتِ عَنْ اَلنَّحْوِ، فَالْكَلامُ لَا يَسْتَقْيْمُ بِدُوْنِ مُرَاعَاةِ قَوَاعِدِ النّحوِ، وَنَظَرًا لِكَثْرَةِ قَوَاعِدِهِ فَإِنَّ اَلْمُتحدِّثَ يَحتاجُ دائمًا إلى التَّطبيقِ؛ كي يتعوَّدَ لِسَانُهُ على الصَّحيحِ من الكلامِ، ويبتعدَ عن الخَطَأِ؛ دُونَ حاجةٍ إلى إلمامٍ كبيرٍ بقواعِدِ النَّحوِ، ونظرًا لأنَّ الفصاحةَ قد انحسرتْ أو ذهبتْ كان التَّطبيقُ أمرًا ليس سهلاً، فكانَ العِلاجُ الأمثلُ هو الإلمامُ بقواعِدِ النَّحوِ، وهذا يحتاجُ إلى مُراجعةٍ مُستمرَّةٍ وتَذَكُّرٍ دائمٍ، وهو ما سيوَلِّدُ صُعوبةً لدى مَنْ يتعلَّمُ النَّحو؛ لذا كان على المتعلِّم الجيد للنحو أن يبذل مجهودًا في تعلُّمه؛ لأنَّ ما تعلَّمه يختلف عمَّا تَعُوَّدُ عَلَيْهِ. فَلَيْسَتْ مُشْكِلَةُ تَعْلِيْمِ اَلنَّحْوِ إِذَنْ رَاْجِعَةً إِلَى جَوْهَرِ اَلنَّحْوِ ذَاتِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ نَاتِجَةٌ عَنْ بُعْدِ مُتَعلِّمِهِ، وَأَغْلَبِ اَلنَّاسِ عَنْ لُغَتِهِ؛ لِذَا فَالدَّوْرُ اَلأَكْبَرُ فِي ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلِى البِيْئَةِ اَلاِجْتِمَاعِيَّةِ، يُضَافُ إِلَى هَذَا غِيَابُ اَلدَّافِعِيَّةِ اَلْقَوِيَّةِ لِتَعَلُّمِ اَلنَّحْوِ، وَبِخَاصَّةِ لَدَى عَامَّةِ اَلنَّاسِ؛ لأنَّهُ أَصْبَحَ بِمَقْدُوْرِهِمْ قَضَاءُ حَاجَاتِهِمْ، وَالتَّعْبِيْرُ عَنْهَا دُوْنَ حَاجَةٍ كَبِيْرَةٍ لِلنَّحْوِ وَقَوَاعِدِهِ. وبدأ اَلتَّألِيْفَ اَلنَّحْوِيَّ لَدَى بَعْضِ النُّحَاةِ اَلْعَرَبِ يَنْحَرِفُ عَنْ مَسَارِهِ اَلأَصِيْلِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ اَلتَّعْقِيْدُ وَالتَّطْوِيْلُ، إِلَى حَدٍّ جَعَلَ أَبُو عَلِيٍّ اَلْفَارِسِيِّ يَقُوْلُ عَنْ ذَلِكَ:" إِنْ كَانَ النَّحْو مَا يَقُوله الرُّمَّانِي فَلَيْسَ مَعَنَا مِنْهُ شَيْءٌ؛ وَإِنْ كَانَ النَّحْو مَا نقُوله نَحن فَلَيْسَ مَعَه مِنْهُ شَيْء"(9). وَيَقُوْلُ اِبْنُ مَضَاءٍ فِي هَذَا اَلشَّأَنْ:"وَإِنِّي رَأَيْتُ اَلنَّحْوِيِّيْنَ - رَحْمَةُ اَللهِ عَلَيْهِمْ - قَدْ وَضَعُوا صِنَاعَةَ اَلنَّحْوِ لِحِفْظِ كَلَامِ اَلْعَرَبِ مِنْ اَللَّحْنِ، وَصِيَانَتِهِ عَنْ اَلتَّغْيِيْرِ، فَبَلَغُوا مِنْ ذَلِكَ إِلَى اَلْغَايَةِ اَلَّتِي أَمُّوا، وَانْتَهُوا إِلَى اَلْمَطْلُوْبِ اَلَّذِي اِبْتَغُوا، إِلَّا أَنَّهُمْ اِلْتَزَمُوا مَا لَا يَلْزَمُهُمْ، وَتَجَاوَزُوا فِيْهَا اَلْقَدْرَ اَلْكَافِيَ فِيْمَا أَوْرَدُوْهُ مِنْهَا، فَتَوَعَّرتْ مَسَالِكُهَا، وَوَهَنَتْ مَبَانِيْهَا، وَانْحَطَّتْ عَنْ رُتْبَةِ اَلإِقْنَاعِ حُجَجُهَا"(10).
وَيَرَى اِبْنُ خلدُون أَنَّ بَعْضَ اَلنُّحَاةِ " أَجْرُوا صِنَاعَةَ اَلْعَرَبِيَّةِ مَجْرَى اَلْعُلُوْمِ بَحْثاً، وَقَطَعُوا اَلنَّظَّرَ فِي اَلتَّفَقُّهَ فِي كَلَامِ اَلْعَرَبِ، إِلَّا إِنْ أَعْرَبُوا شَاهِداً أَوْ رَجَّحُوا مَذْهَباً؛ مِنْ جِهَةِ اَلاقْتِضَاءِ اَلذِّهْنِيِّ لَا مِنْ جِهَةِ مَحَامِلِ اَللِّسَانِ وَتَرَاكِيْبِهِ. فَأَصْبَحَتْ صِنَاعَةُ اَلْعَرَبِيَّةِ كَأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ قَوَانِيْنِ اَلْمَنْطِقِ العقليَّةِ أو الجَدَلِ، وَبَعُدَتْ عَنْ مَنَاحِي اَللِّسَانِ وَمَلَكَتِهِ، وَأَفَادَ ذَلِكَ حَمَلَتَهَا فِي اَلأَمْصَارِ وَآَفَاقِهَا اَلْبُعْدُ عَنْ اَلْمَلَكَةِ فِي اَلْكُلِّيَّةِ، وَكَأنَّهم لَا يَنْظُرُوْنَ فِي كَلَام اَلْعَرَبِ. وَمَا ذَلِكَ إِلّا لِعُدُوْلِهِمْ عَنْ اَلْبَحْثِ فِي شَوَاهِدِ اَللِّسَانِ وَتَرَاكِيْبِهِ وَتَمْيِيْزِ أَسَالِيْبِهِ وَغَفْلَتِهِمْ عَنْ اَلْمِرَانِ فِي ذَلِكَ لِلْمُتعلِّمِ، فَهُوَ أَحْسَنُ مَا تُفِيْدُ اَلْمَلكةُ فِي اللِّسانِ. وَتِلْكَ اَلْقَوَانِيْنُ إنَّمَا هِيَ وَسَائِلُ لِلتَّعْلِيْمِ، لَكِنَّهُمْ أَجْرُوهَا عَلَى غَيْرِ مَا قُصِدَ بِهَا، وَأصَارُوْهَا عِلْماً بَحْتاً، وَبَعدُوا عَنْ ثَمَرَتِهَا"(11).
وَيَقُوْلُ اَلْجَاحِظُ:"وَقُلْتُ لِلأَخْفَشِ:أَنْتَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِالنّحْوِ، فِلِمَ لَا تَجْعَلُ كُتُبَكَ مَفْهُوْمَةً كُلَّها، وَمَا بَالُنَا نَفْهَمُ بَعْضَهَا وَلَا نَفْهَمُ أَكْثَرَهَا، وَمَا بَالُكَ تُقَـدّمُ بَعْضَ اَلْعَوِيْصِ وَتُؤَخِّرُ بَعْضَ اَلْمَفْهُوْمِ؟! قَاْلَ: أَنَا رَجُلٌ لَمْ أَضَعْ كُتُبِي هَذِهِ لله، وَلَيْسَتْ هِيَ مِنْ كُتُبِ اَلدِّيْنِ، وَلَوْ وَضَعْتُهَا هَذَا اَلْوَضْعَ اَلَّذِي تَدْعُوْنِي إِلِيْهِ، قَلَّتْ حَاجَاتُهُمْ إِلَيَّ فِيْهَا، وَإِنَّمَا كَانَتْ غَايَتِي اَلْمَنَالَةَ، فَأنَا أَضَعُ بَعْضهَا هَذَا اَلْوَضْعَ اَلْمَفْهُوْمَ، لِتَدْعُوْهُمْ حَلَاوَةُ مَا فَهِمُوا إِلَى اِلْتِمَاسِ فَهْمِ مَا لَمْ يَفْهَمُوا، وَإِنَّمَا قَدْ كَسَبْتُ فِي هَذَا اَلتَّدْبِيْرِ، إِذْ كُنْتُ إِلَى اَلتَّكَسُّبِ ذَهَبْتُ"(12). وَعَلَيْهِ فَإِنَّ اَلأَسْبَابَ اَلَّتِي دَعَتْ إِلَى اَلْحَاجَةِ إِلَى تَيْسِيْرِ اَلنَّحْوِ، وَاَلنَّحْوِ اَلتَّعْلِيْمِيِّ كَثِيْرَةٌ؛ مِنْهَا صُعُوْبَةُ فَهْمِ بَعْضِ اَلْكُتُبِ اَلنَّحْوِيَّةِ لِجَفَافِ مَادَّتِهِ أَوْ لِتَعَمُّدِ اَلْمُؤَلِّفِ لِهَذِهِ اَلصُّعُوْبَةِ، وَاَلإِغْرَاقِ فِي اَلتَّفْصِيْلَاتِ وَاَلْخِلَافَاتِ وَالتَّعْقِيْدَاتِ وَاَلتَّأْوِيْلِ وَاَلتَّعْلِيْلَاتِ وَالتَّوْجِيْهَاتِ، وَالْخَلْطِ بَيْنَ اَللُّغَاتِ وَاللَّهَجَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَخَلْطِ اَلنَّحْوِ بِعُلُوْمِ أَخْرَى؛ كَالْمَنْطِقِ وَاَلْفَلْسَفَةِ وَعِلْمِ اَلْكَلَامِ وَاَلأُصُوْلِ وَغَيْرِهَا، وَهَذَهِ اَلأَسْبَابُ مَعْرُوْفَةٌ وَمَشْهُوْرَةٌ، ذَكَرَهَا كُلُّ مَنْ تَصَدَّى لِمُحَاوَلَاتِ تَيْسِيْرِ اَلنَّحْوِ وإِصْلَاحِهِ وَتَعْلِيْمِهِ، قَدِيْمًا وَحَدِيْثًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• الحواشي:
(1) أسرار البلاغة ، ص: 71.
(2) ينظر: أثر اللسانيات في النهوض بمستوى مدرسي اللغة العربية، لعبد الرحمن الحاج ، ص22 - 23.
(3) ينظر: البحث اللغوي، مكتبة غريب، لمحمود فهمي حجازي، ص 142- 145.
(4) الموجه الفني لمدرسي اللغة العربية، لعبد العليم إبراهيم، ص 203.
(5) المقدمة ، لابن خلدون، 2 /729 .
(6) المقدمة ، 2 /731. وينظر: تطوير مناهج تعليم القواعد النحوية، لمحمود أحمد السيد، ص41- 42.
(7) ينظر: الأسس العلمية واللغوية لبناء مناهج اللغة العربية، لعبد الرحمن الحاج صالح، ص 118 .
(8) ينظر: تعليم النحو العربي عرضٌ وتحليلٌ، ص 35 .
(9) بغية الوعاة، للسيوطي 2/181.
(10) الرد على النحاة ، ص: 64.
(11) مقدمة ابن خلدون 2/ 317.
(12) الحيوان 1/62-63 .

رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
اَلنَّحْوُ التَّعْلِيْمِيُّ مفهومه وأسبابه مصطفى شعبان البحوث و المقالات 0 08-31-2019 02:32 PM
التقويم اللغوي: مفهومه وأسس تطبيقه مصطفى شعبان البحوث و المقالات 3 06-30-2019 10:10 AM
استيضاح (114) : ما هي خصائص التعويض في العربية وأسبابه؟ يوسف محمود أنت تسأل والمجمع يجيب 2 10-05-2018 08:51 PM
التقويم اللغوي: مفهومه وأسس تطبيقه مصطفى شعبان البحوث و المقالات 5 09-21-2016 10:19 PM


الساعة الآن 07:42 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by