ظاهرة تعليل الألفاظ
بقلم الدكتور بلقاسم بلعرج (*)
ملخص باللغة العربية
تناولت هذه الدراسة أصلا من أصول النحو وهو التعليل، وبينت أنه ظاهرة إنسانية يميل الإنسان بطبعه إليه، وأن المعرفة مهما تكن لا تخلو من نزعة تبريرية، كما بينت أن التعليل ركيزة الدرس النحوي القديم، وهو أعرق الأصول المنهجية التي اعتمد عليها النحاة السابقون وطريقة يلتجئ إليها النحو ليفسر أسباب الظواهر اللغوية المقننة، ويبرهن على ما بين شتات المعطيات من تناسق، معتمدة ظاهرة تعليل الألفاظ موضوعا، وأن لكل صيغة علة وإن غمضت، وذلك وفق المبادئ الأساسية التي اعتمدها النحاة في تعليل الصيغ، وهي:
- الاقتصاد اللغوي.
- الفرق بين الصيغ وأثره فيها.
- الأصالة والفرعية.
- تداخل اللغات
من طبيعة العقل البشري أن يتساءل عن الأسباب الكامنة وراء أية ظاهرة مهما يكن نوعها، فيبحث عن تفسيرها بإخضاعها لأحكام يراها منطقية.
والتعليل ركن هام من أركان مناهج البحث في العلوم، فقد أسست الحضارات القديمة العريقة –وخاصة الحضارة اليونانية- أفكارها على العقل، وقد ساعده ذلك في شرح كثير من المعضلات وإيجاد الحلول لها. وبانتشار الإسلام وسط هذه الحضارات صار لزاما على المسلمين أن يتمثلوا ما يحيط بهم، بشحذ عقولهم
وتجريد تعليلاتهم؛ إما ذودا عن الإسلام، كما في علم الكلام، وإما تقعيدا للعلم، كما حدث في علمي أصول الفقه والنحو، مستخدمين التعليل أداة هامة من أدوات حضارتهم. (1)
والتعليل في البيئة الإسلامية أثر من آثار يقظة العقل، التي حدثت في هذه البيئة نتيجة لعوامل تاريخية وجغرافية معروفة. ولا شك في أن النحو العربي نشأ في كنف علوم يتصل معظمها بالدين كالحديث والفقه وعلم الكلام وغير ذلك، فاقتدى النحويون بالمحدثين والمتكلمين والفلاسفة، وتأثروا بمنهج الفقهاء في وضع الأصول والاجتهاد في بناء القواعد اعتمادا على السماع والقياس والإجماع، فطعموا النحو بشيء من الفلسفة والتعليل.
وما دمنا نتكلم عن العلة، فإنه يصعب علينا تصورها عند من سبقوا سيبويه (ت180هـ) من اللغويين والنحاة، إلا أن هذا لا ينفي وجودها في ذهن أبي إسحاق الحضرمي (ت117هـ) عندما كان يتصدى للفرزدق ويخطئه، وكذلك عيسى بن عمر (ت 149هـ) وأبي عمرو بن العلاء (ت154 هـ)، عندما كانا يعللان لقراءة قرآنية يقرآنها (2)، بل ونذهب إلى أنه يمكننا أن نلتمس بعض التعليل، في ديانات العرب وأمثلتهم وحكمهم، التي كانت لهم قبل الإسلام(3).
ويعد الخليل بن أحمد (ت175 هـ) أول من أشار إلى التعليل من علماء العربية القدماء حين أجاب أحد رفاقه سأله يوما عن مصدر تعليلاته هل أخذها عن العرب أم اخترعها من نفسه؟ فقال: " إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها وعرفت مواقع كلامها، وقام في عقولها علله ، وإن لم ينقل ذلك عنها، واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته منه، فإن أكن أصبت العلة، فهو الذي التمست، وإن لم تكن هناك علة له، فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل دارا محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام، وقد صحت عنده حكمة بانيها بالخبر الصادق أو بالبراهين الواضحة، والحجج اللائحة، فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال : إنما فعل هكذا لعلة كذا وكذا، ولسبب كذا وكذا، سنحت له وخطرت بباله محتملة لذلك، فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة، إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك، فإن سنح لغيري علة لما عللته من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت بها " (4).
وجاء بعد الخليل علماء آخرون اهتموا بالتعليل أيضا، وتناولوه من زوايا مختلفة، كالدينوري (ت289هـ)، وابن السراج (ت316هـ)، والزجاجي (ت337هـ)، وابن جني (392هـ)، وابن مضاء القرطبي (ت592هـ).
وما دام موضوعنا في تعليل الألفاظ، فإن لكل صيغة علة وإن غمضت، يقول ابن الأعرابي :" الأسماء كلها لعلة خصت العرب ما خصت منها من العلل ما نعلمه ومنها ما نجهله (…) إلا أن مكة سميت مكة لجذب الناس إليها، والبصرة سميت البصرة للحجارة البيض الرخوة بها، والكوفة سميت الكوفة لازدحام الناس بها، من قولهم تكوف الرمل تكوفا إذا ركب بعضه بعضا (…) فإن قال قائل: لأي علة سميت الرجل رجلا والمرأة امرأة والموصل الموصل ودعد دعدا ؟ قلنا : لعلل علمتها العرب، وجهلناها أو بعضها، فلم تزل عن العرب حكمة العلم بما لحقنا من غموض العلة، وصعوبة الاستخراج علينا " (5).
وقد درس علماء العربية المبادئ الأساسية في تعليم الصيغ، وأهمها أربعة:
1- مبدأ الاقتصاد اللغوي:
لا شك في أن لدراسة الخصائص اللغوية قيمة كبرى في ميدان البحث اللغوي، فهي المنطلق السليم لكل عمل لغوي، وخاصية الإيجاز من أهم الظواهر التي تمتاز بها اللغة العربية عن باقي اللغات، وقد مدحه العرب وأثنوا عليه كلما تكلموا في لغتهم؛ إذ يكفي أنهم عندما عرّفوا البلاغة جعلوه في معنى من معانيها، فقالوا: البلاغة الإيجاز، تبيانا لقيمته وحرصاً عليه. بل إن الرسول (صلى الله عليه وسلم) –وهو أفصح العرب- قال: لقد أوتيت جوامع الكلم، وإن خير الكلام عند العرب ما قل ودل، فقد جعله فضلا مما آتاه ربه. فالإيجاز إذاً من أبرز خصائص اللغة العربية؛ نجده في حروفها وألفاظها وتراكيبها، منطوقة أو مكتوبة (6)، من ذلك مثلا أننا لو ترجمنا كلاما مكتوبا بإحدى اللغات الأوروبية كانت الترجمة العربية خمس الأصل أو أكثر(7)، وذلك من مزاياها: تعبر عن المعنى الكثير باللفظ القليل، وهو ما ينشده الإنسان بطبعه، حيث يميل إلى الاختصار اقتصاداً في المجهود العضلي. وتطغى ظاهرة الاقتصاد على كثير من الظواهر اللغوية وعلى الاستعمال اللغوي عموما، حين لا يكون هناك لبس أو إبهام، ولا يعد ذلك منقصة في اللغة التي تلجأ إليه، وإنما هو أمر محمود (8). ولعله الذي دعا العرب إلى تكثير ما يستخفون وتقليل ما يستثقلون ، وأيد هذا المبدأ اللغويون المحدثون، فجعلوه أصلاً في كثير من ظواهر التطورالصوتي في لغات عديدة. ولا تقتصر قضية الهروب من الثقل إلى الخفة على الأحكام الصرفية فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى الأحكام النحوية، فكم من صور التأليف يحس الإنسان بنبوها على لسانه، فيحكم بأنها غير مستساغة (9).
والاقتصاد اللغوي المحمود أن يكون هناك تكافؤ وتوازن بين المجهود العضلي أو الفكري وبين الفائدة المرجوة من وراء ذلك، أي أن ما يبذله الإنسان من جهد في صياغة كلمة أو اختيار صيغة من الصيغ يجد له ما يعادله من الفائدة ومن محصول التفاهم بهذه الصيغة المختارة ومن ثم فالصيغ التي تخل بهذا التوازن ولا تفي بالغرض الذي من أجله وضعت هي بمثابة جهد ضائع، ولهذا وجب إهمالها (10).
مع الإشارة إلى أن هناك فرقا بين معنى اللفظ وفائدته. فالحرف لا معنى له ولا فائدة إلا إذا تعلق بغيره. والكلمة مفردة لها معنى – ولكنه جزئي- وليس لها فائدة، أما الجملة فلها معنى ولها فائدة، ومهما يكن فلا تكاد تخلو أي صيغة في العربية من فائدة سواء من قريب أو من بعيد.
2- مبدأ الفرق بين الصيغ وأثره فيها:
ذكرنا في الفقرة السابقة أنه لا توجد صيغة في اللغة إلا وتسهم في الإفادة، وتتغير هذه الإفادة بتغير الصيغة. فإذا أصابها تغير لفظي نتج عنه تغير في المعنى والإفادة، فكل صيغة تأتي لتؤدي مهمتها أو وظيفتها لا يمكن لغيرها أن يؤديها، ويدعى هذا المبدأ عند العلماء بمبدأ التقابل أو التفاضل: فلو قابلنا بين الدال والتاء مثلا، وجدنا الأولى تفضل الثانية بصفة الجهر كما أن الفعل الماضي والمضارع متقابلان من حيث المعنى، فالأول يدل على شيء والثاني يدل على شيء آخر، والتقابل هنا يعني المعارضة، ليعرف وجه التماثل والاختلاف بين شيئين (11).
ولو أخذنا "قال" و"باع" مثلا، فالقاعدة القياسية تقول إن الألف في الأول أصلها واو وفي الثاني أصلها ياء، لكن هناك من الأمثلة ما خالف هذه القاعدة وشذ عنها، كاستحوذ واستصوب، إذ صحت الواو والياء فيهما، وعدتا صحيحتين بالرغم من مخالفة القاعدة القياسية في غير ذلك كاستقام واستهان واستعان. غير أنه سمع بعض هذه الألفاظ بالإعلال وبعدمه كاستصوب واستصاب ، والتصحيح تنبيه عن الأصل.
وقد نجد هذا في المصدر أيضاً، كاستحوذ استحواذا، واستغيل استغيالاً (أي شرب الغيل ، وهو لبن الحامل)، ومنه كذلك أغيمت السماء إغياماً. فكل هذه الصيغ تنضوي تحت قانون المخالفة وتغيير المنحى والخروج عن القياس العام. وقد يكون هذا الخروج مناسبا للإطار العام الذي يجمعها، ومنه يتبين الفرق بين الصيغ التي أعلت والتي لم تعل (12).
3- مبدأ الأصالة والفرعية:
لا يخلو مجال من مجالات البحث اللغوي من فكرة الأصول والفروع، فهي عماد القياس غير أن لفظ الأصل هذا لا يخلو من الغموض؛ فالدارسون اللغويون كانوا يصدرون في ذلك من صور لهذا المفهوم في أذهانهم، دون أن يتطرقوا إليه بجدّ. ومن ثم لا يخلو أن يكون مجرد فكرة مجردة أو صورة ذهنية تعتبر ثابتا من ثوابت التحليل اللغوي، تردّ إليه أنواع الكلمات المختلفة وتستأنس به شواردها وأوابدها. فإذا ما تمّ ذلك وخضعت لذلك الأصل سهل على النحاة بناء قواعدهم على هذه الأصول (13).
ويعتمد هذا المبدأ على نظرة تاريخية، بحيث إن الصيغ الأصلية ظهرت قبل الفرعية، وأكثر ما تمثلت هذه الفكرة عند علماء الفلسفة والمنطق؛ فقد تطرق أرسطو إلى هذا فيما يسمّى بالمقولات العشر (14)، فجعل الجوهر أصلا لها، والباقي أعراضاً له وفروعا عليه. ولا يمكن لفكر إنساني أن يستغني عنها، فقد مرّ زمان سيطرت فيه الحكمة والفلسفة اليونانية على التفكير البشري، فصار ما جاءوا به من المسلمات وغير قابل للنقاش. وانطلاقا من هذه الأحكام العقلية ابتدعوا ما أسموه بالمنطق، وبيّنوا قواعده وأسسه وحدوده ، حتى صار عِلماً قائما على يد أرسطو، وأعجبت أمم أخرى بهذا المنطق، وحاولت صب لغاتها في قوالبه ومنهم اللغويون العرب، ففي بحوثهم اللغوية من الأقيسة والاستنباطات مالا يمت لروح العربية بصلة (15).
وعلى هذا الأساس كان العرب يفرقون بين الصيغ التي تدل على الفاعلية أو المفعولية أو الزمانية والمكانية. إن الفرق بين الأشياء والتقابل بينها من الأمور المنطقية التي لا غنى للإنسان عنها في شتى ميادينه الحياتية المختلفة.
وما دام مبدأ الأصالة والفرعية يعتمد على نظرة تاريخية، فإن العلماء – عندما قارنوا بين الصيغ التي بينها قدر من الارتباط أو الاشتراك -جعلوا أقدمها من الناحية التاريخية هو الأصل، وما جاء بعدها هو الفرع، ولذلك عدّوا المفرد أصلا والمثنى والجمع فرعين عليه، والمذكر أصلا للمؤنث، والماضي أصلا للمضارع، والمكبر أصلاً للمصغر، والإعراب أصلاً في الأسماء وفرعا في الأفعال،والحركات أصولاً وباقي العلاقات فروعا (16).
وما كان يعنيه الخليل ومن جاء بعده من النحاة بكلمة الأصل أو أنه الأول، هو أنه أوقر في النفس ومقدما في الإحساس على غيره، لا أنه الأسبق في الاستعمال (17). وفكرة الأسبق في الوجود من غيره لا تخرج عن حدود الافتراضات التي ينقصها الدليل التاريخي واللغوي، ومن ثم فالطرائق المتبعة في هذا طرائق غير لغوية لا يستفاد منها للوصول إلى إثبات ما يرونه من آراء في هذه المسائل (18).
4- مبدأ تداخل اللغات:
ورد عن العرب صيغ كثيرة تستعمل بأكثر من وجه، وقد نجدها عند شخص واحد وفي أسلوب واحد، وقد أطلق على هذه الظاهرة "تداخل اللغات" أو "تركّب اللغات" .ولكثرة اشتراك هذه الصيغ فيما بينها صارت عند البلاغيين والذين شغفوا بالمحسنات اللفظية مادة صالحة للتورية والتجنيس (19).
وقد أشار ابن جني إلى اطراد هذه الظاهرة اطراداً كبيراً، يقول: " وما اجتمعت فيه لغتان أو ثلاث أكثر من أن يحاط به، فإذا ورد شيء من ذلك كأن يجتمع في لغة رجل واحد لغتان فصيحتان، فينبغي أن نتأمل حال كلامه، فإن كانت اللفظتان في كلامه متساويتين في الاستعمال كثرتهما واحدة، فإن أخلق الأمر به أن تكون قبيلته تواضعت في ذلك المعنى على ذينك اللفظين؛ لأن العرب قد تفعل ذلك للحاجة إليه في أوزان أشعارها وسعة تصرف أقوالها" (20). مثال ذلك كأن يجتمع في الكلام الفصيح إشباع ضمة هاء الضمير المتصل للغائب من ناحية وإسكانها من ناحية أخرى، وذلك قول يعلى الأزدي (21):
- فظلت لدى البيت العتيق أخبلهو (22) **
ومطواي (23)مشتاقان له أرقان (24) – ومثله ما روي عن قطرب:
- وأشرب الماء ما بي نحو هو عطش **
إلا لأن عيونه سيل واديها
بإشباع ضمة الهاء في كل من"أخيله"و"نحوه"، وتسكينها في "له" و"عيونه" (25).
ومن نتائج التداخل خروج العرب إلى ضم في (فعل يفعُل)، نحو فضِل يفضُل، ومتّ تموت، ومن ضم إلى فتح،أي(فعُل يفعَل)،نحو كُدت تكاد،وهو شاذ(26). ويجوز أن يكون ذلك من تداخل اللغات (27).
ومن نتائجه أيضاً أن يتقارب صوتان أو أكثر في المخرج كحال حروف الصفير مثلا (الزاي والسين والصاد)، فقد روي عن الأصمعي أن رجلين اختلفا في "الصقر" أهو بالصاد أم بالسين، فاحتكما إلى رجل، فقال: لا أقول كما قلتما، إنما هو "الزقر"؛ وبهذا أفاد كل واحد من الثلاثة إلى لغته لغتين أخريين. وهكذا تتداخل اللغات (28). وهو ما يفسر به تعدد قراءة "الصراط" بالصاد والسين وبالزاي (29). فقبيلة بلعنبر تؤثر الصاد على السين إذا كان بعد السين غين أو خاء أو قاف أو طاء، وتشمّ قبيلة قيس الصاد زايا. وأما قبائل عذرة وكعب وبنو القين فيبدلونها زايا (30).
ومن بين أسباب التداخل أنه قد يلتقي شخص بآخر فيأخذ كل منهما عن الآخر، ويضيفه إلى لغته، فتتركب بذلك لغة ثالثة (31). ولهذه الظاهرة أمثلة كثيرة ذكرتها كتب النحو واللغة.
وتفسيرات القدماء وتعليلاتهم لظاهرة تداخل اللغات يبدو عليها – كما ذهب إلى ذلك أحمد علم الدين الجندي، ونحن نؤيده في ذلك – التكلف والصنعة، وهي لا تخلو في أغلب الأحوال من كونها دربة ذهنية ورياضة عقلية، لا تخضع لها تفاسير الظواهر اللغوية واللهجية. فالعربي حريص على لغة قومه أشد الحرص، وليس من السهل أن يأخذ صيغة ماضوية من لغة وصيغة مضارعية من لغة أخرى، يدل على ذلك رفض الرسول(صلى الله عليه وسلم) أن يقال له نبيء الله بالهمز، وإنما هو نبيّ الله بدونه؛ لأن الهمز ليس من لغته. والمرجح أن ما يسميه العلماء "تداخل اللغات" هو إما من بقايا اللغة لم تتكامل ولم تأخذ دورتها التطورية، فجمدت في مرحلة ما من تطور اللغة، وهو ما يمكن تسميته "بالمتحجرات اللغوية"(32)، التي تبقى ليستفاد منها تاريخيا، وإما من أخطاء القياس، وإما من أخطاء الأجيال الناشئة أو الرواة في النقل (33).
وقد ذكر السيوطي أخطاء كثيرة وتحريفات وقع فيها أئمة اللغة، حتى إن الإمام ابن حنبل قال: " ومن يعرى من الخطأ والتصحيف" (34).
والخلاصة أنه ما دامت اللهجات ظواهر اجتماعية، أي من نتائج العقل الجمعي، وليست فردية، فإخضاعها للقواعد الصارمة وللتنظيمات التي وضعها أئمة اللغة ويدعونها إجحاف في حقها، وأمر لا يقره المنهج اللغوي الحديث.