النحت في اللغة العربية[1]
محمد السيد علي بلاسي[2]
أ - تعريفه:
الاشتقاق الكبَّار[3] أو النحت في أصل اللغة: هو النشر والبري والقطع[4].
يقال: نحت النجَّار الخشب والعود إذا براه وهذَّب سطوحه، ومثله في الحجارة والجبال؛ قال - تعالى -: ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ﴾ [الشعراء: 149].
والنحت في الاصطلاح: أن تعمد إلى كلمتين أو جملة فتنزع من مجموع حروف كلماتها كلمة فذَّة تدلُّ على ما كانت عليه الجملة نفسها، ولما كان هذا النزع يشبه النحت من الخشب والحجارة سمي نحتًا[5].
وهو في الاصطلاح عند الخليل بن أحمد: "أَخْذُ كلمة من كلمتين متعاقبتين واشتقاق فعل منها"[6].
ويعتبر الخليل بن أحمد (ت 175هـ) هو أوَّل مَن اكتشف ظاهرة النحت في اللغة العربية حين قال: "إن العين لا تأتلف مع الحاء في كلمة واحدة لقُرْبِ مخرجيهما، إلاَّ أن يشتقَّ فعل من جمع بين كلمتين مثل (حي على) كقول الشاعر:
أَقُولُ لَهَا وَدَمْعُ العَيْنِ جَارٍ
أَلَمْ يَحْزُنْكِ حَيْعَلَةُ المُنَادِي؟!
فهذه كلمة جمعت من (حي) ومن (على)، ونقول منه: حيعل، يحيعل، حيعلة..."[7].
هذا، ويعرف الدكتور نهاد الموسى النحت بقوله: هو بناء كلمة جديدة من كلمتين أو أكثر أو من جملة، بحيث تكون الكلمتان أو الكلمات متباينة في المعنى والصورة، وبحيث تكون الكلمة الجديدة آخِذة منها جميعًا بحظ في اللفظ، دالَّة عليها جميعًا في المعنى[8].
ويعتبر تعريف الدكتور نهاد الموسى المذكور هو أشمل تعريف للنحت؛ حيث استقاه صاحبه من مجموع تعريفات السابقين.
ب - صور النحت في اللغة العربية:
لقد ورد النحت في اللغة العربية على صور عديدة أهمها[9]:
1- تأليف كلمة من جملة لتؤدِّي مؤدَّاها، وتفيد مدلولها، كـ(بسمل) المأخوذة من (بسم الله الرحمن الرحيم)، و(حيعل) المأخوذة من (حي على الصلاة، حي على الفلاح)، وما ورد في كلام العرب:
لَقَدْ بَسْمَلَتْ لَيْلَى غَدَاةَ لَقِيتُهَا
فَيَا حَبَّذَا ذَاكَ الحَبِيبُ المُبَسْمِلُ
2- تأليف كلمة من المضاف والمضاف إليه، عند قصة النسبة إلى المركب الإضافي إذا كان علمًا؛ كـ(عبشمي) في النسبة إلى عبدشمس، و(عبدري) في النسبة إلى عبدالدار.
3- تأليف كلمة من كلمتين أو أكثر "تستقلُّ كلُّ كلمة عن الأخرى في إفادة معناها تمام الاستقلال؛ لتفيد معنًى جديدًا بصورة مختصرة، وهذا النوع كثير الورود في اللغات الأوربية، قليل في العربية وأخواتها السامية، ولم تعرف منه إلا بعض ألفاظ نتيجة تخريج لبعض العلماء... من ذلك (لن) الناصبة، ويرى الخليل أنها مركبة من (لا) النافية و(أن) الناصبة و(هلم): يرى الفرَّاء أنها من (هل) الاستفهامية، ومن فعل الأمر (أُمَّ) بمعنى أقصد وتعال، وقيل: إنها مركبة من (هاء التنبيه) و(لم) بمعنى ضم، و(أيَّان) الشرطية مركبة من (أي، آن) فحذفت همزة (آن) وجعلت الكلمتان كلمة واحدة متضمنة معناهما، وغير خافٍ أن وجود هذا القسم رهن بافتراضات جدلية وخلافات بين العلماء.
ج - الغرض من النحت[10]:
1- تيسير التعبير بالاختصار والإيجاز، فالكلمتان أو الجملة تصير كلمة واحدة بفضل النحت، يقول ابن فارس: "العرب تنحت من كلمتين كلمة واحدة، وهو جنس من الاختصار، وذلك مثل: (رجل عبشمي) منسوب إلى اسمين[11]، هما عبد وشمس.
2- وسيلة من وسائل تنمية اللغة وتكثير مفرداتها؛ حيث اشتقاق كلمات حديثة لمعانٍ حديثة، ليس لها ألفاظ في اللغة، ولا تفي كلمة من الكلمات المنحوت منها بمعناها.
د- أقسام النحت[12]:
قام المتأخِّرون من علماء اللغة من خلال استقرائهم للأمثلة التي أوردها الخليل بن أحمد وابن فارس بتقسيم النحت إلى أقسام عدَّة، يمكن حصرها فيما يلي:
1- النحت الفعلي: وهو أن تنحت من الجملة فعلاً يدلُّ على النطق بها، أو على حدوث مضمونها، مثل (جعفد) من: (جعلت فداك)، و(بسمل) من: (بسم الله الرحمن الرحيم).
2- النحت الوصفي: وهو أن تنحت كلمة واحدة من كلمتين تدلُّ على صفة بمعناها أو بأشد منها، مثل: (ضبطر) للرجل الشديد مأخوذة من (ضبط وضبر).
3- النحت الاسمي: وهو أن تنحت من كلمتين اسمًا، مثل (جلمود) من (جمد، وجلد)، و(حبقر) للبرد، وأصله (حب، قر).
4- النحت النسبي: وهو أن تنسب شيئًا أو شخصًا إلى بلدتي: (طبرستان) و(خوارزم) مثلاً، تنحت من اسميهما اسمًا واحدًا على صيغة اسم المنسوب، فتقول: (طبرخزي)؛ أي: منسوب إلى المدينتين كلتيهما، ويقولون في النسبة إلى الشافعي وأبي حنيفة (شفعنتي)، وإلى أبي حنيفة والمعتزلة: (حنفلتي)، ونحو ذلك كثير.
5- النحت الحرفي: مثل قول بعض النحويين: إن (لكن) منحوتة، فقد رأى الفراء أن أصلها (لكن أن) طرحت الهمزة للتخفيف ونون (لكن) للساكنين، وذهب غيره من الكوفيين إلى أن أصلها (لا)، (أن) والكاف الزائدة لا التشبيهية، وحذفت الهمزة تخفيفًا[13].
6 - النحت التخفيفي: مثل (بلعنبر) في (بني العنبر)، و(بلحارث) في (بني الحارث)، و(بلخزرج) في (بني الخزرج)؛ وذلك لقرب مخرجي النون واللام، فلمَّا لم يمكنهم الإدغام لسكون اللام حذفوا، كما قالوا: مست وظلت، وكذلك يفعلون بكل قبيلة تظهر فيها لام المعرفة، فأمَّا إذا لم تظهر اللام فلا يكون ذلك؛ مثل: بني الصيداء، وبني الضباب، وبني النجار[14].
7- وهناك تأويلات ألفاظ قائمة على وجوه فكهة يمكن حملها على النحت؛ وذلك كالذي أورده الجاحظ (ت 255هـ) عن أبي عبدالرحمن الثوري، إذ قال لابنه: "...أي بني، إنما صار تأويل الدرهم دار الهم، وتأويل الدينار، يدني إلى النار"[15].
ومنه: "كان عبدالأعلى إذا قيل له: لِمَ سمي الكلب سلوقيًّا؟ قال: لأنه يستلُّ ويلقي، وإذا قيل له: لم سُمِّي العصفور عصفورًا؟ قال: لأنه عصى وفر[16].