من منتدى النوافذ التربوية :
السخرية في الأدب العربي
مقدمة :
الأدب الساخر تراث بشري تناقلته الأمم وتوارثته الأجيال وأنس به البشر طوال عمارتهم للأرض، فلا يكاد الباحث يجد
أمة لم يكن لها تاريخ في الأدب الساخر وشخصيات ورسومات وأشعار وأخبار، ذلك أن النفس البشرية في تركيبتها تسعى إلى البهجة وتبحث عن السعادة والترويح والأدب الساخر بكافة أشكاله وتجلياته يمنحها من السعادة الشيء الكثير ومن
البهجة ما يشرح خاطرا ويزيل هما.
ويعيد بعض الباحثين جذور السخرية الأصلية إلى قدماء المصريين الذين سجلوا تلك السخرية في رسوماتهم وكلماتهم
التي حفروها على جدران معابدهم، فيما يقارب فنّ الكاريكاتير المعاصر، كما ذكر شوقي ضيف في كتابه "فكاهة مصر"، وأضاف أن السخرية أرقى أنواع الفكاهة لما تحتاجه من ذكاء وخفة ومهارة وخفاء ومكر.
والأدب الساخر له أساليب وصيغ ومقومات ودعائم لا تصل رسالته بدونها، ولا يكتمل بناؤه في غيابها، كما أن له
تمظهرات في الحياة الإنسانية منها النكتة المحكيّة نثراً أو شعراً، ومنها الرسوم الثابتة "الكاريكاتير"، ومنها القصة والرواية، ومنها المسلسلات والأفلام في العصر الحديث، وغير ذلك كثير.
أهميته :
الأدب الساخر يحمل في العادة رسالة أقوى من الكلمات الجادّة ويصل لغايته بطريقة أسهل وأيسر، ويتناقله الناس بناء
على إعجابهم بجماله وذكائه ومهارته وخفته، فهو مركب بالغ التأثير في إيصال الأفكار وتوجيه المجتمعات.
في التاريخ العربي تراثٌ مثير من الأدب الساخر يمتد من عصر الجاهلية حتى يومنا هذا مرورا بالعصر النبوي فالراشدي فالأموي فالعباسي، تناقلته الكتب بشتى تصنيفاتها، وكتب فيه جماعات من العلماء، منهم الأدباء والفقهاء والمحدثون
وأهل الكلام والفلاسفة.
وجوده في الأدب العربي :
كان الأدب الساخر في تراثنا العربي والإسلامي يتناول كافة شرائح المجتمع، لا يفرّق بين متديّن وغيره، ولا بين حاكم ومحكوم، ولا بين فقيه ومحدث، ولا بين شاعر وناثر، الكل كان يخضع للسخرية والنقد من قبل أقرانه أو خصومه، ولم يذكر عن أحد منهم استنكار ذلك أو التشنيع على كاتبه أو قائله، فضلا عن الهوس المعاصر بتفسيقه أو تكفيره!
كانت في المجتمع المسلم شرائح متعددة تشملها تسمية "الشرائح المتديّنة" من مثل القرّاء (أي قرّاء القرآن) والفقهاء والمحدثين والقضاة ومعلّمي الصبيان والأئمة والمؤذنين والمتزهدين والعبّاد وغيرهم، ولم يكن أحد في المجتمع حينذاك يجد حرجا شرعيا من تناول هذه الشرائح بالنقد الجاد أو النقد الساخر، بل كانوا مثلهم مثل غيرهم من شرائح المجتمع يخضعون لمبضع النقد جاده وساخره، بل كان بعض من يتناولهم بالنقد والسخرية علماء كبار وفقهاء معتبرين وأئمة من أئمة الدين.
كان الإمام أبو الفرج عبدالرحمن بن علي بن الجوزي المتوفى سنة 597للهجرة أحد أفراد العلماء الكبار الذين يشار إليهم بالبنان في وقتهم وفيما تلاه من القرون، وهو من فقهاء الحنابلة المعتبرين ومن العلماء المتفننين ومن أكثر العلماء
تصنيفا للكتب، كتب هذا العالم وحده عددا من المصنّفات في نقد شرائح المتدينين ونقد بعض مظاهر الحمق والغلو والانحراف لديهم قياما منه بأمانة العلم وتعديل الاعوجاج في المجتمع، فكتب كتاب "أخبار الحمقى والمغفلين" وكتب
كتاب "تلبيس إبليس" وغيرهما من الكتب، كما كتب غيره من العلماء على ذات المنوال منهم الإمام الذهبي أحد كبار علماء الشافعية في وقته، وقبلهم وبعدهم كثيرون منهم الجاحظ عالم المعتزلة وياقوت الحموي والتنوخي وغيرهم.
في كتابه أخبار الحمقى والمغفلين يذكر ابن الجوزي خمسة عشر فصلا في ذكر أصناف المغفّلين، جعل أكثر من نصفها "تسعة فصول" في نقد شرائح المتدينين وذكر غرائب حماقاتهم، ولم يكتب أو يفتي أحد حتى يوم الناس هذا أن ابن الجوزي كفر وارتد عن الإسلام لأنه انتقد مثل هذه الشرائح المتديّنة.
كما كتب الإمام الذهبي في كتابه "زغل العلم" تشريحاً طويلا لكافة شرائح المتدينين في زمنه وقال في أول الكتاب: "اعلم أن في كل طائفة من علماء هذه الأمة ما يذمّ ويعاب فتجنّبه"، ثم استرسل في ذكر نقداته على كل شريحة على حدة، فتحدث عن علماء المالكية والحنفية والحنابلة والشافعية، كما تحدث عن المفسرين وعلماء الفرائض والمناطقة وغيرهم.
ابن الجوزي في مقدمة كتابه ينقل عن عدد من الصحابة والتابعين مبررات تقديمه لكتاب في الفكاهة والسخرية والترويح فينقل عن علي بن أبي طالب أنه قال : "روحوا القلوب واطلبوا لها طرف الحكمة فإنها تمل كما تمل الأبدان"، وعن أبي الدرداء أنه قال: "إني لأستجم نفسي ببعض الباطل كراهية أن أحمل عليها من الحق ما يكلها"، وعن حماد بن سلمة أنه كان يقول : "لا يحب المُلح إلا ذكران الرجال ولا يكرهها إلا مؤنثهم"، ثم شرع ابن الجوزي في ذكر فكاهات وحماقات عن المتدينين بشرائحهم السابقة، بعضها يتعلق بقراءتهم للقرآن وبعضها بروايتهم للحديث وبعضها في مسائل الفقه، وبعضها في إمامة الصلاة وفي الأذان وغيرها كثير، وهي فكاهات ساخرة لو سمع بها بعض متنطعي المتدينين في يومنا هذا لأصدروا الفتاوى في تكفير ابن الجوزي رحمه الله!
وقبل ابن الجوزي كان جمعٌ من كبار المحدثين والعلماء مشهورين بخفة الدم وإلقاء النكت الساخرة من تلاميذهم ومعاصريهم من المتدينين، من أمثال الأعمش وشعبة بن الحجاج وصالح جزرة ويزيد بن هارون وغيرهم.
وفي زوايا التاريخ والتراث وكلام أهل العلم بقايا من هذه الأحاديث التي تتبع سبيل السخرية في نقد المتدينين دون أن تجد حرجا شرعيا يمنعها من ذلك، ولولا خشية الإطالة لأوردت العشرات بل المئات من الأمثلة التي تقشعرّ لها أبدان الغلاة والمتشددين اليوم، الذين يفهمون الدين فهماً غير ما فهمه أهل العلم، ثم يعتقدون أن فهمم هذا هو الدين نفسه، فمن تعرّض لهم بالنقد أو السخرية اتهموه بأنه ناقد للدين ساخر بالإسلام، وكم أتمنى أن ينبري أحد الباحثين المعاصرين لتأليف كتاب حول أخبار الحمقى والمغفلين المعاصرين ويتناول في جزء منه حماقات المتدينين المعاصرين إذاً لخرج بجزء نفيس يكمل مسيرة ابن الجوزي والذهبي وغيرهما من كبار العلماء في تراثنا.
مفهوم السخرية في الأدب
حد فاصل يقف حاجزاً بين الكتابة الساخرة وبين " التهريج " ..
الذي لا يرى هذا الحد هو ذلك الذي لا يفرق بين من يرقص طرباً وبين من يهزة الألم ويصارع الوجع !
إن الأدب عموما والأدب الساخر على وجه التحديد هو الركيزة التي يستند عليها الساخر ، إسماً وفعلا ..
ولكن هذا المفهوم " الأدب الساخر " لا يزال مفهوماً مرتبكاً غير واضح المعالم بالنسبة للكثير من الأعضاء هنا في الساخر ، الذين يأتون إلى " الحرف التاسع والعشرين " ثم يكتبوا أشياء وأشياء ، ربما تكون أشياء جميلة وقد لا تكون ..
قد تكون اي شيء إلا أنها ليست أدباً ساخراً ولا تنتمي إليه !
كثيرون تحدثوا عن الأدب الساخر ، عن مفهومة ، وماهيته واين هو الحد الذي يمكن أن نقول كل مادون هذا الحد ليس أدباً ساخرا ..
سأورد هنا بعض مما قيل ، فلم يترك الأولون للآخرين شيئا ..
ولعل هذه الأقوال والعبارات تصف بوضوح ماهو هذا الشيء المسمى " أدباً ساخراً " الذي نريد أن يكون عنوانه هنا في " الحرف التاسع والعشرين " !
السخرية من أعرق أسلحة البشر و ألطفها فهي سلاح الفقير على الغني, سلاح الضعيف على القوي, سلاح المظلوم على الظالم, سلاح المطحون على الطاحن, سلاح الثاني على الأول, لذا فالسخرية سلاح الأكثرية.
فكلما أمعنت في سخريتك تكون أكثر صدقاً، ونبلاً في هذا الزمان المتلاطم الحافل بالكذب والخداع والرياء، فالسخرية عند علماء النفس - هي: "سلاح ذاتي يستخدمه الفرد للدفاع عن جبهته الداخلية ضد الخواء والجنون المطبق، إذ إن السخرية رغم هذا الامتلاء الظاهر بالمرح والضحك والبشاشة، إلا أنها تخفي خلفها أنهاراً من الدموع.. إنها مانعة صواعق ضد الانهيار النفسي. ( سلام الباسل
* كلما زادت مساحة الحرية قلت مساحة السخرية حيث أن الحرية تتغذى بنقصانها فكلما نقصت الحرية زادت الحاجة إلى الأدب الساخر.
و ليس هناك تاريخ أو شهادة ميلاد "للنص الساخر"..فعندما ارتفع السوط الأول في وجه الإنسان (السوط الاجتماعي أو السياسي, أو الاقتصادي أو الديني ) ولدت السخرية, وولدت المقاومة بالضحكة ومن ثم كان الانتصار للضاحكين...
و حول ماهية الأدب الساخر نرى أنه الخلطة السرية بين اللغة والمفردة والحكاية الشعبية واصطياد المفارقة في المشهد سواء أكان هذا الأدب نكتة شفوية, أو كاريكاتير, أو قصّة ساخرة أو نصاً ساخرا.ً
كما إن النص الساخر يجب أن يكون بياناً سريّاً بين الكاتب والقارئ, بين الهمّ والضحكة,بين الوجع وصاحبه, بين القلم والممحاة كرسائل العشّاق سرية وخجولة وبينية, يكون البوح الهادئ فيها بين حمرة الجرح وحمرة الشفاه, بين الحرف والحرف, بين الغرّة والشال..فالسخرية قهوة الكادحين... والضحك دخانهم المجاني. (أحمد الزعبي
الكتابة الساخرة في كل الأحوال تعكس صورة الواقع بجماله وقبحه، ولكن بأسلوب مختلف عن الكتابة العاديّة
" فخري قعوار"
* إن السخرية ليست تنكيتاً ساذجاً على مظاهر الأشياء، ولكنها تشبه نوعا خاصاً من التحليل العميق. إن الفارق بين النكتجي والكاتب الساخر يشابه الفارق بين الحنطور والطائرة، وإذا لم يكن للكاتب الساخر نظرية فكرية فإنه يضحى
مهرجاً . ( " غسان كنفاني"
إذا كانت السخرية لمجرد إضحاك القارئ، فهناك: النكتة الشفوية، التي تقوم بهذا الفعل الإنساني على أكمل وجه، وبأسرع ما يكون الإيصال ويكون التكثيف. السخرية الشفوية.. وليدة حاجة البشر إليها، وليدة ساعتها، وقد تنقضي بعد انقضاء ضحكاتها.
الكتابة الساخرة موقف من العالم، التقاط لأبرز مفارقاته، هجاء لنقائضه، يدمي الروح في اللحظة ذاتها التي يضحك فيها الكائن البشري على ضعفه وتخاذله وخساسته وابتذاله، قبل أن يضحك بسببها على الآخرين.
فالأدب الساخر يحصن الروح الإنسانية عن صمتها وخوفها وترددها في التعبير والتصريح وإثارة الأسئلة، حتى لكأنه آخر ملاذات الكائن من اغتيال كينونته، بل.. نافذته على قهقهة مديدة مغمسة بالألم تسُخر لتهجو الطغاة والجلادين وكتبة التقارير وقتلة الحب والجمال وضحكات الأمل ( " نجم الدين سمان"
* السخرية هي صمام الأمان الذي يمنع طنجرة الضغط التي أحملها فوق كتفي من الانفجار! هي وسيلتي كانسان ضعيف للتوازن في هذا العالم المليء، هي فن (الخيمياء) الذي يحول معادن الحياة اليومية الخسيسة إلى معادن نفيسة! بالسخرية يتحول الألم إلى ضوء والعجز إلى أفكار ( "شوقي بغدادي"
* كل ما أعرفه أن السخرية والضحك عمل جماعي وأنه عمل يحتاج للآخر بشكل جوهري، إنه عمل اجتماعي بالضرورة، والآخر هو الأساس في التعاطي مع السخرية. قد أميل قليلاً إلى تصديق علماء النفس الذين يدّعون بأن السخرية بشكل
عام هي سلاح فردي يستخدمه الفرد للدفاع عن جبهته الداخلية ضد الخواء والجنون غير المطبق، وهي مانعة صواعق
ضد الانهيار النفسي، إذ بجسد منهك وبقلم رديء الصنع تستطيع إخفاء هشاشتك الداخلية أمام الآخرين سواء كانوا أفرادا أم جماعات. أم قوى سائدة تتحكم في مقدرات المجتمع وقراراته المصيرية ( " يوسف غيشان "
وبالتأكيد أن هناك الكثير ممن تحدثوا عن الأدب الساخر والكتابة الساخرة ، ولكننا هنا نريد أن نعلق سراجاً يضيء بالقدر الذي يكفي لنبصر الأشياء على حقيقتها ، والشيء الذي نريد أن نلقي عليه هنا ولو ضوء سراج مكسور هو " الأدب الساخر