دلالة الألفاظ في سياقها البياني
كتبه: د. حمادة عبد الإله حامد
من وسائل تقديرنا قيمة الشعر هي تقديرنا قيمة اللفظ المتوخى، فهو من أهم وسائل الشاعر في إبداع الدلالة(1)، حيث إنه يمتلك طاقات إيحائية متعددة ومتنوعة خارجَ نسقه اللغوي وسياقه التعبيري، فإذا نجح الشاعر في اقتناصه، وتسكينه بناءه الشعري المناسب بوحي فطرتِه الشعرية وإحساسه المُرهَف – أكسبه دلالةً تُثرِي المعنى وتُقوِّي الوسائل الإيحائية الأخرى، وتتضافر معها.
وإذا كان الشعراءُ قديمًا قد اهتدَوا إلى مثل هذا بوَحيٍ من سليقتهم الخالصة، فإنَّ بعض الاتجاهاتِ حديثًا أولَتْ اللفظَ عنايةً خاصةً واهتمامًا كبيرًا؛ إذ حرص شعراء الرومانسية على استخدام اللغة استخدامًا خاصًّا، خاصةً عند شعراء مدرسة (أبوللو) من أمثال الشابي وإبراهيم ناجي وغيرهما تأثرًا بالرمزيين الذين يتأنقون في اختيار (الألفاظ المُشِعَّة المُصورة، بحيث توحي في موقعها وقرائنِها بأجواء نفسية رحيبة تعبر عمَّا يقصر التعبير عنه، وتفيد ما لا تفيدُه في أصلها الوضعيّ) (2).
وغنيٌّ عنِ البيان القولُ بأنَّ اللفظَ يَقوَى دلاليًّا عند تحميله دلالةً رمزية أو استخدامه استخدامًا خاصًّا، وربما قلت استخدامًا شعريًّا فنيًّا، إمَّا عن طريق ابتكار كلماتٍ جديدةً أو إكسابه قِيَمًا جماليةً بتجاوُزِه قوانينَ الاختيار وإخلافه للمُتوَقَّع؛ بحيث يُحقِّقُ نوعًا من التفاعُل النَّامِي بين إيحاء الكلمات، ويمنحُ التعبيرَ طاقاتٍ مُكتنزة من مشاعر وأحاسيس تتداعى في حرية في خيطٍ من نسيج خاص، يعودُ به في النهاية إلى كيانِ القصيدةِ المُتماسِك.
وتَأمَّلْ معي قولَ الشاعر:
إني تَذكَّرْتُ والذِّكرى مُؤرِّقةٌ ** مَجدًا تليدًا بأيدينا أضعنَاهُ
أنَّى اتجهت إلى الإسلامِ في بلدٍ ** تجدْهُ كالطَّير مقصوصًا جناحَاهُ
ويحَ العروبةِ كان الكونُ مسرحها ** فأصبحتْ تتوارى في زوايَاهُ
كم صرَّفَتْنا يدٌ كنا نُصَرِّفُها ** وباتَ يملكُنا شعبٌ ملكنَاهُ
فقد سلك الشاعرُ هنا مهيع السلاسة في تعبيره؛ فجاءتْ ألفاظه منسابةً انسيابَ صفحةِ الغدير المصقول بحشدٍ من الطاقات التعبيرية المُكتنزة والمتناسلة من توظيف الألفاظ؛ فقوله: (مقصوصًا) تُوحِي بفقدان القدرة على التحليق، والسلب والاختزال، وقوله: (تتوارى) الذي توخى فيه أن يكون مضارعًا ليكشف عن استمرار الانزواء والغياب عن ساحة القوة ومسرحها، كما أثرى هذا الفعل الدلالة بإحداثه التقابل مع قوله: (كان القول مسرحها) في الشطر الأول من البيت، وأزجى بعد ذلك: (زواياه) لتدعمَ هذا التوازي، فلم يعد لها مكانٌ تُرَى فيه.. وإنما صارتْ مُهَمَّشةً.
أمَّا قوله: (صرفتنا)، و(يملكنا)؛ فقد توخى في الأولى سبقها بـ (كم) الخبرية المفيدة الكثرة، واتصال الفعل بالضمير (نا) الواقع مفعولاً به - أي وقع عليه الفعل- يُعَدُّ كشفًا لمدى الخضوع لسلطة الآخرين، وكذا (نا) في الفعل (يملكنا) المضارع الاستمراري، كما ظللت بنية الفعلين البيتَ بإحساس من فقدان التحكم واتصاف الأمة بأنها مغلوبةٌ على أمرها.
وانظر كيف وظَّف صلاح عبد الصبور الألفاظ هنا لتقطر حزنًا ممرورًا:
يا صاحبي إني حزين
طلع الصباح فما ابتسمت
ولم ينر وجهي الصباح
وخرجت من جوف المدينة
أطلب الرزق المتاح
.وأتى المساء
في غرفتي دلف المساء
والحزن يولد في المساء؛ لأنه حزن ضرير
حزن طويل كالطريق من الجحيم إلى الجحيم
حزن صموت
والصمت لايعني الرضاء بأن أمنية تموت
وبأن أيامًا تفوت
وبأن مرفقنا وهن
وبأن ريحًا من عفن
مس الحياة فأصبحتْ وجميع ما فيها مقيت
حزن تمدد في المدينة
كاللِّص في جوف السكينة
كالأفعوان بلا فحيح
الحزن قد قهر القلاع جميعها وسبى الكنوز
وأقام حكامًا طغاة
الحزن قد سمل العيون
ثم يقول:
سنعيش رغم الحزن نقهره، ونضع في الصباح
أفراحَنا البيضاء.. أفراحَ الذين لهم صباح...
وبأدني تأمُّلٍ تلحَظ كتلةً مشحونة من الحزن تَتَبَدَّى في اختياره الكلمات الغنية بالمُدود، كأنما ينوح في بدء القصيدة ومستهلها:
يا صاحبي إني حزين...
خمسة مُدودٍ صبغتِ الكلامَ بالتأوُّه لتجبرَك على أن تقف عندها فتمد صوتك وتعيش معه حالته تلك مشاركًا ومتألمًا، وكذلك وصفه الحزن مع ميلاده في المساء، بأنه حُزن ضرير كالأفعوان بلا فحيح؛ ليناسب الوصف بالصموت، ثم نعته بالطويل، وزاد الأمر عمقًا حين شبهه بالطريق من الجحيم إلى الجحيم، فهو حُزن مولودٌ في المساء، وضرير، وطويل ممتد، وصموت، بمُجرَّد مسِّه للحياة يصيرُ جميع ما فيها مقيتًا..
ودعْني أختمُ لك مقالتي بمثالٍ من أروع بيان وأرقى تعبير، فبمزيد من التبصُّر وإعمال الفكر يتضح ذلك من خلال مقارنةٍ بين آيتين مُتشابهتين في سورة التوبة، مع بعض التصرف القرآني في اختيار الألفاظ في كلٍّ:
قال – تعالى-:
"فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ". [التوبة : 55]
وقال – سبحانه - في آيةٍ أخرى في نفس السورة:
"وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ". [التوبة : 85]
فلماذا هذه الفروق اللفظية في الآيتين؟
خلفية السياق أو المشهد في الآية الأولى :
إنَّ الآية الأولى في سياقِ الآيات التي قبلَها والتي بعدها تتحدَّثُ عن غطرسة المنافقين وجبروتهم ومراوغاتهم.. فقال – تعالى-:
"قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ". [التوبة : 52]
ثم قال – تعالى-:
"قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ" [التوبة : 53]، ثم:
"وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ".
و جاءت الآية (55) في السياق:
"فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ" [التوبة : 55]، ثم:
"وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ". [التوبة : 56]
خلفية المشهد في الآية الثانية:
تمثل الموت والسكون والذل..
فقال – تعالى-:
"وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ". [التوبة : 84]
وتلتْها في السياق الآية رقم (85):
"وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ". [التوبة : 85]
لذلك استخدمَتِ الآيةُ في المشهد الأول في سياق غطرستهم وسائلَ تأكيدٍ أقوى؛ حتى لا ننخدع بهذه الغطرسة، فاستخدم الفاءَ في كلمة: (فلا)، ثم زيادة التأكيد بـ (لا) في: (ولا أموالهم)..
ثم لام التعليل بحركة الكسرة في قوله: (ليعذبهم).. وهي الأقوى من (أن) في الآية الثانية في قوله – تعالى-: (أن يعذبهم) بحركة الفتحة ثم السكون.
ليس هذا فقط، بل إن كلمة (لِيُعَذِّبَهم) اجتمع فيها كسرة اللام ثم ضمة الياء ثم فتحة العين، أي ثلاث حركات متعاقبة، أمَّا (أنْ يُعذِّبَهم) فإنَّ سكونَ النون هدَّأَ من قوة الحركات؛ فهَدَّأَ من إيقاع المشهد الذي يتوقفُ قليلاً أمامَ ذُلِّ الموت.
ليس هذا فحسب.. بل استخدم كلمة (الحياة) التي تدُلُّ على البهرجة؛ لأنها في مقام الغطرسة، وحذفَها في مشهد الموت.. فسُبحانَ مَن كانَ هذا كلامه..!!
____________________________________
(1) راجع إبداع الدلالة للدكتور محمد حماسة ص 114 وما بعدها.
(2) انظر: النقد الأدبي الحديث ص 427.
.