مُنَمْنَماتٌ عَلى جُدْرانِ الْمَجالِسِ الْعَربيَّةِ=3
انْتَزَعَها الدُّكْتورُ مُحَمَّدْ جَمالْ صَقْرْ
1
عُقوقُ الشُّعَراءِ
" قالَ بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ :
لا خَيْرَ في الْعَيْشِ إِنْ دُمْنا كَذا أَبَدًا لا نَلْتَقي ، وَسَبيلُ الْمُلْتَقى نَهَـــجُ
قالوا : حَرامٌ تَلاقينا ؛ فَقُلْتُ لَهُمْ : ما في التَّلاقي وَلا في غَيْرِهِ ، حَرَجُ
مَنْ راقَبَ النّاسَ لَمْ يَظْفَرْ بِحاجَتِهِ ، وَفازَ بِالطَّيِّبـاتِ الْفاتِكُ اللَّهِـــجُ !
فَقالَ سَلْمٌ الْخاسِرُ أَبْياتًا ، ثُمَّ أَخَذَ مَعْنى هذا الْبَيْتِ ، فَسَلَخَهُ ، وَجَعَلَهُ في قَوْلِهِ :
مَنْ راقَبَ النّاسَ ماتَ غَمًّا ، وَفازَ بِاللَّذَّةِ الْجَسورُ !
فَبَلَغَ بَيْتُهُ بَشّارًا ؛ فَغَضِبَ ، وَاسْتَشاطَ ، وَحَلَفَ أَلّا يَدْخُلَ إِلَيْهِ وَلا يُفيدَهُ وَلا يَنْفَعَهُ ما دامَ حَيًّا !
فَاسْتَشْفَعَ إِلَيْهِ بِكُلِّ صَديقٍ لَهُ وَكُلِّ مَنْ يَثْقُلُ عَلَيْهِ رَدُّهُ ؛ فَكَلَّموهُ فيهِ ، فَقالَ : أَدْخِلوهُ إِلَيَّ ، فَأَدْخَلوهُ إِلَيْهِ ، فَاسْتَدْناهُ ، ثُمَّ قالَ : إيهٍ ، ياسَلْمُ ، مَنِ الَّذي يَقولُ :
مَنْ راقَبَ النّاسَ لَمْ يَظْفَرْ بِحاجَتِهِ ، وَفازَ بِالطَّيِّبـاتِ الْفاتِكُ اللَّهِـجُ ؟
قالَ : أَنْتَ يا أَبا مُعاذٍ . قَدْ جَعَلَنِيَ اللّهُ فِداءَكَ !
قالَ : فَمَنِ الَّذي يَقولُ :
مَنْ راقَبَ النّاسَ ماتَ غَمًّا ، وَفازَ بِاللَّذَّةِ الْجَسورُ ؟
قالَ : تِلْميذُكَ وَخِرّيجُكَ وَعَبْدُكَ ، يا أَبا مُعاذٍ !
فَاجْتَذَبَهُ إِلَيْهِ ، وَقَنَّعَهُ بِمِخْصَرَةٍ كانَتْ في يَدِهِ ثَلاثًا ، وَهُوَ يَقولُ : لا أَعودُ - يا أَبا مُعاذٍ - إِلى ما تُنْكِرُهُ ، وَلا آتي شَيْئًا تَذُمُّهُ ؛ إِنَّما أَنا عَبْدُكَ وَتِلْميذُكَ وَصَنيعَتُكَ ! وَهُوَ يَقولُ لَهُ : يا فاسِقُ ، أَتَجيءُ إِلى مَعْنًى قَدْ سَهِرَتْ لَهُ عَيْني ، وَتَعِبَ فيهِ فِكْري ، وَسَبَقْتُ النّاسَ إِلَيْهِ ، فَتَسْرِقَهُ ، ثُمَّ تَخْتَصِرَهُ لَفْظًا تُقَرِّبُهُ بِهِ لِتُزْرِيَ بِهِ عَلَيَّ وَتُذْهِبَ بَيْتي ! وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ أَلّا يَعودَ ، وَالْجَماعَةُ يَسْأَلونَهُ !
فَبَعْدَ لَأْيٍ ما شَفَّعَهُمْ فيهِ ، وَكَفَّ عَنْ ضَرْبِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ لَهُ ، وَرَضِيَ عَنْه " !
عن الأصفهاني في " الأغاني "
2
غَريبُ الْحِمارِ
" حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجّاجِ ، قالَ :
جاءَنا بَشّارٌ يَوْمًا ، فَقُلْنا لَه : ما لَكَ مُغْتَمًّا ؟
فَقالَ : ماتَ حِماري فَرَأَيْتُه في النَّوْمِ ، فَقُلْتُ لَه : لِمَ مِتَّ ؟ أَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ إِلَيْكَ ؟
فقال :
سَيِّدي خُذْ بي أَتانًا عِنْدَ بابِ الْأَصْبَهاني
تَيَّمَتْني بِبَنـانٍ وَبِدَلٍّ قَدْ شَــــجاني
تَيَّمَتْني يَوْمَ رُحْنا بِثَناياها الْحِســانِ
وَبِغُنْجٍ وَدَلالٍ سَــلَّ جِسْمي وَبَراني
وَلَها خَدٌّ أَســـيلٌ مِثْلُ خَدِّ الشَّيْفَرانِ
فَلِذا مِتُّ وَلَوْ عِشْــتُ إذًا طالَ هَواني
فَقُلْتُ لَه : ما الشَّيْفَرانِ ؟
قالَ : مَنْ يُدْريني ! هذا مِنْ غَريبِ الْحِمارِ ؛ فَإِذا لَقيتَه فَاسْأَلْهُ " !
عن الأصفهاني في " الأغاني "
3
جِنايَةُ الْقافِيَةِ
" حَدَّثَني الْحَسَنُ بْنُ عُلَيْلٍ الْعَنَزيُّ وَالْمُبَرِّدُ وَغَيْرُهُما ، قالوا :
كانَتْ مُتَيَّمُ جارِيَةً لِبَعْضِ وُجوهِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، فَعَلِقَها عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْمُعَذَّلِ . وَكانَتْ لا تَخْرُجُ إِلّا مُنْتَقِبَةً ، فَخَرَجَ عَبْدُ الصَّمَدِ يَوْمًا إِلى نُزْهَةٍ ، وَقَدِمَتْ مُتَيَّمُ إِلى عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبي الْحُرِّ الْقاضي ، فَاحْتاجَ إِلى أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْها ؛ فَأَمَرَها بِأَنْ تُسْفِرَ ، فَلَمّا قَدِمَ عَبْدُ الصَّمَدِ ، قيلَ لَه : لَوْ رَأَيْتَ مُتَيَّمَ وَقَدْ أَسْفَرَها الْقاضي ، لَرَأَيْتَ شَيْئًا حَسَنًا لَمْ يُرَ مِثْلُه !
فَقالَ عَبْدُ الصَّمَدِ قَوْلَه :
وَلَمّا سَـرَتْ عَنْها الْقِنــاعَ مُتَيَّمٌ تَرَوَّحَ مِنْها الْعَنْبَريُّ مُـتَيَّما
رَأى ابْنُ عُبَيْدِ اللّهِ وَهْوَ مُحَكَّمٌ عَلَيْها لَها طَــرْفًا عَلَيْهِ مُحَكَّما
وَكانَ قَديمًا كالِحَ الْوَجْهِ عابِسًـا فَلَمّا رَأى مِنْها السُّفورَ تَبَسَّما
فَإِنْ يَصْبُ قَلْبُ الْعَنْبريِّ فَقَبْلَه صَبا بِالْيَتامى قَلْبُ يَحْيى بْنِ أَكْثَما
فَبَلَغَ قَوْلُه يَحْيى بْنَ أَكْثَم - وكان قاضي القضاة ! - فَكَتَبَ إِلَيْهِ :
عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللّهِ ! أَيَّ شَيْءٍ أَرَدْتَ مِنّي ، حَتّى أَتاني شِعْرُكَ مِنَ الْبَصْرَةِ !
فَقالَ لِرَسولِه : قُلْ لَه : مُتَيَّمُ أَقْعَدَتْكَ عَلى طَريقِ الْقافِيَةِ " !
عن الأصفهاني في " الأغاني "