ب. السياسة اللغوية
من الملاحظة أن تعليم اللغات الأجنبية في العصر الحاضر خاصة المهيمنة منها مثل الإنجليزية لا يعتمد على المنهج فقط وإنما أيضا على سياسة لغوية قوية؛ لأن المنهج مهما كان فعالا لن يضمن نجاح تعليم أي لغة أجنبية في نطاق واسع ما لم تكن هناك سياسة لغوية تدعمه سواء أكانت تلك السياسة سياسة دولية وضعتها الدول الناطقة بتلك اللغة أم سياسة وطنية وضعها كل بلاد يهتم بتدريس تلك اللغة.
ومن الأسف الشديد أن اللغة العربية بصفتها لغة أجنبية كان ومازال تعليمها يعتمد على المناهج التعليمية فقط ولم تكن هناك أية سياسة لغوية واضحة وضعت لدعم ذلك سواء أكانت ذلك سياسة دولية تطبق في جميع الدول الأجنبية أم سياسة محلية تخص دولة معينة تعني بتعليم اللغة العربية. وهذا يجعل تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية يلجأ كثيرًا إلى كونها لغة دينية مما يعني أن تعليمها وتعلمها تحدده رغبة المسلمين في فهم دينهم. إذا قويت هذه الرغبة زادت رغبتهم في تعلم اللغة العربية والعكس صحيح.
لذلك فمن الضرورة بمكان مبادرة وضع سياسة لغوية دولية كانت أم وطنية لدعم تعليم اللغة العربية لكي تستطيع مواكبة العولمة اللغوية في العصر الحاضر. والسياسة اللغوية تغطي جوانب كثيرة يمكن ذكر أهمها فيما يلي:
ب.1. السياسة في مجال تأهيل المعلمين
يمكن أن تتمثل السياسة اللغوية العربية بهذا المجال في تنسيق الدورات التدريبية لمعلمي اللغة العربية وذلك بهدف تزويد المعلمين على أيدي الخبراء بأحدث التقنيات التعليمية التي يمكن لهم تطبيقها في رفع مستوى تعليم اللغة العربية أينما كانوا. وتتمحور المواد المتدرب عليها حول تصميم المنهج وتطويرها، إدارة المواد التعليمية وتطويرها، طرائق التدريس وأساليبها، إدارة الوسائل التعليمية واستخدامها، إدارة نظام التقويم وأدواته، وثقافة اللغة العربية.
ويمكن تنسيق هذه الدورات التدريبية في مرحلتين تتخذ المرحلة الأولى شكل "تدريب المعلمين المدرِّبين" (training for trainers) وهو تدريب مجموعة من المعلمين البارزين الذين سوف يكونون فيما بعد مدربين لزملائهم المعلمين الآخرين. وتتمحور المواد التي يتدربون عليها حول الخبرات المعرفية والثقافية وغيرها من الخبرات التي تفيدهم في تحسين مستواهم في أداء مهنتهم. أما المرحلة الثانية فتتم على شكل "تدريب أثناء الخدمة In service training" وهو تدريب معلمي اللغة العربية وليس إعداد معلمي اللغة العربية مما يعني أن المشاركين في هذا النوع من التدريب هم الذين يتخصصون في تعليم اللغة العربية ويعملون عليه.
وقد قامت بعض الدول بممارسة مثل هذه السياسة اللغوية في برامج تأهيل معلمي اللغة الإنجليزية مثل أستراليا –على سبيل المثال لا الحصر- من خلال تدريبات أثناء الخدمة لمعلمي اللغة الإنجليزية في إندونيسيا التي تهدف إلى تزويد المعلمين بكل ما يحتاجون إليه في رفع أدائهم التعليمي من خبرات معرفية ومهنية وثقافية. وبالطبع أن مثل هذه السياسية اللغوية تلعب دورًا يذكر في رفع مستوى تعليم اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية في إندونيسيا ومن ثم تكوين لدي المجتمع الإندونيسي اتجاهات إيجابية تجاه هذه اللغة وثقافتها ودوافع قوية لتعليمها وتعلمها.
ب.2. السياسة في تصميم المواد التعليمية وتطويرها
تتعلق هذه السياسة ببرامج مخططة في تأليف السلسلة التعليمية المتكاملة المضمون ليس فقط من الناحية اللغوية وإنما أيضا من الناحية التعليمية والثقافية. بعبارة أخرى أن السلسلة التعليمية المقصودة هي التي تغطي من الناحية اللغوية أغنى المواد اللغوية العربية في ضوء المهارات اللغوية الأربع، ومن الناحية التعليمية تنبني على أحدث نظريات ومبادئ تعليمية، ومن الناحية الثقافية تغطي الملامح والقيم الأساسية لكل من ثقافة الناطقين بالعربية وثقافة المتعلمين الناطقين بغيرها.
وتأتي أهمية تأليف مثل هذه السلسلة التعليمية من أن أهم ما يعاني منه مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها –خاصة من الإندونيسيين- هو انعدام الكتب التعليمية الجيدة. إن الكتب المستخدمة لتعليم العربية حتى الآن يمكن وصفها بوجه عام غير جيدة حيث إن لها قصورًا من الناحية التالية:
- الناحية اللغوية. إن الكتب التعليمية لم تغط جميع المهارات الأربع بصورة متوازنة حيث تحظى مهارة القراءة باهتمام أكثر مما تحظى به المهارات الأخرى. ويترتب على ذلك ترقية مهارة الطلاب في القراءة وتدني مهارتهم في الاستماع والكلام والكتابة.
- الناحية الثقافية. إن الكتب التعليمية -سواء كانت الصادرة من الدول العربية أم المؤلفة في الدول الأجنبية- لم تستمد موضوعاتها من الثقافات الإسلامية المحلية التي ينتمي إليها المتعلمون الأجانب. ويترتب على ذلك عدم انفعال المتعلمين بهذه الموضوعات وتكوّن لديهم اتجاهات سلبية تجاه اللغة العربية بأنها لغة تخص ثقافة العرب وبيئتها ولم تتناول ثقافتهم وبيئتهم ويشعرون بأنها غير قابلة للتعبير عن أنفسهم وأفكارهم وبيئتهم.
- الناحية التعليمية. إن المواد التعليمية في الكتب التعليمية لم يتم اختيارها وتنظيمها بشكل يراعي المبادئ التعليمية. ولعل أبرز ما يؤكد ذلك أن ترتيب المواد التعليمية خاصة الموضوعات النحوية يتقيد بتبويب الكتب النحوية وليس على أساس الاحتياجات اللغوية للمتعلم. ولعل أهم ما يقف وراء ذلك عدم استفادة عملية اختيار المواد وتنظيمها من الدراسات التقابلية بين اللغة العربية ولغة المتعلم.
وبما أن هذه السلسلة التعليمية المراد تأليفها متكاملة من حيث المحتوى اللغوي ومتوازنة من حيث المحتوى الثقافي فلا بد في عملية تأليفها من التعاون والعمل الجماعي بين خبراء تعليم اللغة العربية العرب ونظيرهم الأجنبيين، مثل التعاون بين خبراء تعليم اللغة العربية العرب ونظيرهم الإندونيسيين في تأليف السلسلة التعليمية لتعليم اللغة العربية في إندونيسيا.
ب.3. السياسة في بناء المؤسسات اللغوية أو مراكز النشاط اللغوي
مما لا يختلف فيه اثنان أن من أهم العوامل المدعمة لهيمنة اللغات الغربية وسيادتها في العصر الحاضر هو وجود المؤسسات اللغوية التي أسست بهدف توفير كل ما يحتاج إليه المتعلم الأجنبي في إجادة هذه اللغات. اللغة الإنجليزية على سبيل المثال قد أصبحت لغة سائدة على المستوى الدولي لأن تعليمها وتعلمها مدعوم بما يعرف دوليًّا بالمؤسسة البريطانية (British Council). هذه المؤسسة تقدم برامج تعليم اللغة الإنجليزية على جميع المستويات من الابتدائي حتى المتقدم وتوفر كل الوسائل والتسهيلات وغيرها مما يحتاج إليه الأجنبيون في تعلم الإنجليزية مثل المعلومات عن الدراسات والمنحة الدراسية في الجامعات الغربية. وبقدر متباين قامت بهذا الإنجاز اللغات الغربية الأخرى مثل الفرنسية والألمانية.
واللغة العربية رغم كونها من أكبر اللغات الأجنبية لم تحظ من مثل هذه السياسة ما يكفي من الدعم بل لم تكن هناك أي مؤسسة لغوية بنيت لتوفير كل ما يحتاج إليه الأجنبيون لإجادة هذه اللغة. كل ما يوجد في بعض الدول هو معاهد تعليم اللغة العربية تقدم برامج تعليمية على مستويات معينة، إلا أنها لم تقدم مثل ما قدمتها تلك المعاهد لتعليم اللغة الإنجليزية. لذلك وسدًّا لهذا القصور فليتبادر المعنيون بتعليم اللغة العربية إلى التعاون في بناء مؤسسات لغوية في الدول الأجنبية بهدف توفير جميع الوسائل والتسهيلات المساعدة في تعلم اللغة العربية خاصة ما يسد القصر في المواد المقروءة حول اللغة العربية وثقافتها وتوفير الفرص للدراسة في الدول العربية مما يمكن الأجانب من الحياة مع هذه اللغة وثقافتها في بيئتها الطبيعية.
الخاتمة
أشار ما تقدم عرضه إلى أن مجال تعليم اللغة العربية يجابه تحديات كبيرة في ظل العولمة. وعند مواجهة هذه التحديات لا يتوافر لمن يعني بشأن هذه اللغة إلا خيار وحيد وهو تغيير اتجاهات تعليم هذه اللغة نحو ما يحافظ على طبيعها كلغة الدين الإسلامي والثقافة الإسلامية من جانب ويضمن وجودتها في ظل العولمة اللغوية في العصر الحاضر من جانب آخر. ويجب أن يكون هذا التغيير متعدد الأبعاد حيث إنه لا يغطي بعدًا لغويًّا فقط وإنما أيضا أبعادًا أخرى على رأسها بعد نفسي وثقافي واتصالي. كما أنه يجب أن يتم في إطار محاولات لحمل اللغة العربية على السيادة والهيمنة على غيرها من اللغات الحية في هذا العصر وتسود معها قيم ثقافتها الإسلامية في الحياة المعاصرة. وإنه بهذا الاتجاه سوف يتجاوز حدود تعليم اللغة العربية لأجل الأهداف الدينية البحتة الذي يتسم بالاكتفاء والرضاء ببقائها كلغة الدين بقاء دون هيمنة في عالم التواصل الدولي في عصر العولمة.
ويستحيل الدعم لهذه الأهمية والتحقيق لأهدافها إلا إذا كانت هناك مبادرة جادة إلى وضع منهج اللغة العربية وسياسة تعليمها للناطقين بغيرها الذي يمكنها من مواجهة تحديات العولمة وتلبية متطلباتها في آن واحد. وبما أن هذا عمل متعدد الأبعاد فلا بد من التآزر بين الأطراف المختلفة المعنية بمجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها. كما أنه لا بد أن يكون هذا التآزر مستمرًا بتخطيط دقيق وإدارة جيدة؛ إذ إنه ليس عملًا قصير المدى الذي تأتي ثمرته بين عشية وضحاها إنما هو عمل بعيد المدى الذي يحتاج إلى مدة زمنية طويلة يتطلب خلالها بذل جهود جادة ومستمرة.
_________
المراجع
رشدي أحد طعيمة، الأسس المعجمية والثقافية لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها (مكة المكرمة: معهد اللغة العربية جامعة أم القرى،1402هـ/1982م)
رشدي أحمد طعيمة، المدخل الاتصالي في تعليم اللغة (سلطانة عمان: بدوم مطبعة، 1997م)
رشدي أحمد طعيمة، تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها: مناهجه وأساليبه (الرباط المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة-إيسيسكو، 1989م)
عبد الحميد عبد الله وناصر عبد الله الغالي، أسس إعداد الكتب التعليمية لغير الناطقين بالعربية (الرياض: دار الغالي،1991م)
كمال بشر، اللغة العربية بين العوربة والعولمة، مقالة مقدمة في مؤتمر مجمع اللغة في دورته الثامنة والستين يوم الاثنين 18 من المحرم سنة 1423هـ الموافق 1 من أبريل (نيسان) سنة 2002م.
محمد على الخولي، الحياة مع لغتين: الثنائية اللغوية (الأردن: دار الفلاح للنشر والتوزيع، 2002م)
نبيه إبراهيم إسماعيل، الأسس النفسية لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، بدون سنة).
Christopher Brumfit, Communicative Methodology in ******** Teaching (Cambridge University Press, 1984)
S. Pit Corder, Introducing applied Linguistics (Great Britain: Hazell Watson & Viney Ltd.,1975)
[1] كمال بشر، اللغة العربية بين العوربة والعولمة، مقالة مقدمة في مؤتمر مجمع اللغة في دورته الثامنة والستين يوم الاثنين 18 من المحرم سنة 1423هـ الموافق 1 من أبريل (نيسان) سنة 2002م.
[2] المرجع السابق
[3] المرجع السابق
[4] عمر ظاهر، العولمة في خدمة العربية:
[5] نبيه إبراهيم إسماعيل، الأسس النفسية لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، بدون سنة)، 28.
[6] رشدي أحمد طعيمة، تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها: مناهجه وأساليبه (الرباط: المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة-إيسيسكو،1989م)،81.
[7] محمد على الخولي، الحياة مع لغتين: الثنائية اللغوية (الأردن: دار الفلاح للنشر والتوزيع، 2002م)، 74.
[8] إسماعيل، الأسس...، 28-29.
[9] طعيمة، تعليم...، 83.
[10] Christopher Brumfit, Communicative Methodology in ******** Teaching (Cambridge University Press, 1984), 92
[11] رشدي أحمد طعيمة، المدخل الاتصالي في تعليم اللغة (سلطانة عمان: بدون مطبعة: 1997م)،25.
[12] S. Pit Corder, Introducing applied Linguistics (Great Britain: Hazell Watson & Viney Ltd., 1975), 70.
[13] طعيمة، تعليم...، 24.
[14] عبد الحميد عبد الله وناصر عبد الله الغالي، أسس إعداد الكتب التعليمية لغير الناطقين بالعربية (الرياض: دار الغالي، 1991م)، 20.
[15] رشدي أحد طعيمة، الأسس المعجمية والثقافية لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها ( مكة المكرمة: معهد اللغة العربية جامعة أم القرى، 1402هـ/1982م)، 20.