عطف المنفي بـ ( لن ) على المنفي بـ ( لم )
في قول الحق جل وعلا : ((فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ))[البقرة : 24]
ترى جمهرة المعربين أن جملة ((ولن تفعلوا)) لا محل لها إعرابًا ؛ لأنها جملة اعتراض(1) ، ويتعقب الشهاب الخفاجي أحد شراح الكشاف – لعله الشريف الجرجاني- حيث ذهب هذا الشارح إلى جواز إعراب جملة ((ولن تفعلوا)) معطوفة على ((ولم تفعلوا)) ، فردَّ ذلك الخفاجي قائلًا :
(( وأما العطف الذي ارتضاه فغير صحيح بحسب العربية ولا بحسب المعنى ولذا لم يلتفتوا له مع ظهوره ، وهي جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب ... )) ( 2).
وقوانين النحاة تعضد نقد الخفاجي هذا التوجيه ؛ ذلك أنهم اشترطوا لصحة عطف الفعل على الفعل اتحاد زمانيهما في المضي والاستقبال سواء اتحد نوعاهما في الفعلية كأن يكونا مضارعين نحو: ((لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا)) [ الفرقان : 49] ، أم اختلفا نحو قوله تعالى : ((يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ)) [ هود : 98] .
وقوله تعالى : ((تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا))[ الفرقان : 10]
(فنسقيهُ) معطوف على (نحيي ) بدليل ظهور النصب في لفظه و(أورد) معطوف على (يقدم) وزمانهما مستقبل ؛ لأن (أورد) ماضٍ مستقبل المعنى، ((ويجعل لك قصورًا)) عطف ( يجعل) وهو مضارع على (جعل) وهو ماض ، لاتحاد زمانيهما في الاستقبال ؛ فـ (يجعل) مضارع ماضٍ في المعنى (3 ).
ولا يجوز أن تقول : (( زيدٌ قامَ ويخرُجُ)) تريدُ: قام فيما مضى ، ويخرجُ فيما يستقبل على أن يكون من عطف الفعل على الفعل، لأن عطف الفعل على الفعل معدودٌ من عطف المفرد على المفرد، فإذا اختلفا في الزمان صار من عطف الجمل (4 ).
وادَّعى بعض النحاة عدم تصور مثال لعطف الفعل على الفعل ؛ لأن نحو : (قام زيد وقعد عمرو) المعطوف فيه جملة لا فعل ، وكذا (قام وقعد زيد) ؛ لأن في أحد الفعلين ضميرًا .. فرد عليهم ابن هشام قائلًا : ((فإذا قلت : ( يعجبني أن تقوم وتخرج) و(لم تقم وتخرج) ، (ويعجبني أن يقوم زيد ويخرج عمرو).. ووجهه أن الفعل المعطوف منصوب أو مجزوم ، فلولا أن العطف للفعل وحده لم يتأت نصبه أو جزمه .. )) ( 5).
وبتطبيق القوانين النحوية على قوله تعالى : ((فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا)) نجد أنه لا يستقيم على عطف الفعل على الفعل لعدم اتحاد زمانيهما ، فالفعل الأول ماضٍ في المعنى (لدخول لم عليه ) ، والفعل الثاني مستقبل تأكيدًا فيفسد المعنى بهذا العطف كما أشار الخفاجيُّ ،إلا أن يتأول معنى الفعل الثاني وهو ( ولن تفعلوا) على معنى المضي لما كان المخبر عن عدم فعلهم هو الله تعالى فليقين علمه بهم وإحاطته بأحوالهم فكأنه قال: ( وما فعلتم ) فحينئذ يتحد زمان الفعلين ولا يترتب على العطف محذور ، ولكنه كما ترى – أي المعنى – لا يسلم من تكلُّف لا حاجة تلجئ إليه .
ويلفتنا الخفاجي هنا إلى شيء آخر، وهو أن هذا العطف لا يصلح من ناحية القواعد النحوية والقوانين العربية ، لأنه يلزم عنه عطف المنصوب على المجزوم ، حيث عطف المنصوب بـ (لن) على المجزوم بـ (لم ) .
وجوَّز الرضىُّ الاسترآباذي أن تقول : (( لم يقعدْ زيدٌ ولا يقعدُ زيدٌ غدًا )) وبالعكس ( 6) أي: (( لا يقعدُ زيدٌ غدًا ولم يقعدْ )).
فعطف الفعل (ولن تفعلوا) على ( لم تفعلوا) لا يستقيم – حسب قواعد النحاة – على عطف الفعل على الفعل لعدم اتحاد الزمانين ؛ ولكنه يستقيم على عطف الجمل على الجمل .
وقد يستقيم على وجه آخر ضعيف ، على لغة من يجزم بـ ( لن) تشبيهًا لها بـ (لم).
قال ابن عطية : (( وقوله : ولن تفعلوا نصبت (لنْ) ومن العرب من يجزم بها ذكره أبو عبيدة ، ومنه بيت النابغة على بعض الروايات :-
............................ فلن أُعَرِّضْ أبَيْتَ اللَّعنَ بالصفد
وفي الحديث في منامة عبد الله بن عمر: فقيل لي : لن تُرَع ، هذا على تلك اللغة(7 ). وعليه يكون العطف من باب عطف المجزوم على المجزوم ، فلا محذور عربية إلا أن أحدًا من أئمة العربية أو المفسرين لم يخرج الآية على هذا الوجه فلا ينبغي تخريج القرآن عليه ، والاقتصار على الشائع المقيس أولى، والقاعدة الأصولية النحوية تقول : إن الشاهد إذا احتمل وجهًا سائغًا في العربية سقط الاحتجاج به على غير هذا الوجه...(8 ).
_________________
( 1) انظر : (( الكشاف )) (1/96) ، ((أنوار التنزيل)) (1/58) ، ((البحر المحيط)) (1/174) ، ((ارتشاف الضرب)) (3/1482) ، ((ترشيح العلل)) ص(351) .
( 2) (( حاشية الشهاب الخفاجي)) (2/51) .
( 3) وعن مذاهب النحاة في هذه القضية راجع : (( شرح كافية ابن الحاجب)) للرضي (1/328)، (( شرح التسهيل)) ، لابن مالك (3/ 383) ، (( ارتشاف الضرب )) (4/2023) ، (( أوضح المسالك)) (134) ، ((شرح ابن عقيل)) (2/244) ، (( شرح المكودي)) (146) ، (( حاشية الخضري )) (2/67) ، ((شرح الأشموني)) (3/177) ،((همع الهوامع)) (3/224) (شرح التصريح على التوضيح )) (2/152) ، (( نتائج الفكر)) (319) ، (( شرح الأزهرية في علم العربية )) للعلامة خالد الأزهري – طبعة شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – الطبعة الثانية 1374 هـ- 1955 م /ص (104)
(4 ) (( ارتشاف الضرب)) (4/2023).
(5 ) ((حاشية الصبان على الأشموني)) (3/177).
(6 ) (( شرح كافية ابن الحاجب )) (1/328).
(7 ) (( تفسير المحرر الوجيز )) (1/195-196) ، وانظر : (( إعراب القرآن )) للنحاس (1/39) ، (( مغني اللبيب )) (1/619) ، (( رصف المباني)) (287- 288) ، (( الجنى الداني)) (272)، (( شرح الأشموني)) (3/408) ، ((همع الهوامع)) (2/368).
( 8) انظر : (( الإنصاف في مسائل الخلاف )) للأنباري (1/60)