تلحين النحويين للقرّاء
أ. د : ياسين جاسم المحيمد
أستاذ النحو والصرف
كلية اللغة العربية – جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
المعروف أن النحويين احتجوا بالقراءات القرآنية كما احتجوا بعموم كلام العرب ، فلا يوجد كتاب من كتب النحو المعتمدة إلا واستدل بالقراءات القرآنية . وأعتقد أن ما نقل من طعن بعض النحويين في بعض القراءات ، هو محمول على أن القراءة لم تثبت لديه بما تقوم به الحجة ، أو لأن الذي اجتهد قد غلب على ظنه أن هذه القراءة خطأ ، أو وهم من أحد الرواة الذين نقل عن طريقه هذه القراءة التي طعن فيها ( 1) .
وقد استمد علماء اللغة والنحو قواعدهم من كتاب الله تعالى ، و كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكلام العرب الفصيح . فقعدوا القواعد ، لتكون حامية للقرآن والسنة ، بل لتكون في خدمة كتاب الله . والحق أنه إذا ثبتت القراءة حسب الأركان التي مرت بنا قبل قليل ، فينبغي أن تكون القراءة هي الحكم على القاعدة النحوية ، لا أن نرجع نحن بالقراءة إلى القاعدة النحوية ، لأن هذه القراءة مسموعة عن أفصح العرب بالإجماع ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو سيد الفصحاء ، وسيد أهل البيان .
ومعروف لدى الباحثين - كذلك - أن القراءات المتواترة حجة عند كثير من النحاة ، وقد ارتضوها ووافقوا عليها . وأن بعض القراءات لم يرتضه بعض النحويين ، فتأولها ، أو عارضها معارضة صريحة أو خفية ، لسبب من الأسباب
من أسباب تلحين النحويين للقراء
اعتمد النحويون في تلحين القراء على جملة من الأسباب ، منها :
1- أنهم كانوا يحتكمون إلى قواعدهم التي قعدوها هم ، أو قوانينهم التي سنوها ، فرد البصريون قراءات متواترة ، كالفصل بين المضاف والمضاف إليه ، وهي قراءة ابن عامر ، وكالعطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض ، وهي قراءة حمزة ، وغيرها مما سيرد _ إن شاء الله _ في هذا البحث .
2– أحياناً يخفى توجيه القراءة على بعض النحويين ، فيسارع إلى ردها ، كقراءة
( هئت لك ) بكسر الهاء ، وفتح التاء ، التي قال عنها أبو علي الفارسي ( ت 377 هـ ) : ( إنها وهم من الراوي ) (2 ) . وكقراءة حمزة ( إلا أن يخافا ) ( 3) بالبناء للمفعول ، قال الفراء عنها : ( ولا يعجبني ذلك ) ( 4) . وكقراءة ابن كثير ( إن قتلهم كان خطاء كبيراً ) قال أبو حيان في البحر : ( قال النحاس : لا أعرف لها وجهاً ) (5 ) .
3– ينظر بعض النحويين إلى الشائع من اللغات ، ويغفل عن غيره ، كقراءة ابن عامر ( يدعون ربهم بالغدوة ) (6 ) . جاء في الكتاب : في ( غدوة ) لغتان ، اللغة الأولى استعمالها معرفة ، علم جنس ، فلا تدخل عليها أل ، واللغة الثانية : استعمالها نكرة ، فيجوز تعريفه (7 ) . إلا أن أبا عبيدة لحن ابن عامر ، وقال إنما قرأ تلك القراءة اتباعاً لخط المصحف ، وليس في إثبات الواو في الكتاب دليل على القراءة بها ، لأنهم كتبوا الصلاة والزكوة بالواو ( الصلوة ) ( الزكوة ) (8 ) .
4– رد بعض النحويين قراءة ربما وافقت القياس ، كقراءة ( أيمّة ) بالياء ، وقد قال الزمخشري : ( 9فأما التصريح بالياء فليس بقراءة ، ولا يجوز أن تكون قراءة ، ومن صرح بها فهو لاحن ) (10 ) . وهي قراءة نافع في أحد وجهيه ، من طريق طيبة النشر ( 11) .
يقول ابن خالويه ( ت 370 هـ ) : ( قد أجمع الناس جميعاً أن اللغة إذا وردت في القرآن فهي أفصح مما في غير القرآن ، لا خلاف في ذلك ) ( 12) .
وقد شنع ابن حزم ( ت 456 هـ ) على النحاة الذين يردون بعض القراءات ، لمخالفتها القياس بزعمهم ، ثم هم يثبتون اللغة بما هو دون القراءة ، فقال : ( ولا عجب أعجب ممن إن وجد لامرئ القيس ( ت نحو 130 – 180 ق . هـ ) ، أو لزهير ( ت 13 ق. هـ ) ، أو لجرير ( ت 110 هـ ) أو الحطيئة ، أو الطرماح ( ت نحو 125 هـ ) ، أو لأعرابي أسدي ، أو أسلمي ، أو تميمي ، أو من سائر أبناء العرب بوّال على عقبيه ، لفظاً في شعر ، أو نثر ، جعله في اللغة ، وقطع به ، ولم يعترض فيه ، ثم إذا وجد لله تعالى خالق اللغات وأهلها كلاماً لم يلتفت إليه ، ولا جعله حجة ، وجعل يصرفه عن وجهه ، و يحرفه عن مواضعه ، ويتحيل في إحالته عما أوقعه الله عليه ، وإذا وجد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلاماً فعل به مثل ذلك (13 ) .
_________________________________-
( 1) ينظر القراءات القرآنية وأثرها في التفسير والأحكام 1 / 249
(2 ) الحجة في القراءات 4 /420
(3 ) سورة البقرة / 239
(4 ) معاني القرآن 1 / 145
(5 ) البحر المحيط 6 / 32 ، وينظر : إعراب القرآن للنحاس 1 /314
(6 ) سورة الكهف / 28
( 7) الكتاب 2 / 48
(8 ) البحر المحيط 4 / 136
( 9) الكشاف 2 / 142 ، وينظر : دراسات لأسلوب القرآن الكريم 1 / 22
(10 ) ينظر : غيث النفع / 114 _ 115
( 11) نقلاً عن المزهر في علوم العربية 1 / 213 ، وينظر القراءات وأثرها في التفسير 1 / 246
(12 ) الفصل في الملل والنحل 3 / 192 ، وينظر القراءات وأثرها في التفسير 1 / 247