المزابنة:
وقف السيوطيُّ على لفظةِ (المزابنةِ) الواردةِ في الحديثِ الشريفِ الذي نصُّه: « أَنَّ رَسُولَ اللهِ ( نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ »(). فقالَ: ((والمزابنةُ مشتقَّةٌ من الزَّبنِ، وهو المخاصفةُ والمدافعة))(). وذلك في كتابِه (تنوير الحوالك شرح على موطّأ مالك).
والزَّبْنُ في اللغةِ دفعُ الشيءِ عن الشيءِ. قالَ الأزهريُّ: ((زبن: اللّيث: الزَّبْنُ: دَفْعُ الشَّيْء عَن الشَّيْء كالناقة تَزْبِنُ وَلدَها عَن ضَرْعها برِجلها. وتَزْبِن الحالب. والحَرْبُ تَزْبِن الناسَ إِذا صدمتهم، وحَرْبٌ زَبون. وَيُقَال: أخذْتُ زِبْني من هَذَا الطّعام، أَي: حَاجَتي))().
والذي يؤيدُ قولَ السيوطيِّ ما ذكرَه ابنُ قتيبةَ فقالَ: ((وأَخبرَنا شيخٌ من أَصحابِ اللُّغَةِ أَنَّه سُمِّيَ مزابنةً لأَنَّ المُتبايعينِ إِذا وقفا فيه على الغبنِ أَرادَ المغبونُ أَنْ يَفسخَ البيعَ، وأَرادَ الغابنُ أَنْ يُمضيَه فتزابنا، أَي تدافعا واختصما، والزَّبنُ الدَّفعُ، يُقالُ: زبنتْه النَّاقةُ إِذا دَفعتْه برجلِها))().
ويقربُ من هذا المعنى ما ذهب إِليه ابنُ الأَنباريِّ فقالَ: ((... المُزابنةُ في البيعِ: هو أَنْ يشتريَ الرجلُ ثمرةَ نخلتِه بتمرٍ، فسُمِّيَ مزابنةً؛ لأَنَّ المشتريَ إِذا صرمَ النخلةَ، فقصّرَ ثمرَها عمَّا كانَ قدَّرَه، شارَّ البائعَ، وخاصمَه، ونازعَه... واشتقاقُ (المزابنة) من قولِ العربِ: الناقةُ تزبنُ الحالبَ، أَي: تضربُه برجلِها))(). ووردَتْ هذه المادةُ وتأصيلُها في مقاييسِ اللغة()، ولسانِ العربِ().
وجاءت (المزابنة) بأَنَّها تدافعُ العاقدين عندَ القبضِ في كتابِ طلبةِ الطلبة، إِذ جاء فيه: ((سُمِّيَتْ بِهَا لِتَدَافُعِ الْعَاقِدِينَ عِنْدَ الْقَبْضِ))(). فالمزابنةُ مشتقَّةٌ من الزَّبنِ() الذي هو الدفعُ، كما بيَّنَ السيوطيُّ، وهو الراجحُ.
في حينِ عدَّ ابنُ عبدِ البَرِّ أَصلَها من المخاطرةِ فقالَ: ((أَصلُ معنى المُزابَنةِ في اللُّغَةِ المُخاطَرَةُ؛ لأَنَّه لفظٌ مأخوذٌ من الزَّبْنِ وهو المُقامَرَةُ والدَّفعُ والمُغالَبَةُ، وفي معنى القِمارِ والزِّيادةِ والنُّقصانِ أَيضاً))().
ولا أَجدُ فرقاً بينَ الأَصلينِ؛ لأَنَّ المعنى فيهما متقارب، فالمدافعةُ تقتضي المخاطرةَ والمقامرةَ والمغالبةَ، واللهُ تعالى أَعلم.