غرض الرثاء في شعرنا العربي القديم
المصطفى المرابط
الرثاء من بين أغراض الشعر العربي القديم وفنونه الأصيلة، التي أولاها الشاعر عناية خاصة، ونظم عليه أجود أشعاره، وأعمقها أثرًا في نفس المتلقي.
والرثاء من الموضوعات البارزة في شعرنا العربي كذلك؛ إذ طالما بكى شعراؤنا مَن رحلوا عن دنياهم، وسبقوهم إلى الدار الآخرة، وهو حالة من البكاء تتعمق في القدم، فمنذ وجد الإنسان وجد أمامه هذا المصير المحزن، مصير الموت والفناء، الذي لا بد أن يصير إليه، فيصير أثرًا بعد عين، وكأن لم يكن شيئًا مذكورًا[1]، وبنظرة ناقدة لهذا الغرض الشعري المتجذر في الثقافة الشعرية العربية منذ الجاهلية، يتحقق لنا اليقين بأن العرب عرفت فن الرثاء قديمًا، فقد كانت تُقام المآتم للميت؛ حيث يجتمع النساء للصياح والعويل، وقد ظل ذلك في الإسلام؛ إذ أباحه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم محرِّمًا ما كان يقترن به من خمش للوجوه بالجلود، وحلق الرؤوس، وإنما أباحه لِما فيه من تنفيس عن أهل الميت وشفاء لمصابهم فيه[2]، ومنظومات الشعراء في شعر الرثاء كثيرة، وقد كانت تتميز بكونها صادقة ومرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمشاعر الإنسانية والنفسية العميقة؛ وذلك لأن شعر الرثاء فنٌّ يرتبط بالموت، وقد كان شعر الرثاء من أقدم الشعر سبقًا؛ لِما فيه من عناصر الشعبية الجماعية، والدين والحكمة، والمواعظ الطبيعية المعدن والبسيطة المسالك[3].
الرثاء في اللغة:
الرثاء والمرثية في اللغة من رثى الميت بالشعر: إذا قال فيه مرثية، وترثِّي الميت: نَدْبُهُ والترحم عليه، ورثى لفلانٍ: رقَّ له مرثاة؛ فالمعاني اللغوية إذًا ثلاثة:
• الرقة لشخص إشفاقًا عليه.
• بكاء الميت وتعداد محاسنه والترحم عليه.
• مدحه شعرًا[4].
وقد ورد في لسان العرب: "ورثى فلان فلانًا يرثيه رثيًا ومرثية: إذا بكاه بعد موته، قال: فإن مدحه بعد موته قيل: رثاه يرثيه ترثية، ورثَّيْتُ الميت (بتشديد الثاء) رثيًا ورثاء ومرثاة ومرثية، ورثيتُه: مدحته بعد الموت وبكيته، ورثوت الميت أيضًا: إذا بكيتُه وعددت محاسنه، وكذلك إذا نظمت فيه شعرًا[5].
جاء في لسان العرب كذلك في مادة رثأ: رثأت الرجل رثأً: مدحته بعد موته، لغة في رثيته، ورثأت المرأة زوجها كذلك، وهي المرثئة، وقالت امرأة من العرب: رثأت زوجي بأبيات، وهمزت، أرادت رثيْتُه[6].
وجاء في القاموس المحيط: "رثيت الميت رثيًا ورثاء ورثاية، بكسرهما، ومرثاة ومرثية، مخففة، ورثوته: بكيته وعددت محاسنه، كرثَيْتُه ترثية، وترثيته، نظمت فيه شعرًا وحديثًا عنه أرثي رثاية: ذكرته وحفظته، ورجل أرثى: لا برم أمرًا، ورثى له: رحمه ورق له، وامرأة رثاءة ورثاية: نوَّاحة[7].
ويدخل في باب الرثاء كذلك الندبُ والتأبين والعزاء، أما الندب: فهو بكاء النفس ساعة الاحتضار، وبكاء الأهل والأقارب كذلك بذكر العبارات الحسنة مع الإسراف في النحيب، وقد كان الندب المصحوب بالنواح شائعًا في الجاهلية؛ حيث كانت عادة الناس وأعرافهم وقتئذٍ تقضي بالمبالغة في إظهار الحزن والبكاء على الميت، حتى إنهم كانوا يستأجرون نساء سُمِّين بالبواكي، يقُمن في عزاء الميت بالندب، يخمشن خدودهن، ويشققن ثيابهن، ويرفعن أصواتهن بالبكاء، وبذكر ألفاظ تفيد الحزن على فراق الميت وخصاله العظيمة التي كان يشتهر بها، ولما جاء الإسلام حرَّم هذه العادة طبعًا، ووقف لها الخلفاء بعد الرسول صلى الله عليهم بالمرصاد، ويذكر شوقي ضيف في كتابه الرثاء: "أما الندب: فبكاء الأهل والأقارب حين يعصف بهم الموت، فيئنُّ الشاعر ويتفجع؛ إذ يشعر بلطمة مروعة تصوب إلى قلبه، فقد أصابه القدر في ابنه أو في أبيه أو في أخيه، وهو يترنح من هول الإصابة ترنُّح الذبيح، فيبكي بالدموع الغِزار، وينظم الأشعار يبث فيها لوعة قلبه وحرقته، وقد ينظر فيرى الموت مطلًّا نُصب عينيه، وهو ينحدر راغمًا إلى حفرته، ولا ناصر له ولا معين، ويصيح ولا ينفعه صياحه، ففم الهاوية يقترب منه ويوشك أن يلتقمه، فيبكي ويلحن بكاءه على قيثارة شعره تلحينًا مشجيًا كله آلام وحسرات"[8].
والتأبين: وهو تعداد الخصال والأوصاف الحسنة التي اشتُهر بها الميت في حياته، والإشادة به وبأخلاقه وبمناقبه، كالمروءة والعفة والحياء، والشجاعة والبطولة والكرم، وفي عادات العرب وأعرافهم كان يجتمع أهل الميت في بيت، فيجعلون يذكرون مآثره ومناقبه، غير أن موقف الإسلام من التأبين يختلف باختلاف المقصود منه، ويدور بحسب الممارسة، فإذا كان يتم بشكل يؤدي إلى إثارة الأشجان، وتجديد اللوعة للميت، والحزن على موته وفراقه، كان غير جائز، واعتُبر ضربًا من النياحة المذمومة، أما إذا اجتمع أقرباء الميت وذكروه بما كان فيه قيد حياته من خصال وأخلاق وصفات حميدة، من دون مبالغة أو زيادة، ومن دون أن يجعلوا من اجتماعهم ذاك عادة دورية يجتمعون لها في وقت معلوم، اعتُبر جائزًا لا حرج ولا معصية فيه، وقد ذكر شوقي ضيف في كتابه "الرثاء" قائلًا: "وليس التأبين نَوَاحًا ولا نشيجًا على هذا النحو، بل هو أدنى إلى الثناء منه إلى الحزن الخالص؛ إذ يخرُّ نجم لامع من سماء المجتمع، فيشيد به الشعراء منوِّهين بمنزلته السياسية أو العلمية أو الأدبية، وكأنهم يريدون أن يصوروا خسارة الناس فيه، ومن هنا كان التأبين ضربًا من التعاطف والتعاون الاجتماعي، فالشاعر فيه لا يعبر عن حزنه هو، وإنما يعبر عن حزن الجماعة وما فقدته في هذا الفرد المهم من أفرادها؛ ولذلك يسجل فضائله ويلح في هذا التسجيل، وكأنه يريد أن يحفرها في ذاكرة التاريخ حفرًا حتى لا تنسى على مر الزمان"[9].
أما العزاء، فصبرٌ على كارثة الموت، التي تحل بالأهل أو الأحبة والأصحاب، ونوع من التأمل والتدبر في ظاهرة الموت والفناء، كسُنَّة كونية متعددة الأسباب، تسري وتحل بكل المخلوقات والموجودات، وإن طال عمرها وأمد حياتها.
وتعزيتك الرجل تسليتُك إيَّاه، والعزاء هو السلوُّ وحسن الصبر على المصائب، وخير من المصيبة العوض منها والرضا بقضاء الله والتسليم لأمره تنجُّزًا لما وعد من حسن الثواب، وجعل للصابرين من الصلاة عليهم والرحمة[10]، ويذكر كذلك شوقي ضيف في كتابه "الرثاء": "والعزاء مرتبة عقلية فوق مرتبة التأبين؛ إذ نرى الشاعر ينفذ من حادثة الموت الفردية التي هو بصددها إلى التفكير في حقيقة الحياة والموت، وقد ينتهي به هذا التفكير إلى معانٍ فلسفية عميقة، فإذا بنا نجوب معه في فلسفة الوجود والعدم والخلود، ومرد هذا كله أن الحياة ظل لا يدوم"[11].
بين الرثاء والمدح
وبين غرضي الرثاء والمدح علاقة إنسانية وطيدة وعميقة الجذور والأصول، مع أن ظاهر الأمر يوحي باختلاف شديد وفرق كبير بين الموضوعين، فليس بين الرثاء والمدح فرق، إلا أنه يخلط بالرثاء شيء يدل على أن المقصود به ميت، مثل "كان" أو"عدمنا به كيت وكيت"، وما يشاكل هذا من التعابير والألفاظ ليعلم أنه ميت، وسبيل الرثاء أن يكون ظاهر التفجع، بيِّنَ الحسرة، مخلوطًا بالتلهف والأسف والاستعظام، إن كان الميت ملكًا أو رئيسًا كبيرًا[12]، بهذا يكون الرثاء في الأصل نوعًا من المدح، ويكون بتعظيم الممدوح وذكر مناقبه وصفاته الكريمة ومناقبه الجليلة، لكن من شرطه حتى يسمى رثاء، ويطابق مدلوله، ويتسق مع معناه أن يكون هذا الممدوح ميتًا؛ أي: قد قضى نحبه وغادر الحياة، تاركًا الأشجان والأحزان تستحوذ على ذويه وأقربائه.
وقد كانت حاجة الإنسان العربي منذ انبثاق نموذجه الشعري الأصيل إلى فن الرثاء ملحة وكبيرة؛ وذلك لما عرفه نظام حياته وعلاقاته الاجتماعية منذ الفترة الجاهلية من استشراء للقتل، ومن كثرة للحروب، ومن شيوع للأحقاد والضغائن بين أفراد المجتمع القبلي، إضافة إلى سيادة عادة الثأر والانتقام بين الناس، والتي أحالت الحياة شكلًا من أشكال الموت الدائم والدم المُراق والمنسكب، وحاصرتها داخل دائرة ضيقة من القتل والإعدام والقتل المضاد؛ ونظرًا كذلك للخصوصيات التي يتميز بها فن الرثاء عن غيره من الفنون الشعرية الأخرى؛ حيث كان يمثل موقفًا مهمًّا للاعتبار والاتعاظ، ولحظة ضرورية يعيد معها الإنسان مراجعة ذاته وأعماله وعلاقاته ونظرته للأشياء من حوله، ووقفة باكية حكمية يتذكر من خلالها قوة الموت القاهرة، وينتبه إلى جبروت آلة الزمن الكاسحة التي لا تُرحم ولا تُحابي ولا تنتظر أحدًا، لقد كان الرثاء يشكل حالة نفسية وعقلية تقف معها الذات الإنسانية مطولًا أمام هذا القانون ذي الخاصية الكونية، الذي يحكم الطبيعة والكون، ويُعَدُّ شرطًا أساسيًّا ينظم سيره منذ البداية الأولى حتى النهاية، قانون الحياة والموت.
ولقد كان من عادة القدماء أن يضربوا الأمثال في المراثي بالملوك الأعزة، وبالأمم السالفة، وبالوعول الممتنعة في قلل الجبال، وبالأسود الخادرة في العِياض، وبحُمُر الوحش المتصرمة بين القفار، وبالنسور والعُقبان والحيات؛ وذلك لبأسها وقوتها وطول أعمارها، وهذا في أشعارهم التي ينشئونها كثيرٌ وموجود لا يكاد يخلو منه شعر[13]، فتجدهم يذكرون: إن أعظم الملوك سلطانًا وقوة وبطشًا قد جاء يوم مسهم فيه الموت، وصاروا مجرد ذكرى في سجل التاريخ تتداولها الألسن، وإن أعتى الوحوش والأُسْدِ وغيرها من الحيوانات الضارية المُعمِّرة قد طالها الفناء وقضى عليها الموت.
وليس من عادة الشعراء أن يقدموا قبل الرثاء نسيبًا، كما يصنعون ذلك في المدح والهجاء، وقد قال ابن الكلبي وكان علَّامة كبيرًا: "لا أعرف مرثية في أولها نسيبٌ إلا قصيدة دريد بن الصمة:
أرثَّ جديدُ الحبل من أم معبدٍ ***بعافية قد أخلفت كلَّ موعدِ[14]
لقد كان الشاعر يسلك سبيلًا واضحًا ومنهجًا معروفًا في نظمه، ينطلق بالوقوف على الأطلال وسؤال الديار، وتذكر الأحبة الظاعنين، ثم الانتقال في رحلة إلى الصحراء عبر ناقة عظيمة يشبِّهها بثور أو حمار وحشي، أو غير ذلك، فيحكي بعد هذا واصفًا ما تراه عينه من أشياءَ وحيواناتٍ وموجودات، ثم ينتهي أخيرًا إلى الغرض الرئيسي، الذي من أجله يقصد القصيدة، غير أنه عندما كان يتطرق الشاعر العربي القديم لغرض الرثاء كان في الغالب الأعم يخرج على هذا النهج المعروف المتواطَأ عليه في بناء القصيدة، ويكسره؛ حيث كان يفرض عليه موقف بكاء الأحبة ورثائهم اختصارَ المسافة، وتجاوز النسيب، وذكر الأطلال والنساء وغير ذلك؛ لأن فيه ما لا يليق بمقام الحزن والألم البكاء.
رثاء النفس:
من الظواهر الشعرية الفريدة التي عرفها الشعر العربي في فن شعر الرثاء ما يسمى بـ"رثاء النفس"، وفيه يكون الراثي هو المرثي عينه؛ حيث كان يحصل هذا النوع من الرثاء في العادة عندما كان يشعر الشاعر بدنوِّ أجله ونهاية حياته، واقتراب سهم الموت منه، وقد حصلت هذه الحالة الشعرية مع عدد كبير من الشعراء في الجاهلية؛ نذكر منهم: طرفة بن العبد، وامرؤ القيس، وبشر بن أبي خازم، وغيرهم كثير؛ حيث تضمنت دواوينهم قصائد رثائية يرثون فيها أنفسهم، ويبكونها، ويتحسرون عليها، ويذكر ابن قتيبة في كتابه "الشعر والشعراء" أن أول من سبق إلى رثاء النفس في الجاهلية هو يزيد بن خذاق؛ إذ يورد في الكتاب قائلًا: "قال أبو عمرو بن العلاء: أول شعر قِيل في ذم الدنيا قول يزيد بن خذاق:
هل للفتى من بني الدهر من واقي
أم هل له من حِمام الموت من راقي
قد رجَّلوني وما بالشعر من شَعَثٍ
وألبسوني ثيابًا غير أخلاقِ
ورفعوني وقالوا أيما رجل
وأدرجوني كأني طيُّ مِخراقي
وأرسلوا فتية من خيرهم نسبًا
ليُسندوا في ضريح القبر أطباقي
وقسموا المال وارْفَضَّت عوائدهم
وقال قائلهم: مات ابن خذاقِ
هوِّن عليك ولا تولع بإشفاقٍ
فإنما مالنا للوارث الباقي[15]
ومن روائع القصائد الجاهلية أيضًا التي يرثي فيها الشاعر نفسه رثاء حزينًا يبكي من خلاله ما جرى معه ذاكرًا سبب موته ونهايته - قصيدةُ بشر بن أبي خازم التي مطلعها:
أسائلةٌ عُميرة عن أبيها *** خلال الجيش تعترف الركابا