دلالةٌ مزدوجة للقِبْلَة: حقيقيّة ورمزيّة
د. عبد الرحمن بودرع
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا
وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ
[البقرة: 142-145]
آياتُ تحويل القبلَة والرد على السفهاء من بعض أهل الكتاب وبعض المنافقين العرب عن صرف القِبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام فلَنُوَلِّيَنَّكَ قبلةً ترضاها: فاء العطف للترتيب والتعقيب ولتأكيد الوعد بعد سَبق التوطئة بالكناية التي في قوله: "قد نرى تقلب وجهك"
تمتاز الأمّةُ بقِبلَتِها التي هي عنوانُ اتجاهيتها وهي أقرب الطرُق للتوجُّه إلى ربِّها عند صَلواتها، بعد تحويل القِبلَة،
وللقِبلَة دلالةٌ رمزيّةٌ أخرى بعد الدلالة الحقيقية التعبُّديّة: وجهة الأمّة الإسلاميّة غيرُ وجهة غيرِها، في الأمور كلِّها في الاقتصاد والاجتماع والثقافة والإعلام والتعليم، ولكنّ الذي حصل اليومَ أنّ العربَ تركوا الوجهةَ المُقرَّرَةَ إلى وجهةٍ مُعاديةٍ، لا على سبيل الاستفادَة، بل على سبيل الاستبدال التام، فعانَوا النكبات وذاقوا ويلاتِ الاستعمار، وما زالوا، ولَن يَزالوا ما ظَلّوا...
المصدر