الحاجز الوهمي وإشكالية تعلم اللغة العربية
د. محمود أبو فروة الرجبي
الحاجز النفسي الذي يقف أمام تعلم اللغة العربية كبير، ويزداد قوة، وسمكا مع مرور الوقت، غالبية شبابنا وبناتنا ممكن أن يعدوا من الضعفاء في اللغة العربية، لا يريدون أن يتعلموا، لأنهم أقنعوا أنفسهم أن لغتنا صعبة، وعصية على التعلم، وأنها مثل معادلات الكيمياء، أو الطلاسم، لا سبيل لحلها، أو فك ألغازها.
يجب أن نعي جميعًا أن لغتنا في خطر، وهناك أسباب عديدة لا مجال لذكرها في هذا الـمقال، ومنها هذا الحاجز النفسي، الذي يزداد انتشارًا على ألسنة شباب وبنات، من مختلف الفئات الاجتماعية، والأخطر من هذا أن بعضهم لا يتقن لا العربية، ولا الإنجليزية، وهو تائه لا يعرف أين تقوده الحياة.
تحدثنا في أكثر من مقال عن الإشكاليات التي تواجه العربية، ولا نريد رمي المسؤولية على الجهات كلها، ولكن العبء الأكبر تتحمله وزارة التربية والتعليم، فهي الأساس الذي يبني أطفالنا في هذا المجال، ومع السنوات العديدة، والحصص الكثيرة للغة العربية أثناء فترة الدراسة، في النتيجة يظهر أن هناك ضعفًا ملحوظاً عند عدد لا بأس به من الشباب والبنات، وإذا كان الحاجز النفسي واحدًا من هذه الأسباب، فيمكن أن يقول أحدهم لا دخل لوزارة التربية به، ولكن نحن هنا لا نرمي اتهامات، ولا نلوم أحدًا، ولا يهمنا هذا أصلاً، فنحن نعلم حجم العبء الكبير على الوزارة، وكادرها، وعلى رأسهم الـمعلمون الذين نجلّهم، ونرفع قبعاتنا لهم احترامًا، ولكننا نتحدث عن مشكلة تظهر آثارها أمامنا، ولن ينفعنا فيها أن ندفن رؤوسنا في الرمل، أو أن نتجاهل الأمر، فهذه اللغة هي هويتنا، وهي الإطار الجامع الباقي لنا مع إخوتنا الناطقين بالضاد في وطننا العربي الكبير، وفي العالم كله، فهل نترك الأمر للأيام، لعل حلا يأتي من الـمجهول يعيد للغتنا، قوتها، وبهاءها، ويكسر الحاجز النفسي الذي يضعه البعض أمام تدريسها؟
لا بد من تسهيل تدريس اللغة العربية، والتركيز على رفع مستوى بعض معلمي اللغة العربية، ونقل تجارب ناجحة لمعلمين يجعلون اللغة أسهل، ويستعملون أساليب تدريسية ماتعة، وجاذبة إلى الـمعلمين الآخرين.
شخصيًّا لي أكثر من تجربة بتدريس اللغة العربية، سواء على مستوى الجامعة، أو لغير الناطقين بها، وفي هذه الفترة أشجع طلبتي دائمًا على متابعة بعض قنوات اليوتيوب التي تعلم قواعد اللغة العربية، ومنها موقع مدهش اسمه «بسطناهالك» لمدرس لغة عربية من مصر العزيزة، اسمه الأستاذ محمد صلاح، ولاحظت أن الجميع أشار إلى سهولة القواعد التي يقدمها، بطريقة ماتعة، وهذا يعني أن لدينا محتوى رقميًا يساعد على تدريس العربية، وحجمها يزداد يوميًا عددًا، ومضمونًا.
لا بد من الإشارة هنا أنه عندما تتكامل مثل هذه الفيديوهات مع شرح المدرس في الجامعة أو الـمدرسة سيشعر الطالب بسهولة اللغة أكثر، وهناك أيضًا مواقع عديدة يقدم أساتذتها العربية بطريقة جميلة، وسلسة، وبعيدة عن التعقيد، يمكن الاستفادة منها في الأردن، وليس عيبًا أن يشجع أي مدرس طلبته على متابعة مثل هذه الفيديوهات، لترسخ الـمعلومة في أذهانهم، وتجعلها أسهل للفهم، ونقول لمن يدعي أن الفيديوهات لا تنفع في التعليم أن هذا ليس صحيحًا، فيكفي أن تتابع الفيديو، وتمسك ورقة وقلمًا وتكتب الـملاحظات، والجميل أن غالبية هذه الفيديوهات يتم من خلالها الإجابة على أي سؤال قد يخطر على بالك، وأحيانًا تساعد التعليقات في ذلك.
أعرف أن اللغة العربية ليست قواعد فقط، بل تعتمد على عدة مهارات يجب اكتسابها، لتتكامل فيصل الطالب إلى الهدف الأعلى المنشود من تعلمه اللغة، وهو القدرة على الحديث بها بطلاقة، بعيدًا عن الأخطاء النحوية قدر الإمكان، وأن يصل إلى قدرة على توظيف كلماتها، وجمل وصلها، وكل ما يتعلق بها باحترافية.
الحل الآخر في هذا السياق هو الاستماع إلى ملفات صوتية أو فيديوية يتحدث فيها الـمذيع المقدم بلغة عربية سليمة، وهذا يساعد على ضبط اللغة عند الناس، يمكن في هذا السياق ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، عندما نشجع الطلبة والناس على متابعة فيديوهات أفلام وثائقية، وبشكل يومي – ولو لربع ساعة يوميًا-، ونختار فيديوهات تستعمل لغة سليمة، وبذلك يستفيد المشاهد أو المستمع من الـمعلومات الـمفيدة الـمبثوثة في الأفلام الوثائقية – من المعروف أن غالبية هذه الأفلام تقدم محتوى دسما ووجبات ثقافية فريدة-، وتكرار الاستماع إلى لغة سليمة يؤدي على الـمدى البعيد إلى ضبط اللغة فطريًا، بحيث أن الشخص يستطيع وقتها الحديث بلغة سليمة حتى دون معرفة القواعد.
هذه بعض الأفكار التي يمكن من خلالها كسر حاجز وهمي كاذب اسمه «اللغة العربية» صعبة، والقاعدة في التعليم تقول إنه لا شيء صعب، فكل مهارة، أو معلومة يمكن أن تصل للطلبة، لكن هناك طالب لا يحاول أن يدرس، أو لا يعرف ذلك، أو لا يريد أن يبذل أي جهد، وفي الـمقابل قد يكون هناك معلم لا يستعمل أساليب حديثة جميلة في عمله.
لغتنا تستحق الأفضل.
المصدر