نقلة نوعية في موسيقى الشعر العربي.. ولكن!
د.عُمَر خَلّوف
لاخلاف بيننا في جوهر مفهوم الموسيقى في الشعر.
وما في منشوري السابق تأكيد لهذا المفهوم.
وما خطر بِبالي قَطُّ أن يُفهَم منه أنني أرفضُ الشكلَ الجديد في إيقاع الشعر العربي. بل على العكس من ذلك؛ أردتُ أن أؤكد أن شعر التفعيلة بالتزامه (الدور) الموسيقي للشعر العربي هو رافد نوعيّ جديد لذلك الشعر.
وكما أسلفت: فلنا في قبول الذائقة العربية للتجديد الواسع في إيقاع (الموشحات الأندلسية) خير دليل على أن (شعر التفعيلة) هو النقلةُ النوعية الثانية لإيقاع الشعر العربي.
إلاّ أن ثورةَ الموشحات العظيمة، أفادت من جميع أوزان الشعر العربي، بكلّ بحورها وأوزانها التامة والمجزوءة، ولم تقتصر على جزء ضئيل منها.. بل حاول الوشاحون إضافةَ أوزان جديدة لم يكتب عليها الشعر العربي الأصيل، فأغنوا بذلك موسيقى الشعر العربي أي غِنى.
أما شعر التفعيلة؛ -بعد هَدْمِهِ نظامَ البيت والقافية- فاقتصر في (ثورته المحدودة) على استخدام بعض الأوزان الساذجة، بل ربما أصبح جُلّ ما يُكتَب على شعر التفعيلة اليوم يقتصر على وزن الرجز فالمتدارَك (الذي على: فاعلن فاعلن..)، وهو كما نعلم من مهملات البحور الخليلية.
وقد أغرى مظهر السهولة هذا (ذبابَ الشعراء) للتطفل على مائدة الشعر المبتذلة، مما أدى إلى ابتعاد أكثر هذا الشعر عن ذائقة الجمهور.
***
إضاءة حول موشحة ابن زهر الأندلسي: (ما لِلْمُولّهْ) ..
إن نظامَها الشكليّ لا يختلف عن سواها من الموشحات الأندلسية، حيث تتألف من (أقفالٍ وأبيات) مركّبةِ الأجزاء، بنظامٍ موسيقي وقافوي لم تَرْقَ إليه قصيدةٌ من قصائد التفعيلة. ومع أنها لم تَسِرْ على النهج الخليلي، إلاّ أننا نستطيع ردّ مقاطعِها إلى ذلك النهج، فوزن (أقفالها وأبياتها) يسير على الشكل التالي:
مستفعلاتن ... مستفعلن فاعلانْ ... فاعلن فعْلانْ
...
ما لِلْمُولّهْ ...... من سُكْرهِ لا يفيقْ ... يا لَهُ سكرانْ
من غير خمرِ...ما للكئيب المشوقْ...يندب الأوطانْ
...
هل تُستعادْ ... أيامُنا بالخليجْ ...... وليالينا؟
أو يُستفادْ ... من النسيم الأريجْ ... مسكُ دارينا
وادٍ يكادْ ... حسْنُ المكان البهيجْ ... أن يُحَيِّينا!
...
نَهرٌ أظلَّهْ ..... دَوحٌ عليه أنيقْ ... مورِقٌ فَينانْ
والماءُ يجري...وعائمٌ وغريقْ ... من جَنَى الريحانْ
***
ولنا أن نتأمّل ونستمتع بما اكتنزتْ به الموشحة من رائق التقفية وهندستها.
هذا والله تعالى أعلم
المصدر