صِحَافِيٌّ أم صَُحفي؟
د. مصطفى الجوزو
في مصر، وفي عدد من البلاد العربية يقولون صَحفيّ (بفتح الصاد) لمن يكتب في جريدة أو مجلة أو يراسلها أو يصور فيها أو يرسم أو يعمل خطاطاً، وربما قالوا صُحفي (بضم الصاد)؛ ويقولون في لبنان، وربما في بلاد عربية أخرى صِحافي. وصار كلا المصطلحين يدل على كل إعلامي، سواء في ذلك من يعمل في صحيفة ورقية أو في وسيلة إعلامية مسموعة أو مرئية أو حتى شبكية. وكلاهما صحيح لغوياً، لكن أيهما أفضل؟
أنا أميل إلى مصطلح صحافي، ليس لأنني لبناني، فقد شاعت في لبنان بدع لغوية لا أقرها أبداً كأطلاق ألقاب الذكور على الإناث في المناصب والأعمال، وهي بدعة ما لبثت أن انتشرت في كثير من البلاد العربية، لكن تفضيلي نابع من القياس اللغوي.
فأما صَحفي، فهو نسبة صحيحة إلى صَحيفة، وقد اصطُلح على تسمية الجريدة والمجلة بالصحيفة. لكن الأمر يلتبس مع مفهوم آخر لصَحفي وهو المصحِّف، أي الذي يروي النص بصورة مغلوطة ويتجنب العلماءُ الأخذ منه.
وأما صُحفي، فنسبة إلى صُحف، جمع صحيفة، والنسبة إلى الجمع نسبة اضطرارية، ولعلها غير مقبولة إذا وجدت النسبة إلى المفرد ولم يؤد الخلاف في النسبة خلافاً في المفهوم.
أما صِحافي، فنسبة إلى الصِحافة، والصحافة مصطلح محدث متفق عليه في جميع البلاد العربية، في ما أعلم، ويدل على المهنة الإعلامية المعروفة. واشتقاقه صحيح، لأن وزن فِعالة يدل على المهنة، والنسبة إليه صحافي، أي من يعمل في تلك المهنة. وهو لا يلتبس بأي لفظ آخر، ولا يفضُل عليه اشتقاق آخر. وباختصار، هو نسبة صحيحة إلى اشتقاق صحيح، ولذلك يفضُل النسبتين الأخريين.
قد يقال: ولكن النسبة إلى المهنة تكون إما على وزن فَعّال، مثل نجّار، وقفّال، ولبّان، أو وزن فاعل، مثل تامر ولابن وحائك وكاتب، أو تكون نسبة إلى الشيء الذي يمارسه صاحب المهنة أو الذي يكون مادة عمله، مثل عُلبيّ وكُتبي وبارودي وحلواني؛ وعلى ذلك ينبغي أن يكون العامل في الصحافة صحّافاً، أو صاحِفاً، أو صَحفياً أو صُحفياً أو صحائفياً. والحقيقة أن الصَحّاف تلتبس بمعنى صانع الصِحاف؛ أي القِصاع؛ وأما صاحِف فلم يستعملها العرب، وهي نسبة سماعية لا قياسية؛ وأما صَحفي وصُحفي فقد تناولناهما؛ وأما صحائفي فحكمها حكم صُحفي. فالاعتراض لا يثبت، ولاسيما أن صحافي نسبةٌ إلى الشيء الذي يمارسه صاحب المهنة الإعلامية.
أيًّا يكن محل التفضيل، فإن المفهوم الواحد في العربية قد يعبر عنه بعدة مصطلحات، والاختلاف الاشتقاقي في جذر واحد أمر هين بإزاء الاختلاف في الجذور لا في الاشتقاق، وذلك مثل مصطلحي الميناء والمرفأ، لمكان رسو السفن، ومصطلحي المطار والميناء الجوي لمكان إقلاع الطائرات وهبوطها. وتلك ظاهرة لغوية صحية وعالمية، وتدل على رؤية الشيء الواحد من زوايا متعددة، أو تدل على تعدد المصادر. ففي الألمانية، مثلاً، مصطلحان للتعبير عن معنى المطار أحدهما ألماني صرف ومعناه ميناء الطيران، والآخر إنكليزي ومعناه الميناء الجوي.
المصدر