من جماليات التحليل النحوي للقرآن ...
د. أحمد درويش
يقول ربنا ذاكرا حوار سيدنا موسى فرعون: ﴿قالَ أَلَم نُرَبِّكَ فينا وَليدًا وَلَبِثتَ فينا مِن عُمُرِكَ سِنينَ﴾
تأمل قيمة النحو عندما يسبر أغوار النص القرآني ، ويفتق معانيه ويشعرك أنك حاضر أطراف الحوار ...
كل كلمة ، بل كل حرف يؤدي دوره في التعبير عن خلجات النفس ، وما يعتلج داخلها من أفكار وتوجهات وهواجس ... نظم القرآن هو السقف الإبداعي الذي نحاول رومه وفهمه ؛ كي ندرك قيمة الحوار ونفقه ما يدور في القلب والعقل ؛ فالكلام مغرفة القلب ...
آية حملت في أعطافها معاني مكثفة تكثيفا شديدا على الرغم من قلة عدد كلماتها ... لنتأمل الجمال ...
* ( ألم ) ففرعون بدءا يريد حمل موسى على اﻻعتراف والإقرار بالأسلوب التقريري( ألم ) ؛ ليقول موسى الكليم : ( بلى ، ربيتني ) ، ليضع موسى في مكان ضيق ، بحيث لا يستطيع حراكا ، ولا يحسن ردا أو دفاعا ؛ لأن لفرعون أيادي سابغاتٍ عليه مذ كان صغيرا ...
* ثم يتأتى الفعل المجزوم (نُربِّك ) وهو اختيار ... لا ريب ... دقيق كعادة أفعال القرآن المصطفاة ؛ ذلك أن التربية تحتاج عناء وجهدا كبيرين حتى يصلح الولدُ المُربّى ؛ وهو في هذا يمتن عليه ويستثيره ويعاتبه ويعارضه ويدافع عن أخلاقه... أي فرعون ، ويدفع الأذى الآتي من موسى ... كل هاتيكم المعاني داخلة في أعطاف هذا الفعل ، فبفعل واحد أحدث كل هذي الخطرات في نفس من حوله ...إن كانت لهم نفوس ...
ولعلنا لا نغفل قيمة ( نربك ) لا ( أُربِّك ) ، فالفعل هنا يحتمل أمرين :
الأمر الأول : تعظيم النفس بجمعها لا إفرادها ، وهو في موقف يتمسك بتلابيب الأنفة والعزة ؛ لأنه في الأخير الملك ... وكلام الملك ملك الكلام ... كما يقال ...
الأمر الثاني : أننا جميعا قمنا على تربيتك ، فليس أنا وحدي من ربيتك بل زوجتي أيضا شاركتني التربية ؛ فهي من نصحت بعدم قتلك ؛ حتى نتخذك ولدا ، أفبعد هذا تعلن عصيانك ورفضك الانصياع تحت لوائي ... ؟!
* وتتواصل إبداعات النظم ؛ عندما يبهرنا توظيفُ الجار والمجرور ...(فينا ) بعد ( ألم نربك ) ؛ ليقرر أنا اعتنينا بك قمة اﻻعتناء وذروة سنامه ... فقد أحطناك بالعناية والرعاية والتربية ، وربما هذا هو السر في أنه لم يقل (عندنا ) ... ؛ فالعندية قد ﻻ تعني اﻻهتمام الشديد مثلما تؤديه (في) ...الدالة على الظرفية وشدة الإحاطة ...
* وما يزال النص القرآني يؤتي أكله كل حين ... إن فرعون هنا يذكر حقيقة ، وما هو بكاذب فيها ... لقد ربيناك (وليدا) بالنصب على الحالية ... وهذا أشد وأنكى ... فساعتها كنت ضعيفا ﻻ مأوى وﻻ ملجأ ، لكنا كنا لك المأوى والملجأ الذي ضم وربّى ، وهذا لفظ يثير من خلاله عاطفته حتى يتراجع عن دعوته التي ستخرب ملكه وتزيله ...
إن المتأمل كلمة(وليدا ) يلحظ أنها لم تأت في النظم القرآني كله إﻻ في هذا الموقف ... فهي كلمة فريدة ؛ لأن الموقف الموسوي فريد غريب من وجهة نظر فرعون ... إذ كيف يتطاول هذا الذي ﻻ يكاد يُبين ويخالفنا في معتقداتنا ؛ لذا فإن فرادة الكلمة تحكي فرادة الموقف وغرابته ...
* ثم إنه ﻻ يذكر تربية فقط وإنما يذكر لبثا وتمهلا ...وهو أيضا قمة في الذكاء الحواري باستخدام (فينا ) ...فلم نتركك لخدم أو عبيد وإنما ربيناك على أعيننا ، وإن اشترك الخدم في التربية فليس يصلح كل خادم لك ، وإنما اخترنا لك أشخاصا صالحين لتربيتك ؛ فهو هنا يخاطب العاطفة والقلب لمحاولة إثناء موسى عن موقفه
* ثم يأتي الجار والمجرور (من عمرك ) بعد الجار والمجرور ( فينا ) ... فأنت صنيعتنا ، والحرف ( من ) هنا لابتداء الغاية الزمانية ، فأول عمرك كنت معنا ، وهذي هي الفترة التي لا تملك فيها حراكا أو مقاومة ، فقد كنت لك نعم المربي ، وهذا المكث منك لم يكن سنة أو سنتين وإنما قضيت سنين عددا ؛ فطالت صحبتك لنا ، أفبعد كل هذا تأتي محاولا هدم ملكي التليد الذي بنيته وأسسته ؟! ... لا ، لا يكون هذا أبدا ...
كلام القرآن يملأ العين حسنا ، والنفس بهجة ... ويعلمنا كيف نتكلم ونتحاور ونضع الحجج والبراهين من أجل إقناع الناس بمواقفنا ...
هو ... والله ... يعلو ولا يعلى عليه ... والحمد لله أولا وأخيرا