الفتوى (1232) :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حيا الله السائلة الكريمة، وأحسن إليها.
اعلمي -بارك الله فيكِ- أن العلاقة بين العلوم الإنسانية علاقة جدلية فيها من المساس والتداخل والتأثير والتأثر ما تبين ملامحه في كل علم منها.
فعلم الفلسفة والمنطق -مثلًا- متصلان وبينهما علاقة تأثير وتأثر؛ فقد عَدَّ بعض الفلاسفة المنطق جزءًا من القسم النظري، ومنهم من اعتبره المدخل إلى علم الفلسفة، وثمة من اعتبره علمًا مستقلًّا عن علم الفلسفة، وحدُّه على نحو ما ذكر ابن خلدون: "قوانين يُعرَف به الصحيح من الفاسد في الحدود المعرِّفة للماهيات"، وإن الأسس التي يقوم عليها المنطق والفلسفة هي دعائم رَكَن إليها النحاة في مرحلة النضج الفكري، وهذه الأسس هي: البرهان العقلي، والترابط العِلِّيّ، والتحليل المنطقي. ولأن جُلَّ العلماء القدامى كانوا موسوعيين -إن صح التعبير- ومتعددي المشارب العلمية؛ فإنك ترى أثر هذا التوسع في مصنفاتهم. بيد أنه تجدر الإشارة إلى أن أثر المنطق والفلسفة في مصنفات النحاة الأُوَل وشروحهم لم يكن في عصر النشأة، ولا عصر التطور، وإنما بدا أثرهما واضحًا في مرحلة النضج والازدهار التي تبدأ في أوائل القرن الرابع الهجري، فضلًا عن أن هذا الأثر كان مقصورًا على مجالات محدودة، منها:
١- تناول القضايا: فقد تأثر النحاة بالمناطقة في التناول الاستدلالي للقضايا؛ إذ اقتدوا بهم في الانتقال من العام إلى ما هو أقل منه عمومًا، ومن الأجناس إلى الأنواع، ومن المقدمات والكليات إلى النتائج والجزئيات؛ ولاسيما في القياس الأرسطي.
٢- التبويب الشكلي: إذ إنك تجد الأبواب مرتبة ترتيبًا منطقيًّا يستند إلى التسلسل العقلي؛ ولعل ذلك يبدو جليًّا في تقسيم "أصول" ابن السراج إلى أبواب مبدوءة بتعريف عام، ثم تدرج نحو جزئيات ومسائل كل باب. إلا أن النحاة تخطوا الجانب الشكلي إلى الجانب التأصيلي؛ فميزوا بين قسم بعلامات، وفرقوا بين دلالة كل قسم، وأثره في معموله.
٣- التعليلات: تأثر النحاة بتقسيم المناطقة عللهم إلى علة غائية، وعلة صورية، وعلة فاعلة، وعلة مادية، فقسَّموا -النحاة- عللهم إلى أقسام مختلفة في ضوء العلل المنطقية الأرسطية، من ذلك: علل تتصل بالشكل، وأخرى تتصل بالمضمون، أو علل بسيطة وأخرى مركبة، أو علل تعليمية، وعلل قياسية، وعلل جدلية نظرية. هذا والله أعلم!
اللجنة المعنية بالفتوى:
المجيب:
د. وليد محمد عبد الباقي
أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية
والدراسات الاجتماعية بجامعة القصيم
راجعه:
أ.د. محروس بُريّك
أستاذ النحو والصرف والعروض المشارك بكليتي
دار العلوم جامعة القاهرة، والآداب جامعة قطر
رئيس اللجنة:
أ.د. عبد العزيز بن علي الحربي
(رئيس المجمع)