المستويات النحوية
من كتاب المدخل إلى علم اللغة للدكتور رمضان عبد التواب
يجرى ترتيب المركبات القالبية، على هيئة طائفة من المستويات المحددة المعالم. وأكثر هذه المستويات شيوعًا في الدراسات اللغوية المعاصرة، هي: مستويات "الكلمة" Word و"العبارة" Phrase و"التركيب" Clause و"الجملة" Sentence فضلا عن مستوى "المورفيم" Morpheme.
فمستوى "الكلمة" هو ذلك المستوى من النحو، الذي نحلل عنده الكلمة إلى مورفيماتها المكونة لها.
ومستوى "العبارة" هو ذلك المستوى من النحو، الذي نحلل عنده مجموعات الكلمات، ذات الأبنية المعينة -باستثناء التراكيب- إلى كلمات.
ومستوى "التركيب" هو ذلك المستوى من النحو، الذي نحلل عنده التراكيب، إلى ما فيها من مسند ومسند إليه ومكملات.
ومستوى "الجملة" هو ذلك المستوى من النحو، الذي نحلل عنده جمل اللغة الصغرى والكبرى، إلى تراكيب مستقلة وغير مستقلة.
أما المنهج التاريخي، فيدرس اللغة دراسة طولية، بمعنى أنه يتتبع الظاهرة اللغوية في عصور مختلفة، وأماكن متعددة ليرى ما أصابها من التطور، محاولا الوقوف على سر هذا التطور، وقوانينه المختلفة.
ويمكننا لذلك، القول بأن عرض نحو أية لغة، يكتفى إن أراد الاقتصار على هذه اللغة بوصفها. غير أن تعليل الظواهر التي توجد في هذه اللغة، يظل أمر بالغ الصعوبة، إذا لم يعرف لهذه اللغة فترات تاريخية متباعدة، يمكن المقارنة بينها، ومعرفة صور التطور الناتجة عبر الأجيال الكثيرة. وعندئذ يمكن الكشف عن السر الذي يكمن وراء إحدى صور هذا التطور.
ولنأخذ مثلا على هذا: اللغة العربية العامية، التي نتحدث بها اليوم في البلاد العربية، فإن وصف هذه اللغة من نواحيها المختلفة، أمر سهل ميسور؛ إذ يقال مثلا: إن الاستفهام يعبر عنه بنبر أحد أجزاء الجملة، وإن النفي يكون بالأداء: "مُِش" مثلا، وإن ترتيب الجملة فيها: فاعل+ فعل+ مفعول ... إلخ. ولكن معرفة سر وصول هذه النواحي المختلفة، من صوتية، وصرفية، وتركيبية، ودلالية، وغيرها، إلى ما وصلت إليه، كان من الممكن أن يظل لغزا، لولا معرفتنا بالعربية الفصحى. وكان من الممكن أن يزداد وضوح التطور وأسراره في هذه اللغة العامية، لو أننا توصلنا إلى معرفة حلقات التطور المختلفة، منذ الجاهلية حتى الآن.
فالمنهج التاريخي في الدرس اللغوي، عبارة عن تتبع أية ظاهرة لغوية في لغة ما، حتى أقدم عصورها، التي نملك منها وثائق ونصوصا لغوية، أي أنه عبارة عن بحث التطور اللغوي في لغة ما عبر القرون، فدراسة أصوات العربية الفصحى دراسة تاريخية، تبدأ من وصف القدماء لها من أمثال الخليل بن أحمد، وسيبويه، وتتبع تاريخها منذ ذلك الزمان، حتى العصر الحاضر، دراسة تدخل ضمن نطاق المنهج التاريخي. ومثل ذلك يقال عن تتبع الأبنية الصرفية، ودلالة المفردات، ونظام الجملة.
وإذا كان علم اللغة الوصفي، يمكن أن يوصف بأنه علم ساكن static إذ فيه توصف اللغة بوجه عام، على الصورة التي توجد عليها، في نقطة زمنية معينة، فإن علم اللغة التاريخي "يتميز بفاعلية مستمرة dynamic، فهو يدرس اللغة من خلال تغيراتها المختلفة. وتغير اللغة عبر الزمان والمكان خاصة فطرية في داخل اللغة، وفي كل اللغات، كما أن التغير يحدث في كل الاتجاهات: النماذج الصوتية، والتراكيب الصرفية والنحوية، والمفردات. ولكن ليس على مستوى واحد، ولا طبقا لنظام معين ثابت. هذه التغيرات اللغوية تعتمد على مجموعة من العوامل التاريخية. وبينما يمكن دراسة هذه التغيرات دراسة وصفية، هي محض تعريف بأشكال التغيرات الحادثة، فإنه لا يمكن عزلها عن الأحداث التاريخية التي تصاحب وجودها. وإذا كانت الوظيفة الأولى لعلم اللغة الوصفي، هي أن يصف، ولعلم اللغة التاريخي هي أن يعرض التغيرات اللغوية، فمن الصعب كثيرا الفصل بين النوعين في مجال التطبيق العملي؛ وذلك لأن كل المصطلحات التي استعملت تحت العنوان الوصفي قابلة من الناحية العملية للاستعمال مع الفرع التاريخي".
"وعلى الرغم من أسبقية علم اللغة التاريخي، في ميدان البحث اللغوي، ومن التقدم المطرد، الذي أمكن تحقيقه خلال القرنين الماضيين، فما زالت هناك جهود ضخمة يمكن بذلها، حتى بالنسبة لتلك اللغات التي لاقت اهتماما كبيرا، فإن هناك اكتشافات ضخمة لكتابات مسجلة، ما تزال يتوصل إليها. ويجب كلما اكتشف شيء من ذلك، أن يعاد النظر في النتائج المقارنة السابقة التي كان بعضها فرضيا، ويدخل عليها من التعديلات ما هو ضروري، بعد الاستفادة من تلك الشواهد الجديدة ... وهنا نجد المنهجين: التاريخي والوصفي، يدخلان في شكل انسجامي تعاوني مثمر".
"وليس المنهج المقارن إلا امتدادا للمنهج التاريخي، في أعماق الماضي السحيق، وينحصر في نقل منهج التفكير، الذي يطلق على العهود التاريخية، إلى عهود لا نملك منها أية وثيقة".
ومع أن المنهج المقارن، يولي وجهه شطر الماضي السحيق، فإنه في الواقع لا يؤتي ثمرته، إلا في اتجاه عكسي؛ لأنه يوضح تفاصيل اللغات الثابتة بالوثائق. وأظهر نتيجة لنحو اللغات الهندوأوربية المقارن، تنحصر في تحديد صلات القرابة بين هذه اللغات، فكل اللغات الفارسية، واللغات السلافية، والجرمانية، والرومانية، والكلتية، إذا اعتبرت من الوجهة الزمنية، تبدو للعالم اللغوي، نتيجة لسلسلة متتابعة من التباين لحالة لغوية واحدة، سابقة عليها جميعا، وتسمى باللغة "الهندية الأوربية".
"ويتضمن المنهج المقارن أساسًا، وضع الصيغ المبكرة المؤكدة، المأخوذة من لغات يظن وجود صلة بينها جنبا إلى جنب، ليمكن إصدار حكم فيها بعد الفحص والمقارنة، بخصوص درجة الصلة بين عدة لغات، والشكل الذي يبدو أقرب صلة إلى اللغة الأم.
"ولعل الباحث يكون آمنا، حين يقرر انتماء لغات متعددة إلى أصل مشترك، إذا وجد بينها تماثلا كافيا في تركيباتها النحوية، ومفرداتها الأساسية، وإذا لاحظ ازدياد قربها بعضها من بعض، كلما اتجهنا إلى الوراء".
"ويقدم لنا النحو المقارن نظاما، تصنف فيه اللغات في أسرات تبعا لخصائصها، فبمقارنة الأصوات، والصيغ، تتجلى ضروب التجديد الخاصة بكل لغة، في مقابلة البقايا الباقية من حالة قديمة، وقد نجح اللغويون في أن يحددوا ما قبل تاريخ اللغات الهندوأوربية، ولكنهم لم يصلوا إلى معرفة من كانوا يتكلمونها، ولم يستطيعوا أن يحددوا أسلاف الإغريق أو الجرمان، أو اللاتين، أو الكلتيين، وإنما يعرفون فقط التغييرات التي مرت بها الجرمانية والإغريقية واللاتينية والكلتية، حتى وصلت إلى الحالة، التي تكشف عنها النصوص. أما الأسماء التي أطلقوها على اللغات، التي أعادوا بناءها فتحكمية، قد اتفقوا عليها مجرد اتفاق، فكلمة: الهندية الأوربية، إذا أخرجت من الاستعمال اللغوي، لم يبق لها أي معنى".
ومنذ نشأة طريقة المقارنة بين اللغات -وهي أصلا طريقة تاريخية- وهي تحظى بمكانة مرموقة في علم اللغويات، كما صارت البحوث اللغوية التاريخية، وقفا على كبار العلماء والباحثين، على حين استمرت الطريقة الوصفية كما كانت من قبل، طريقة عملية ذات نفع عاجل، تعالج تعلم الناس اللغات الأجنبية، وتعرفهم بالطريقة الصحيحة لاستخدام لغاتهم.
هذا هو المنهج المقارن، وتلك هي حدوده، وقد تأثر به دارسو اللغات السامية، وقطعوا فيه شوطا ليس بالقصير.
وإن من يلج ميدان الدراسة السامية المقارنة، يدرك على الفور مدى الصعوبة، التي تقابل الباحث، عندما يريد الرجوع بظاهرة ما في هذه اللغات إلى أصلها، ذلك لأن هذه اللغات السامية ليست حلقات متصلة في سلسلة لغوية واحدة، يمكن اعتبار إحداها أقدم اللغات، والثانية أحدث منها ... وهكذا، بل هي على العكس من ذلك، تعد خلفا للغة واحدة، هي ما اصطلح العلماء على تسميته "بالسامية الأم"، وهذه اللغة لا وجود لها الآن في صورة وثائق أو نقوش مكتوبة.
ولذلك، فمن الممكن دراسة كل لغة من اللغات السامية على حدة، دراسة وصفية وتاريخية منتجة إلى أقصى حد، غير أن استنباط الأصول الأولى، للظواهر اللغوية المختلفة في هذه اللغات، أمر بالغ الصعوبة. وقد حاول العلماء استخدام الطرق العلمية، التي كشف عنها المنهج المقارن، وعلم اللغة الحديث، في الوصول إلى هذه الأصول الأولى، "لكن لا يجوز للمرء، أن يطلب الكثير في هذه الناحية، فإن سير تطور اللغات غامض في تفاصيله بالنسبة لنا غالبا، وذلك في المرحلة السابقة للمرحلة، التي وصلت إلينا منها وثائق لغوية".
لقد أدى اكتشاف اللغة السنسكريتية، في القرن الثامن عشر، إلى نشوء علم اللغة المقارن كما ذكرنا، وطمع علماء الساميات في تطبيق المنهج المقارن للغات الهندوأوربية، على مجموعة اللغات السامية، وحاولوا بالمقارنة الاهتداء إلى الأصول الأولى، وأطلقوا عليها اسم "اللغة السامية الأم". غير أنهم كانوا يدركون تماما، أن هذه اللغة الأم، لا تخرج عن كونها افتراضا قابلا للتعديل في أي وقت، طبقا لما تؤدي إليه بحوث المستقبل.
ولقد كان "نولدكه" Noldeke على حق، عندما قال: "وإننا نريد أن نوجه سؤالا لمن يظن أن إعادة البناء الكامل للغة السامية الأولى، ولو بالتقريب، أمر ممكن. والسؤال هو: هل يستطيع أحسن العارفين باللهجات الرومانية كلها "الإيطالية والفرنسية والإسبانية" أن يعيد بناء الأصل القديم لهذه اللهجات، وهو اللغة اللاتينية، لو فرض أنها غير معروفة الآن؟ ".
ومع كل هذه الصعوبات، أثمرت الدراسات السامية المقارنة في القرن الماضي، والقرن الحالي، ثمرات عظيمة، وأصبحنا نقف في كثير من المسائل فيها، على أرض ليست هشة. والفضل في كل هذا للمستشرقين من علماء الغرب.
ولم تكن اللغات السامية مجهولة تماما، بالنسبة للعرب، فقد فطن الخليل بن أحمد "المتوفى سنة 175هـ" إلى العلاقة بين الكنعانية والعربية، فقال: "وكنعان بن سام بن نوح، ينسب إليه الكنعانيون، وكانوا يتكلمون بلغة تضارع العربية"
لقد أدى اكتشاف اللغة السنسكريتية، في القرن الثامن عشر، إلى نشوء علم اللغة المقارن كما ذكرنا، وطمع علماء الساميات في تطبيق المنهج المقارن للغات الهندوأوربية، على مجموعة اللغات السامية، وحاولوا بالمقارنة الاهتداء إلى الأصول الأولى، وأطلقوا عليها اسم "اللغة السامية الأم". غير أنهم كانوا يدركون تمامًا، أن هذه اللغة الأم، لا تخرج عن كونها افتراضًا قابلا للتعديل في أي وقت، طبقا لما تؤدي إليه بحوث المستقبل.
ولقد كان "نولدكه" Noldeke على حق، عندما قال: "وإننا نريد أن نوجه سؤالا لمن يظن أن إعادة البناء الكامل للغة السامية الأولى، ولو بالتقريب، أمر ممكن. والسؤال هو: هل يستطيع أحسن العارفين باللهجات الرومانية كلها "الإيطالية والفرنسية والإسبانية" أن يعيد بناء الأصل القديم لهذه اللهجات، وهو اللغة اللاتينية، لو فرض أنها غير معروفة الآن؟ ".
ومع كل هذه الصعوبات، أثمرت الدراسات السامية المقارنة في القرن الماضي، والقرن الحالي، ثمرات عظيمة، وأصبحنا نقف في كثير من المسائل فيها، على أرض ليست هشة. والفضل في كل هذا للمستشرقين من علماء الغرب.
ولم تكن اللغات السامية مجهولة تماما، بالنسبة للعرب، فقد فطن الخليل بن أحمد "المتوفى سنة 175هـ" إلى العلاقة بين الكنعانية والعربية، فقال: "وكنعان بن سام بن نوح، ينسب إليه الكنعانيون، وكانوا يتكلمون بلغة تضارع العربية"
كما عرف أبو عبيد القاسم بن سلام "المتوفى سنة 224هـ" اللغة السريانية، وأداة التعريف فيها وهي الفتحة الطويلة في أواخر كلماتها.
وكذلك أدرك ابن حزم الأندلسي "المتوفى سنة 456هـ" علاقة القربى بين العربية والعبرية والسريانية، فقال: "من تدبر العربية والعبرانية والسريانية، أيقن أن اختلافها، إنما هو من تبديل ألفاظ الناس على طول الأزمان، واختلاف البلدان، ومجاورة الأمم وأنها لغة واحدة في الأصل".
ويقول الإمام السهيلي "المتوفى سنة 581هـ": "وكثيرا ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي، أو يقاربه في اللفظ".
كما عرف أبو حيان الأندلسي "المتوفى سنة 754هـ" اللغة الحبشية، وأدرك العلاقة بينها وبين العربية، وألف فيها تأليفا مستقلا، فقال: "وقد تكلمت على كيفية نسبة الحبش، في كتابنا المترجم عن هذه اللغة، المسمى: بجلاء الغبش عن لسان الحبش. وكثيرا ما تتوافق اللغتان: لغة العرب ولغة الحبش، في ألفاظ، وفي قواعد من التركيب نحوية، كحروف المضارعة، وتاء التأنيث، وهمزة التعدية".