إيراد القضايا الصرفية في لسان العرب لابن منظور
د. لخضر العسال
جامعة مستغانم
يشهد العلم بمختلف حقوله المعرفية باللغة العربية على فضل المعاجم في حفظ أصول هذه اللغة منذ البدء بجمعها خلال القرن الثاني الهجري انطلاقا من الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170 هـ أو 175 هـ). وقد تنوعت أشكالها، واختلفت أحجامها، وتفرعت اختصاصاتها، وازدادت أهميتها مع مرور الزمان. واختلطت الأجناس، وتطورت الحياة، وتسارع اكتشاف العلوم، وتغيرت الخبرات، وتجددت المناهج، وتبودلت التجارب وهكذا. فكان لابن منظور نظر في اعتماد بعض المعاجم العربية مادة خامة يؤلف بها مدونة كبرى في عصر وصف بالانحطاط، وكأني به شعر ببدء ضياع العربية، فبادر مسرعا إلى التجميع والتكديس من دون أي منهج معين، إلا ترتيب المواد الأصول تقليدا للجوهري في معجمه. ومن ثم فإن الحديث عن القضايا العلمية المختلفة المحتواة فيه جدير بالأهمية والعناية، والقيام بالدراسة الخاصة المحددة فيما جد من علوم وتخصصها في حقل معرفي ما، فهو معجم موسوعي يشمل الكثير من المعلومات التي تحتاج إلى جهد منفرد. وما جاء فيه من قضايا نحوية وصرفية لم يكن إلا للتعليل أو التدليل لقضية لغوية ما. فبدا لي في هذا الجانب تتبع منهجية ابن منظور في لسانه صالحا للعرض المفيد بالتعريف به تسهيلا للمتعامل معه في حقل اللغة العربية، وخاصة علم الصرف، وكان ذلك بالمرور عليه حرفيا لجمع المادة المقصودة بعملية تحصر ما أمكن من القضايا الصرفية والتعرض للمنهجية المتبعة فيه، وإن كانت في حاجة إلى دراسة خاصة تبرز مجهود ابن منظور في جمع مادته اللغوية. وقد ارتأيت أن يعالج هذا المقال في هذا المقام العناصر الآتية:
1- تعريف المؤلف بإيجاز، 2- تعريف المعجم، 3- كيفية إيراد القضايا الصرفية.
أولا: التعريف بالمؤلف:
هو جمال الدين محمد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري الإفريقي المصري(1)، ينسب إلى رويفع بن ثابت الأنصاري وقد ذكر هذا في لسانه(2). ولد عام 630 للهجرة بمصر وقيل بطرابلس الغرب حيث تولى الخدمة في ديوان الإنشاء والقضاء. وكان يحب اختصار الكتب المطولة التي اعتنى بها كل العناية. وأبرز ما قام به هو جمع خمسة معاجم في مدونة واحدة التي أطلق عليها لسان العرب. وتوفي سنة 711 للهجرة بعد أن عمر، وعمي في آخر حياته تاركا وراءه جملة من المؤلفات والمختصرات منها: مختار الأغاني، ومختصر مفردات ابن البيطار ولطائف الذخيرة، ومختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، ومختصر كتاب الحيوان للجاحظ، ومختصر تاريخ بغداد، وأخبار أبي نواس، ولسان العرب.
ثانيا: التعريف بالمعجم:
للمعاجم فضل لا يقدر بثمن في الحفاظ على اللغة العربية منذ أن بدأت حركة التدوين، وعرفت هذه الحركة تطورا ملحوظا من حيث الحجم والمحتوى عبر الزمن واختلاف الأحوال وتطور الظروف وتنوع الاختصاصات وتكاثر المعارف، وذلك بدْءا بكتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي ومرورا بكتاب جمهرة اللغة لابن دريد، والمقاييس والمجمل لابن فارس، والمحكم والمخصص لابن سيده وغيرها، إلى أن وصل الأمر إلى عصر ابن منظور في القرن السابع الهجري، وقد دفعته غيرته على هذه اللغة إلى الانكباب على الجمع الموسع من مجموعة معاجم هي بذاتها واسعة موسوعية ليحولها مجمولة في معجم عرف بلسان العرب كما ذكر قائلا: "فإنني لم أقصد سوى حفظ أصول هذه اللغة النبوية وضبط فضلها، إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية، ولأن العالم بغوامضها يعلم ما توافق فيه النية اللسان، ويخالف فيه اللسان النية، وذلك لما رأيته قد غلب في هذا الأوان من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يُعد لحنا مردودا، وصار النطق بالعربية من المعايب معدودا. وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية، فجمعت هذا الكتاب في زمنٍ أهلُه بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون، وسميته لسان العرب"(3). فكان معجما كبيرا حقا يجمع بين دفتيه مواد خمسة معاجم في موضع واحد، ذكرها بنفسه في المقدمة، وهي(4):
1- تهذيب اللغة للأزهري (ت 370 هـ). 2- تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (ت 393 هـ أو 400 هـ). 3- المحكم والمحيط الأعظم في اللغة لابن سيده (ت 458 هـ). 4- التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح المعروف بحواشي الصحاح لابن بري المصري (ت 582 هـ). 5- النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (ت 606 هـ).
فلسان العرب من معاجم الألفاظ اتبع فيه صاحبه ترتيب مواده على أواخرها، وشرح ألفاظه على أوائلها مثل (كتاب) نجدها في باب الباء وفصل الكاف. والأبواب خاصة بالمواد، والفصول خاصة بشرح الألفاظ على أساس الترتيب الهجائي (ألف باء) في كليهما. ورأى ابن منظور أن سوء ترتيب المعاجم الأولى دفعه إلى أن يختار طريقة الجوهري إذ قال: "ورأيت أبا نصر إسماعيل بن حماد قد أحسن ترتيب مختصره... ورتبته ترتيب الصحاح"(5).
ثالثا: كيفية إيراد القضايا الصرفية:
وردت القضايا الصرفية ضمن شروح مواد اللغة العربية التي تضمنتها المعاجم المذكورة، وذلك بطريقتين: إحداهما إجرائية، وثانيتهما إجرائية معللة بقاعدة. وقد نقلها حرفيا من دون أن يتدخل في أي مادة أو فيما يرتبط بها إلا نادرا، وها هو تصريحه بنفسه إذ قال: "وليس لي في هذا الكتاب فضيلة أمت بها، ولا وسيلة أتمسك بسببها، سوى أني جمعت فيه ما تفرق في تلك الكتب من العلوم، وبسطت القول فيه ولم أشبع باليسير، وطالب العلم منهوم. فمن وقف فيه على صواب أو زلل أو صحة أو خلل، فعهدته على المصنف الأول، وحمده وذمه لأصله الذي عليه المعول، لأني نقلت من كل أصل مضمونه، ولم أبدل منه شيئا... فليعتد من ينقل عن كتابي هذا أنه ينقل عن هذه الأصول الخمسة"(6). ولذلك حينما أوظف ضمير الغائب فإنما هو عائد على كتابه وليس على صاحبه، ومن غير السهولة أن يتمكن البحث فيه أن يعرف القائل إلا بالرجوع إلى المصدر الأصلي أو لما يكون التصريح واضحا كما سيأتي في بعض الأمثلة المختارة.
ا - ما جاء على الطريقة الإجرائية:
يعرض المادة المقصود شرحها بدون أي منهج مضبوط، ولعل المبرر في عدم التقيد بترتيب منهجي في جمع المادة يرجع إلى اختلاف مصادرها، بل إنا قد نقع حائرين في كثير من المواضع منه حينما لا يشير إلى المصدر المنقول عنه مباشرة. ومحاولتي في هذا الموطن هي تقديم نماذج وأمثلة تبرز منهجية اللسان في إيراد القضايا الصرفية من دون دراستها التي ينبغي أن تكون في بحث خاص. ومما أود التمثيل به من تلك الطريقة فهو فيما يأتي:
- الفعل والمصدر:
فتارة يتناول الفعل مضبوطا بالشكل مبدوءا به أو بالمصدر، أو بأي مشتق من مشتقات الفعل إلا أسماء الله تعالى فإنها مقدمة عنده إن كانت ضمن مادة الشرح، مثل: "بدأ: في أسماء الله عز وجل المبدئ"(7). و"برأ: البارئ: من أسماء الله عز وجل"(8). و"ذرأ: في صفات الله، عز وجل، الذارئ"(9). و"الخبير: من أسماء الله عز وجل"(10). وكذلك في القول مرة أخرى: "خلق: الله تعالى وتقدس الخالق والخلاق... وإنما قُدم أول وهلة لأنه من أسماء الله جل وعز (كذا)"(11). وفي مواضع أخرى تتعلق بذكر أسماء الله تعالى وصفاته. وقد أشار إلى ذلك بالقول في شأنها: "قرأ: القرآن: التنزيل العزيز، وإنما قُدم على ما هو أبسط منه لشرفه، قرأه يقرؤه ويقرؤه"(12). فالبدء بالمشتقات كما في القول: "خسأ: الخاسئ من الكلاب والخنازير والشياطين: البعيد الذي لا يترك أن يدنو من الإنسان والخاسئ: المطرود، وخسأَ الكلب..."(13). و"دنأ: الدنيء من الرجال: الخسيس، الدون، الخبيث البطن والفرج، الماجن... وقد دنأَ يدنأ دَناءة فهو دنيء: خبث"(14). و"الصابئون: قوم يزعمون أنهم على دين نوح – عليه السلام – بكذبهم"(15). وهو بدء باسم الفاعل تارة، وبالصفة المشبهة تارة أخرى، وليست هذه الألفاظ أشرف مما يأتي بعدها، ولعل سبب هذا التعارض هو أنه جمع من مصادر مختلفة كما ذكرنا، وابن منظور لم يتدخل وفق ما ألمح إليه في مقدمة كتابه.
ومن نماذج البدء بالمصدر ثم الفعل ومصادره الأخرى: "بأبأ: الليث: البأبأة قول الإنسان لصاحبه: بأبي أنت ومعناه أفديك بأبي، فيشتق من ذلك فعل فيقال: بأبأ به"(16). و"بطأ: البطء والإِبطاء... تقول منه: بطؤ مجيئك وبطؤ في مشيه يبطؤ بطئا وبطَاء"(17). وتراه مرة أخرى يبدأ بالمشتق ثم المصدر فالفعل مثل: "بدأ: المبدئ: البدء: بدأَ"(18) أو بالمشتق ثم الفعل مثل: "برأ: البارئ: برأ الله الخلق"(19).
وقد يبدأ بتوظيف مادة الشرح في جملة مباشرة بالفعل ومصدره مثل: "بذأت الرجل بذءا إذا رأيت منه حالا كرهتها"(20). و"كلأ: قال الله عز وجل: قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن... كلأك الله كلاءة أي حفظك وحرسك"(21). أو بالشاهد للفعل مثل: "زوأ: روي في الحديث أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: إن الإيمان بدأ غريبا وسيعود كما بدأ. فطوبى للغرباء، إذا فسد الناس، والذي نفس أبي القاسم بيده ليزوأَن الإيمان بين هذين المسجدين كما تأرِز الحية في جحرها"(22).
أما ورود المصدر فهو بارز بإظهاره بعد الفعل مثل: "بتأ بالمكان يبتأ بتوءا: أقام"(23). أو بالتصريح مثل: "حسبانا مصدر"(24). و"وأنا براء منه وخلاء، لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر في الأصل"(25). ولو تعددت المصادر للفعل الواحد يذكرها مثل: "حسبَ الشيء يحسبه بالضم حسبا وحسابا وحسابة: عده"(26). و"لقيته لقاء ولقاءة وتلقاء ولقيا ولقيا ولقيانا ولقيانا ولقيانة ولقية ولقيا ولقى ولقى فيما حكاه ابن الأعرابي، ولقَاء"(27). وقد تجد من المذكور من المصادر القياسية مثل: "تثقَبت النار فأنا أتثقَبها تثقبا وأثقبها إثقابا وثقَبت بها تثقيبا"(28). أو بالإشارة إلى النادر منها مثل: "وقد جرؤ يجرؤ جرأة وجراءة بالمد وجراية بغير همز نادر، وجرائية على فعالية"(29). أو استثناء مثل: "وحكى اليزيدي عن أبي عمرو بن العلاء: القبول بالفتح، مصدر، قال: ولم أسمع غيره، قال ابن بري: وقد جاء الوضوء والطهور والولوع والوقود، وعدها مع القبول خمسة"(30). ولاحظت ظهور السادس بالشكل في (اللسان): بهأ بهوءا بالفتح(31). ولم أعثر على من أشار إليه سواه.
وفي تعامله مع الفعل أيضا اتبع طريقة إجرائية تبين تصريف الفعل من الماضي إلى المضارع والأمر، وإبراز تعديه أو لزومه، من الإشارة إلى التعدية يظهره برفقة المفعول به اسما ظاهرا أو ضميرا بالهاء مثلا: "بأبأت الصبي... يبأبئه"(32). و"بدأ به وبدأه"(33) و"ساءَ يسوء: فعل لازم ومُجاوز"(34). ولا يذكر الفعل إلا في الماضي متبوعا بمضارعه، خذ لك مثالا: "بذأته أبذؤه بذءا"(35)، ومثالا آخر: "برأ المريض يبرأ ويبرؤ"(36).
وقد يكون في هذه الطريقة إشارة إلى حركة عين الفعل المضارع إن كانت مفتوحة أو مضمومة أو مكسورة، لأن الفعل على هذه الأبواب: فعل بفتح العين يفعل بكسرها، وفعل بفتحها يفعل بضمها، وفعل بفتحها يفعل بفتحها كذلك فيما كانت عينه أو لامه أحد أحرف الحلق: الهمزة والهاء والحاء والخاء والعين والغين، وهذا من صميم علم التصريف في باب الأفعال. ونادرا ما نجد ماضي الثلاثي بدون مضارعه، لأن ما يأتي منه على (فعل بكسرها) يكون المضارع منه على (يفعل بفتحها) قياسا إلا ما شذ منه كما قيل: "وفعل يفعل إنما جاء في أفعال معدودة"(37) أي بكسر العين فيهما. وهي تلك التي سبق ذكرها في القول: "يقال: أحسبه بالكسر، وهو شاذ لأن كل فعل كان ماضيه مكسورا، فإن مستقبله يأتي مفتوح العين، نحو علم يعلم، إلا أربعة أحرف جاءت نوادر: حسب يحسب، ويبس ييبس، ويئس ييئس، ونعم ينعم، فإنها جاءت من السالم، بالكسر والفتح، ومن المعتل ما جاء ماضيه ومستقبله جميعا بالكسر: ومق يمق ووفق يفق، ووثق يثق، وورع يرع، وورم يرم، وورث يرث، ووري الزند يري، وولي يلي"(38).
وما جاء من هذه الكلمات المحدودة برر بعلة أخرى مثل: "وطئ يطأ بني على توهم فعل يفعل مثل ورم يرم، غير أن هذا الحرف الذي يكون في وضع اللام من يفعل في هذا الحد، إذا كان من حروف الحلق الستة، فإن أكثر ذلك عند العرب مفتوح، ومنه ما يقر على أصل تأسيسه مثل ورم يرم، وأما وسع يسع ففتحت لتلك العلة"(39). وهي علة حرف الحلق، لأنه لو كان على الأصل لجاء يوطأ ويوسع من دون حذف فائهما لزوال علة الحذف في نحو: يعد ويصف لوقوع الواو بين الياء والكسرة. ومع ذلك نعثر على إظهار مضارع بعض الأفعال مثل: جنئ: يجنأ"(40) الذي يمكن أن يعرف بالقياس إلى فتح العين من ناحية كسرها في الماضي، ومن ناحية وجود حرف الحلق. وإن كان الفعل على (فعل) فإن مضارعه يأتي قياسيا على (يفعل) بضم العين فيهما، ولكنه يدل على مضارعه كذلك أحيانا مثل: "بطؤ مجيئك، وبطؤ في مشيه يبطؤ..."(41). و"جرؤ يجرُؤ"(42). وحتى غير الفعل الثلاثي يذكر ماضيه ومضارعه في كثير من الأحيان مع أنه قياس معروف مثل: "أخطأَ يخطئ..."(43). وإن كان على فعل بفتح العين فهو الذي تختلف عين مضارعه من فعل إلى آخر، وبذلك فهو الذي يستحق إبراز حركتها، لأن المضارع منه يأتي على يفعل أو يفعل غالبا، ولأجل هذا نراه يستعمل المضارع مباشرة دون ذكر الماضي أحيانا مثل: "الشذب: المصدر والفعل: يشذب..."(44). وقد تجد أفعالا في الماضي بدون مضارعها مثل: "جزأت المال بينهم وجزأته..."(45).
وورد ذكر مثلث العين في مثل القول: "في سرا ثلاث لغات: فعل وفعل وفعل، وكذلك سخي وسخا وسخو. ومن الصحيح كمل وكدر وخثر، كل منها ثلاث لغات"(46). ومن الفعل الرباعي يورد المجرد منه ثم المزيد فيه بلفظه الصريح مثل: "دحرج: تدحرج"(47). و"سغبل الطعام: أدمه بالإهالة والسمن... وسبغله فاسبغل، قدمت الباء على الغين"(48). أو بالمصدر ففعله المجرد فالمزيد فيه في مثل: "الفرقعة: تنقيض الأصابع، وقد فرقعها فتفرقعت... افرنقعوا عني"(49).
ومن تناوله تصريف الفعل في الأمر النماذج الآتية:
- "حكي أن بعض العرب يقول في الأمر من أتى: ت"(50).