ومع أنَّ القدماء من علماء اللغة العربية والنحو قد أفصحوا عن العلة الحقيقية لهذا الإبدال بين الحروف السَّاكنة الصحيحة (الصوامت) وحروف العلة واللين (الصوائت)؛ حيث نرى ذلك جليًّا فيما سقناه في مقدمة هذه الصفحات من أقوال، وفيما نجده أيضًا فيما أورده ابن سيده في "المخصص" حيث قال: "ثم النون لأنَّه أشبه بحروف العلَّة وما فيها من الغنة كما في حروف العلة والمد[46]"، وقال ابن يعيش: "أبدلت الألف من النون في هذه المواضع لمضارعة النون حروف المد واللين بما فيها من الغنَّة[47]"، وأورد السيوطي ستةَ عشر وجهًا لتشابه النون حروف المد واللين، وقد ذكر منها أنَّ فيها غنَّة، كما أنَّ في الألف وأختيها مدًّا، ومعاقبتها لهنَّ في المحل الواحد نحو جرنفش وجرافش[48]"، وقالوا عن الياء: "وإنَّما كثُر إبدال الياء (يقصدون من الحروف الساكنة الصحيحة)؛ لأنَّه حرف مجهور مخْرَجه من وسط اللسان، فلمَّا توسَّط مخرجه الفم وكان منه من الخفَّة ما ليس في غيرِه كثر إبداله كثرةً ليستْ في غيره[49]"...إلخ.
إلاَّ أنني أرى أنَّ كلَّ ما حدث فيما ورد عن العرب من ألفاظ ممَّا أورده القدماء من اللغويِّين والنحاة في كتُبِهم ومؤلَّفاتهم... إلخ، ومما لم يستطيعوا حصره - كما قال ابن سيده - ممثّلاً لهذه الظَّاهرة الصوتية، ليس إبدالاً - في معظمه - وإن حلا لكثيرٍ من هؤلاء القُدماء من اللغويين والنُّحاة القولُ به، وتفسير مظاهره في ضوء ما قرَّروه من قواعد للإبْدال - كما سنرى ذلك فيما بعد - ونظنُّ أنَّه على الرَّغم من اعتِرافهم بوجود هذه الظَّاهرة في لغة العرب، واطّرادها في كثيرٍ من الأبنية والصِّيَغ، فقد طفِقوا يحاكمونها على حسب قرب هذا المبدل أو بعده من مقاييس العربية الفُصحى، وخلصوا إلى اعتِبارها مظاهرَ شاذَّة غير مطَّردة في صياغة بعض الألفاظ في لغة العرب، لُجِئ إليها اضطرارًا، كما نرى ذلك في آرائهم وأقوالهم التي أوردوها كلَّما اصطدموا بألفاظ تمثِّل هذه الظاهرة.
رأي الباحث في هذا الإجراء اللّغوي والضَّوابط الصوتيَّة الَّتي تنظمه:
لستُ أدفع إمكانَ تأثير عوامل التَّطوّر التَّاريخي وغيرها جميعها أو بعضها في حدوث بعض التبدّلات الصوتية، التي أصابتْ بعض الحروف العربية، فآثارها واضحة، وشواهدها لا تحصى، ولا أنكر أنَّ كثيرًا من الحروف في ألفاظ اللغة العربيَّة قد أُقيم بعضها مقام بعض؛ طلبًا للتَّخفيف، وتسهيلاً على النطق، فذلك مما تميل إليه اللغات جميعُها قديمها وحديثها، وتقْتضيه قوانين التطوّر اللغوي، لكنَّني أجادل في إمكان نسبة كلّ ما نحن بصدده من مظاهر صوتيَّة أمثال:
مجموعة أ مجموعة ب
رَبَّ رَبَا[50]
شَبَّ شَبَا[51]
أَضَبَّ أَضَبَّى[52]
تَقَضَّضَ تَقَضَّى[53]
تَسَنَّنَ تَسَنَّى[54]
تَصَدَّدْتُ تَصَدَّيْتُ[55]
خَمَّ خَمَى[56]
تَغَلَّلَ تَغَلَّى[57]
تلظَّظ تَلَظَّى[58]
الجُبّ الجوب[59]
عَسَّ العَوس[60]
جَسَّ الجَوس[61]
إلى آخِر ما ذكره القدماء من علماء اللغة العربيَّة والنحو، أو بعض الباحثين المحدَثين من الإبدال [ويقصدون به إبدالَ الحروف السَّاكنة الصَّحيحة (الصوامت) - كما نراها في المجموعة رقم (أ) - حروف علَّة ولين (صوائت) - كما نراها في المجموعة رقم (ب)] طلبًا للخفَّة، وتسهيلاً على النُّطق عند القدماء، أو أثرًا باقيًا من بعض خصائص اللُّغات السامية القديمة التي ورِثَتْها العربية، واحتفظت بها، وبقيت أثرًا ينميها إلى الأصل (الأم)، وتفسر في ضوئه معظم التبدلات الصوتية التي أصابتْ حروف اللُّغة العربية عندَ بعض الباحثين المحدثين، ويبقى الجهل بها عيبًا يقود إلى أخطاء في تفسير ظواهرها اللُّغوية حتى وجدنا قائلهم يقول: "ومن هنا نرى أنَّ ضلالات النحويين واللغويين القُدماء نشأ من جهلِهم باللغات السامية، مع أنَّ بعضَها كان شائعَ الاستعمال في زمانهم".
وأزعم بدلاً من ذلك أنَّ ما حدث في معظم الألفاظ - إن لم أقل كلها - الَّتي أوردها كلٌّ من القدماء من اللغويين والنحاة وبعض الباحثين المحدثين ممثّلة للظاهرة في أصوات اللغة العربية لم يكن إبدالاً بالمعنى الذي ذكره هؤلاء اللغويون - قدماء ومحدثين - (الذي هو إقامة حرف مكان حرْف غيره على تقدير إزالة الأوَّل، نحو: تاء "تخمة" و "تكأة" وأصلهما "وخمة" و "وكأة")، وإن كنت أتَّفق معهم جميعًا أنَّ الغاية من هذا الإجراء اللّغوي إنَّما لحق بهذه الألفاظ نتيجةَ ميل اللغة بطبيعتِها في حروفها إلى (طلب الخفَّة)، حيث تميل اللغة - أي لغة - إلى توفير الجهْد في نطق أصوات حروفها، ولتيسير هذا المجهود العضلي يحاول المتكلِّمون بحروف اللغة أن يُحقِّقوا حدًّا أعلى من الأثر النُّطْقي بأقلّ جهد، ويعتقد أنَّ ذلك هو السَّبب في أنَّ الإنسان في نطْقِه لأصوات حروف لغتِه يَميل - عادةً - إلى تلمُّس الأصوات السَّهلة التي لا تحتاج - غالبًا - إلى جهد عضلي، فتتبدل مع الأيام الأصوات الصعبة بنظائرها السهلة؛ طلبًا للخفة، وهذه العلَّة (طلب الخفة) هي ما عبَّر عنه القدماء من اللغويين في أكثر من موضع من مؤلفاتهم بـ (كراهية اجتِماع الأمثال[62])، و (كراهية التَّضعيف[63])، و (اجتماع الأمثال مكروه[64])، و (ثقل التَّضعيف[65])، و (واستِثْقال اجتماع الأمثال[66])، و (كراهة اجتماع اللفظين المشتبهين[67])... إلخ؛ ولذلك يفرُّ منه - عندهم - إلى الإبدال، ولست أرى ما حدث من تغْييرات صوتية في أكثر هذه الألفاظ التي أوردوها إبدالاً، بل هو حذف (Deletion) نَجَم عنه التخلُّص من أحد المثلين (وهو الثاني غالبًا)، وإشباع حركة المثل الأول (فتحة كانت أو كسرة أو ضمة)، فنشأ عنها حرف العلَّة أو اللين، فتوهم أنَّ المثل الثَّاني السَّاكن الصَّحيح (الصَّامت) قد أُبدل بحرف علَّة ولين (صائت)، وليس كذلك، بل ثاني الحرفين المثلين - في الغالب - قد حذف في هذه الألفاظ، وأشبعت حركة المثل الأوَّل، فنتج حرف علَّة طويل أو لين من جنسها (صائت).
ولعلَّ القول بذلك أسهل من تلمُّس تفسيرات - لما حدث من تغييرات صوتيَّة بين حروف ليس بينها أدْنى علاقة في الألفاظ التي أوردنا طرفًا منها سابقًا - بعيدة عن القوانين اللغويَّة الَّتي تخضع لها معظمُ اللغات المنطوقة، وهذا الإجراء اللغوي (الحذف في اللغة) - سواء كان الحذف قياسيًّا أو سماعيًّا - هو نوع من التخفيف من الثِّقل النطقي للفظ أو الجملة، ويكون بحذف بعض حروف اللفظ - مثلاً - للتقليل من عددها حتَّى يسهل النطق، أو بحذف بعض عناصر الجملة في حال طولها، وهو أيضًا - وإن تمَّ بحذف حرف أو حركة أو أكثر أو بالتخلُّص من كلمة أو أكثر - قانون لغوي شائِع الاستِعْمال في كثير من اللُّغات العالميَّة قديمها وحديثها، ويعني قانون الحَذْف في اللُّغة - بالنسبة للحروف - فنولوجيا: أنَّه طالَمَا كان بالإمكان نشوء بعض الحروف أو الحركات في لفظٍ ما (كما يحدث في الزِّيادة بالإقحام (Epenthesis) عند الأداء، فإنَّه يصبح بالإمكان أيضًا اختِفاء بعض الحروف والحركات من الصِّيغة عند النطق عن طريق الحذف، ويرمز لمثل هذا الإجراء اللُّغوي - الَّذي هو عكس الزيادة - فنولوجيا بالصيغة السَّهلة التَّالية:[68](X=O) ، ونستطيع أن نرى صُور الحَذْف في بعض اللغات العالميَّة - ومنها اللغة العربيَّة - على مستوى اللَّفظ في المصْطلحات التَّالية:
أ-(Aphaersis) ويعني: حذْف حرف أو أكثر من أوَّل الكلمة: ويُمكن التَّمثيل له من اللغة الإنجليزيَّة بنحو (I am > I`m) وتعني: (أنا أكون)، وكذا (I Ihave > I` ve)، وتعني: (أنا عندي)، ومن اللغة الألمانية بنحو: (Wie geht es > Wie geht` s) )، وتعني: (كيف يذهب به)، وهناك صور عدَّة تندرج تحت هذه الظَّاهرة من الألفاظ القديمة التي بقيتْ في اللغة الإنجليزيَّة المعاصرة فُقِد فيها النُّطْق بالحرف الأوَّل، من أمثال: (knife , knight)، حيث فقد فيها النطق بالحرف (k) قبل حرف ([69]n) .
وفي اللغة العربيَّة عدَّة صور تمثِّل هذه الظَّاهرة الصوتيَّة أصدقَ تمثيل، فمن ذلك - مثلاً - حذف التَّاء من أوَّل الفعل المضارع، وذلك إذا تليت مباشرة بتاء أخرى، ويتحقَّق هذا - عند الصرفيِّين العرب - في ثلاث صيغ هي: تَفَعَّلَ، تَفَاعَلَ، تَفَعْلَلَ، فعندما نبني فعلاً مضارعًا من هذه الصيغ - مثلا - يصبح: - تَتَأَمَّل، تَتَصَارَعُ، تَتَدَحْرَجُ... إلخ، إلا أنَّ الاستعمال جرى بحذف إحدى التاءين - جوازًا - كراهةَ اجتماع المثلين زائدين؛ وذلك طلبًا للخفَّة، فيصبح: تأمَّلُ، تَصَارعُ، تدحرجُ.
ب- (Syncope Syncopation) ويعني: الحذْف الَّذي تقتضيه بنية اللفظ (الاختزال)، وهو وإن كان شائعًا استِعماله في الحركات (الصوائت)، فقد يستعمل أيضًا مع الحروف السَّاكنة الصَّحيحة (الصَّوامت)، ونستطيع أن نرى ذلك بوضوح في اللُّغة الإنجليزيَّة عند المقارنة بين نُطق كلٍّ من الإنجليز والأمريكان لكلمة (secretary)؛ حيث نجِدها تنطق عند الإنجليز (sekritri) بينما تنطق عند الأمريكان (sekriteri)، وقد يرى أيضًا في الحروف الساكنة الصَّحيحة الجهورات (الصوامت) عندما تختتم بها نهاية الكلمة كما في السويدية (templet > tempel) بمعنى (معبد)، وكذا: (lagret > lager) بمعنى (مخيم)، وكذا(sagen < sagnen) بمعنى (أسطورة)... إلخ.
وفي العربية شواهد كثيرة على مثل هذا الحذف، نذكر منها - مثلاً - حذف فاء الميزان الصَّرفي (فَعَلَ) من كلِّ فعل مضارع مثال، كما في وهب وصل وعد... إلخ، حيث تصبح: يهب، يصل، يعد... إلخ، والأصل: يوْهَبُ، يوْصَلُ، يوْعَدُ...إلخ[70].
وقد علَّل سيبويه وغيره هذا الحذف لكراهيتِهم الواو بين ياء وكسرة[71]، ومن ذلك أيضًا حذف الهمزة الزَّائدة من الفِعل الماضي عندما نبني منه الفعل المضارع وما تفرَّع عنه، نحو: أكرم يكرم، وأضاف يضيف... والأصل: يؤَكْرِمُ ويؤْضِيفُ... إلخ.
ومنه أيضًا: حذف بعض حروف الكلمة عند اتِّصال الضَّمائر بالأفعال، وذلك نحو: مضى ومشى وقضى وسعى، حيثُ تصبح: مضَوا وتَمشين وسعَتْ وقضَوا... إلخ.
كما أنَّه ورد حذف عين الميزان الصرفي (فَعَلَ) في الفعل المضعَّف عند إسناده إلى تاء الفاعل؛ لاستثقال اجتماع المثلين، كما في ظَلِلَ ومَسِسَ و حَسِسَ، وقد أشرنا إلى ذلك فيما سبق، ومذاهب الصَّرفيين العرب في ذلك وأمثاله: الإتمام نحو ظَلِلْتُ...، أو جواز حذف العين بدون نقْل حركتها نحو: ظَلْت ومَسْتُ، وجواز حذف العين مع نقْلِ حركتها إلى الفاء نحو: ظِلْتُ ومِسْتُ وحِسْتُ... إلخ[72].
أمَّا في جانب حذْف الحركات، فكُتب النحاة العرب مليئةٌ بالكثير من الأمثلة على ذلك، فقد أجازوا التسكين في (فَعُلَ و فَعِلَ) اسمًا كان أو فعلاً، كما في عَضْدُ وفَخْذُ وكَرْمَ وعَلْمَ، وقد قالوا بأنَّ الثِّقل هو لغة لأهل الحجاز، بينما التخفيف (بمعنى عدم الحركة للعين) هو لغة لبكر وأناس كثير من بني تميم[73]، وما يقال عن ذلك يُقال مثله عن الإشمام في اللغة العربية... إلخ.
ج- (Apocope (apocopation): ويعنون به: التَّرخيم أو حذف آخر حرف من الكلمة، لنعد مرَّة أخرى إلى اللغة السويدية حيث يلاحظ أنَّ الحركة الأخيرة في المفرد الاسمي المجرَّد في أثناء النَّظْم تحذف قبل الزائد الجمعي، مثل: (flicka) بمعنى (بنت) في مقابل (flickor) بمعنى (بنات)، وكذا ما نجِده فيها (gubbe) بمعنى (رجل كبير في السن) في مقابل (gubbar) بمعنى (رجال كبار في سنهم)... إلخ.