#البيان_في_تجليات_القرآن:
سورة الزلزلة بين البلاغة والفقه
د. أحمد درويش
سورة الزلزلة تبدأ بأهوال وشدائد مفزعة، يقول ربنا: ﴿إِذا زُلزِلَتِ الأَرضُ زِلزالَها وَأَخرَجَتِ الأَرضُ أَثقالَها وَقالَ الإِنسانُ ما لَها﴾.
لكنها تختتم بختام لطيف جميل: ﴿فَمَن يَعمَل مِثقالَ ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُوَمَن يَعمَل مِثقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
فكل عمل مهما كان صغيرا سيثقل ميزانك، تشجيع وتحفيز وتحذير؛ فكل عمل لك أو عليك إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
هذي الخاتمة يسميها ابن حجة الحموي في خزانة الأدب (حسن الخاتمة) أو (حسن المقطع) يقول: "فهذا الختام هو آخر ما يبقى في الأسماع، وربما حفظ من دون سائر الكلام في غالب الأحوال، فلا يحسن السكوت على غيره، وغاية الغايات في ذلك مقاطع الكتاب العزيز في خواتم السور الكريمة".
ويأتي التدبر والفقه، هل يجوز تكرار نفس السورة في الركعتين الجهريتين فجرا أو مغربا أو عشاء؟
قلت (وبضاعتي في الفقه مزجاة): لعِظٙم الزلزلة كررها النبي الأعظم ( صلى الله عليه وسلم) مرتين في صلاة الصبح، قرأها في الركعتين كلتيهما: الأولى والثانية؛ لذا رأينا أبا داود في سننه يعقد بابا يسميه (الرَّجُلُ يُعِيدُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي الرَّكْعَتَيْنِ).
فقد أخبر أحد الصحابة أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ) فِي الرَّكْعَتَيْنِ (كِلْتَيْهِمَا).
ولعلنا نلحظ أنه جاء بالتوكيد المعنوي هنا (كلتيهما) ليزيل التعجب عند السامع من تكرار السورة في القراءتين ، لأن المتبادر أن يقرأ الحبيب صلى الله عليه وسلم سورتين مختلفتين ، وهذي عادته المتواترة، وهذا ما درجنا عليه ، فلا أكاد أذكر أن إماما صليت وراءه قرأ بنفس الآيات في الركعتين أو بنفس السورة القصيرة في الركعتين كلتيهما.
لكن الصحابي الجليل يستدرك قائلا: "فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ قَرَأَ ذَلِكَ عَمْدًا؟
فالمسألة ليست بواضحة؛ فربما يكون الأمر سهوا ونسيانا، مع العلم أن الحديث ليس في إسناده مطعن، بل كل رجاله رجال الصحيح كما قال الشوكاني في (نيل الأوطار ).
يقول العلماء في توجيه الحديث: "الإعادة مترددة بين المشروعية وعدمها وإذا دار الأمر بين أن يكون مشروعا أو غير مشروع، فحٙملُ فعلِه صلى الله عليه وسلم على المشروعية أولى ؛ لأن الأصل في أفعاله التشريع، والنسيانُ على خلاف الأصل".
فكان التلاحم هنا بين فقه وبلاغة، الظاهرة البلاغية تؤكد عظم السورة وهولها وختامها الرقيق الحسن، والفقه يُعٙبِّد لنا طريق العبادة.
هدانا الله لما فيه الخير والسعادة.
المصدر