عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
شمس
مشرفة

شمس غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,074
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي أسرار البيان في القرآن: البيانُ في هَمزَة الوَصلِ في الفِعْل (2)

كُتب : [ 02-23-2026 - 03:56 PM ]


أسرار البيان في القرآن:

البيانُ في هَمزَة الوَصلِ في الفِعْل (2)







ذ. مصطفى بوعزة



لكنْ ههُنا دَقيقةٌ صَرفيَّة صَوتيّة يَنبَغي الوُقُوف عندَها، وتَستلزِمُ فَضلَ نَظَر، فأنتَ إذا تَدبّرتَ مليّاً، تَبيّن لكَ أنّ الثَّالثَ المضمُوم في الفِعلِ المبنيّ للمَجهُول (اُسْتُـهْزِئَ)، يَختلفُ عن الثّالث المضمُوم في فِعل الأمْر (اُخْرُجْ)، لاخْتِلافِ البِنيَة الصَّرفيّة في الكَلمَة. ومنْ ثمّ فالأثَر الصَّوْتيّ الـمُحدَثُ في الكلمَتيْنِ تَختَلفُ طبيعَةُ مَنشَئِهِ، كمَا تختَلفُ جهَةُ تَأثِيـرهِ، علماً أنَّ ضمَّةَ همْزَة الوصْلِ فيهمَا ليسَتْ منْ جنْسٍ وَاحدٍ؛ ذلكَ أنَ همزةَ الوصلِ في فِعْل الأمْر لا تَستَقرُّ حركَتُها علَى حالَةٍ واحدَة، فتَنتَقلُ منْ (كَسْرٍ) هوَ الأصْلُ، كمَا في ( اِضْرِبْ – اِفْتَحْ)، إلى (ضَمّ) بسبَب ضَمِّ الحَرفِ الثَّالثِ، مثل (اُخْرُجْ – اُشْكُرْ). فكانَ التَّأثيرُ مُدْبِراً بِرُجُوعٍ منَ الحرْفِ المضمُومِ نَحوَ همْزَة الوَصْل، فَأثَّرَ اللَّاحِقُ عَلى السَّابِقِ. ومثلُ ذلكَ قولهُ تعَالى: ﴿أَنُ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ﴿أَوُ انْقُصْ مِنْهُ﴾، ﴿أَنُ احْكُم بَيْنَهُمْ﴾. أمَّا همزَةُ الوَصل في الفِعْل المبْنـيّ للمَجْهُول فحَركتُهَا ضمّةٌ ثابتَةٌ لا تَتغيَّـر، بسبَبِ أنَّها خَاضعَةٌ لقَاعدَةِ بنَاءِ الفعْل الماضِي للمَجْهُول؛ بضَمّ أوّلهِ وكَسْرِ مَا قبلَ آخرهِ، للفَرقِ بينَهُ وبينَ المبْنـيّ للمَعلُوم، كمَا في (كَتَبَ، كُتِبَ)، (أَنْزَلَ، أُنْزِلَ)، (اِخْتَلَفَ، اُخْتُلِفَ). فإذَا كانَ الفعلُ مُصدَّرا بهَمزة الوَصل ضُمَّتْ، لأنّها هي الحرفُ الأوّل، وضَمُّ الأوّلِ أصلٌ في التَّغيِير ثابتٌ في كلّ أنوَاع الأفْعَال. ثمَّ تَنشأُ عنهُ تغْييرَاتٌ فَرعيَّة تحْكُمهَا قَواعدُ الإعْلَال والـمُمَاثَلة، مِثلمَا يَحدُثُ هنَا في الفعْل المزيدِ بحَرفيْن أوْ ثلاثَة إذَا بُنيَ للمَجهُول، مِثْل (اِسْتَـهْزَأَ)، حيثُ يُضمّ أوّلهُ ويُكسَرُ ما قبلَ آخرهِ، فيَصيرُ: (اُسْتَـهْزِئَ)، بضمِّ أوّلهِ وكَسر ما قَبل آخِره. فتُؤثّرُ ضمّةُ همزَةِ الوَصْل علَى الحَرفِ الثَّالثِ (التَّاء)، فتَنقُلُ فتْحَتَهُ إلى ضَمّةٍ: (اُسْتُـهْزِئَ)، فيكونُ التّأثيرُ هُنَا، عَلى عَكسِ سَابقهِ في فعْلِ الأمْر، تَأثيراً مُقْبِلاً بِتَقَدُّمٍ، منْ همْزَة الوَصل الـمَضمُومةِ نَحوَ الحَرفِ الثَّالث (التاء). فأثّرَ السَّابقُ علَى اللَّاحِقِ، مثل قولهِ تعَالى: ﴿فَمَنُ اضْطُرَّ﴾، ﴿خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ﴾، التي تُقرأ: ( خَبِـيـثَةٍ نُ اجْتُثَّـتْ). إنَّهُ (قانُونُ الأقْوَى): قُوّةُ الضَّمّة، وصُعُوبَة الانْتِقَال منَ الكَسْر إلى الضَّمّ في فعْلِ الأمْر: (اِدْخُلْ). فَسيْطَرَت (الضَّمّةُ) بِإدْبَارٍ: (اُدْخُلْ). وقُوّة الضَّمّة في أَوّل الـمَبنيّ للمَجهُول،وضُعفُ الفَتحَة علَى الحَرفِ الثَّالثِ: (اُسْتَـهْزِئَ)، فَسيطَرَت (الضّمّةُ) بإقْبَالٍ: (اُسْتُـــهْزِئَ).

هذَا عندَ الابْتِداءِ بهمْزَة الوَصل، فإذَا أُدْرجَتْ وسَبَقهَا حرفٌ سَاكنٌ سَقطتِ الهَمزةُ في النُّطقِ، فالْتَقَى سَاكنَان، فيظهَر للنَّاظر اسْتِجلاب قاعدَة: (إذَا التَقَى سَاكنانِ فَاكْسِرْ ما سَبَق). كمَا في (أَنْ+ اضْرِبْ) في قولهِ تعَالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الحَجَر﴾، حيثُ كُسرت النّون من (أَنِ). لكنّ الأمرَ مُحوجٌ إلى فَضلِ نظَرٍ، خاصَّة في روَايَة (وَرْشٍ عنْ نَافعٍ)ن حيثُ يَكسرُ السّاكنَ الأوَّلَ معَ الكَسْر، سواءٌ مع كَسر الثَّالث في الفِعل كمَا في: ﴿أَنِ اضْرِبْ﴾، ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾، أو معَ فتْحِ الثّالث كمَا في ﴿أَنِ اعْمَلْ سَـابِغَاتٍ﴾، ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾. لكنَّهُ عندَ الضّمّ لا يَلتزمُ هذهِ القاعدةِ؛ بلْ يَضمُّ السّاكنَ الأوَّل، كمَا في قولهِ تعَالى: ﴿قُلُ ادْعُوا اللَّهَ أَوُ ادْعُوا الرَّحْمَـنَ﴾، ﴿وَقَالَتُ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾، ﴿أَنُ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُم﴾. فإذا كانَ الكَسرُ يُفسَّر بالْتِقاء السّاكنَين، لأنَّهُ الأصلُ فيهِ؛ قالَ (ابنُ يَعيش) في (شَرح المفَصّل): «اِعلَمْ أنّ الأصْلَ في كلّ ساكنَيْن الْتَقَيَا، أنْ يُحَرَّك الأوّلُ منهُمَا بالكَسْر، نحوُ: (بَغَتِ الأَمَةُ، و(قَامَتِ الجَاريَةُ). ولا يُعْدَلُ عنْ هَذا الأصْل إلّا لِعلّةٍ»، إذَا كانَ كذلكَ، فإنّ الضّمَّ يُعتبَــر عُدُولاً عن الأصْل. ولعَلّ العلَّةَ فيهِ أن يَكونَ (الإتْباعُ)، أيْ إتباعُ حركَة الحَرفِ السّاكنِ، لحَركَة الحَرف الثَّالث في الفِعْل؛ ففي قَولهِ: (قالَتُ اخْرُجْ)، يكونُ ضمُّ (التاء) في (قَالَتُ)، تابعاً لضَمّ (الرّاء) في (اُخْرُجْ). قالَ (أبو جَعفَر النّحّاس) في (إعْراب القُرآنِ)، عن قولهِ تعالَى: ﴿فَمَنُ اضْطُرَّ غَيْـرَ بَاٍغ وَلَا عَادٍ﴾: «﴿فَمَنُ اضْطُرَّ ﴾، ضُمّت (النُّون) لِالْتقاءِ السّاكنَين، وأُتبِعَت الضَّمّةُ الضَّمّةَ، ويَجوز الكَسر علَى أصْلِ التقَاء السّاكنَين».

ولعلّكَ إذا تَأمّلتَ مليّاً، وجدْتَ أنّ روايَة (وَرْشٍ) هُنا، قدْ حافظَتْ علَى ما ذَهبُوا إليهِ في حَركةِ (هَمزة الوَصل)؛ حيثُ تُكسَر علَى الأصلِ، ولا تُضمُّ إلا إذا ضُمَّ الحرفُ الثّالث من الفِعْل، كمَا ذكرْنَا سابقاً. و كأنّكَ إزاءَ النَّقل؛ وكأنّـهُـم نَقلُوا حركَة (هَمزة الوَصْل) إلَى السَّاكن قَبلَها. واحتِمالُ النَّقل هَذا ممَّا يَبدُو جَديراً بالنَّظَر، لأنّه يَطّرد في كلّ الآيَات؛ فَفي الكَسر تَجدُ مثلاً: (اِنْفِرُوا)، حيثُ نقلتِ كسرةُ الهمزة إلى (الوَاو)، في قولهِ تعالَى: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً﴾. وكذلكَ (اِصْنَع) في قَولهِ تعَالى: ﴿أَنِ اصْنَع الفُلكَ﴾، وفي الضّمّ تجدُ مثلاً: (اُنْقُصْ)، فنُقلَت ضمّةُ الهمزةِ إلى (الوَاو) في قَوله تعَالى: ﴿أَوُ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾، وكذلكَ (اُدْعُوا) في قَولهِ تعالَى: ﴿قُلُ ادْعُوا اللهَ أَوُ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾. لكنَّ أمرَ النّقل هَذا مُختَلَفٌ فيهِ، فقدْ أجازَهُ (الكُوفيُّون)، وقاسُوا (هَمزةَ الوَصْل) علَى (هَمزَة القَطْع)، ومنعَهُ (البَصريُّون)، وقالُوا: لا نَقلَ للحَركةِ إلّا في همزَة القَطع. ذكرَ ذلكَ (أبُو البَرَكات الأنبَاريّ) في (الإنْصَاف).

لكنّكَ إذا تَقصّيتَ الأمرَ فَضلَ تَقصٍّ، خلَصتَ إلَى ما يُستَأنَس بهِ فيمَا قدّمنَا من احْتمَال نَقل حركَة هَمزَة الوَصْل إلَى السّاكن قَبلها، خاصّةً في حَالةِ الضّمّ، لأنَّ الكَسر يُعتَبر أصْلاً لالْتقاءِ السّاكنَين. وفي ذلكَ يقولُ (أبُو سَعيدٍ السّيرافيّ-284-368هـ) في (شَرح كِتاب سِيبويْهِ) كلاماً لهُ اعْتِبارُه، حيثُ يقولُ: «وإذَا كانَتْ ألِفُ الوَصلِ الْـمَحذُوفةُ مَضمُومَةً، جازَ الكَسْرُ وَالضّمُّ. فأمَّا الكَسرُ فعَلى قِياسِ ما يُوجبُهُ الْتِقاءُ السَّاكنَيْن منَ الكَسْر. وأَمَّا مَن ضَمَّ، فإنّه يُقيمُ الحرفَ السَّاكن مقام أَلِفِ الوَصل المحذُوفَة، والضّمُّ في بَعضِ ذلكَ أحسنُ من بَعضٍ؛ وذلكَ قولُك: (قُلُ انْظُرْ)؛ لأنَّ الأصلَ: (قُلْ اُنْظُرْ)، فحذفْتَ ألفَ الوَصل المضمومَةَ، وأقمْتَ (اللَّام) مقامَها في التَّحريكِ؛ وكذلكَ: ﴿أَوُ انْقُصْ مِنْهُ قَليلاً﴾». وهذَا نصٌّ واضحٌ علَى جَواز نَقل حَركةِ همزَة الوَصل الّتي حُذفَتْ في النُّطق إلى السَّاكنِ قبلَها إذَا كانتْ مَضمومَةً. وقالَ (أبو مَنصورٍ الأزْهريّ-282- 370هـ)، الإمامُ اللّغويّ، صاحبُ (تَهذيب اللُّغة)، في كتابهِ (مَعاني القِراءَات)-[ج/2 -ص102]: «وَقرأَ (ابنُ كَثِيرٍ ) و(ابنُ عامِرٍ ) و(نَافعٌ) و(أبو عَمْرٍو) في غَير روَايَة (العبَّاس)، و(الكِسائيُّ): ﴿قُلُ ادْعُوا اللهَ أَوُ ادْعُوا﴾ بضَمّ (اللّام) و(الوَاو). وقرَأَ الباقُون بكَسر (اللّام) و(الوَاو): ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا﴾. قالَ (أبُو مَنصُور): مَنْ ضَمَّ (الوَاو) منْ (أَوُ)، وَ(اللّام) منْ (قُلُ)، فإنّه أَوقعَ ضَمّة الهَمزَة منْ (اُدْعُوا) عَليهمَا، فضَمَّهُمَا، ومنْ كَسرهُمَا فَلِاجْتِماعِ السَّاكنَينِ».

وقالَ في [ج/1-190]: «قالَ (أبُو مَنصُور): هُما لُغتَان، فَمنْ كَسَرَ، فَلِاجْتِماعِ السَّاكنَيْن، ومَنْ ضَمَّ، فَلأنَّ أَلفَ الوَصلِ كانَ حَقَّها الضَّمُّ لَو ابْتُدِئَ بهَا، فَلمَّا سَقَطتْ في الوَصلِ نُقِلَتْ ضَمّتُـهَا إلَى الحَرفِ الَّذي قَبلَهَا». وهذَا يَجعلُكَ تَستَحضرُ مَذهبَ (الكُوفيّينَ) في جَواز نَقلِ حركَة (هَمزَة الوَصْل) قياساً علَى (هَمزَة القَطعِ).

هَذا في روايَة (وَرشٍ عن نافِع)، أمَّا في روايَة (حفْصٍ عنْ عاصِمٍ)، فيذهبُ إلى الكَسرِ في كلِّ الأحوَال، فيَقرَأُ: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾، ﴿أَنِ اغْدُوا﴾. ويَقرأُ أيضاً: ﴿وَلَقَدِ اسْتُـهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبلِكَ﴾، وقوْلهُ عزّ وجلَّ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخمَصَةٍ﴾. ومَا أشبَـههُ، كلُّ ذلكَ بالكَسْرِ. وذلكَ علَى قاعدَة الْتِقاءِ السَّاكنَينِ.

لكنْ تَستَوقفُكَ آيةٌ في روايَةِ (ورشٍ)، تُحوجُكَ إلَى فضْلِ تدَبُّرٍ، وهيَ قولهُ تعَالى في سُورَة(ص): ﴿وَانطَلَقَ الْـمَلَأُ مِنْهُم أَنِ امْشُوا﴾، بكَسْر (النُّونِ) منْ (أَنِ)، رَغمَ أنَّ (امْشُوا) قدْ ضُمّ حرفهُ الثَّالثُ (الشِّين)، ولمْ يضُمَّها كمَا حدَث في ﴿أنُ اغْدُوا﴾ وَ﴿قالتُ اخْرُج﴾، حيثُ أتبَعَ الضَّمّ الضّمَّ. فإذَا تَحرّيتَ الأمرَ، اكتشفتَ أنَّ الضَّمّة في (امْشُوا)، ضمةٌ عَارضةٌ وليسَتْ لازمَةً في الفعْل، إذِ الفعْلُ (مَشَى يَمْشِي) بِكَسْرٍ، يَختلفُ عنْ (دعَا يَدْعُو- خَرَجَ يَخْرُج) بِضَمٍّ. فأَصْلُ (اِمْشُوا): (اِمْشِيُوا)، بكَسْر(الشِّين)، ثمَّ أُعِلّتْ بحذْفِ (اليَاء) ونَقلِ حَركَتهَا (الضَّمّة) إلَى (الشِّين). لذلكَ، واعتبَاراً لهذَا الأَصلِ، عَدلُوا عنِ الضّمّ الفَرعيّ، لأنّ الضمَّة طارئَةٌ وليسَتْ لازمةً، إلى الكَسْر الأصليّ، لأنّ (الشّين) في أَصلِها مكسورةٌ؛ فهيَ (اِمْشِيُوا، مثلُ: اِنْزِلُوا). وقدْ جاءَت هذه الحالةُ في خَمسة أفعالٍ في القُرآن الكَريم هيَ: (اِمْشُوا، اِيتُوا، اِبْنُوا، اِقْضُوا، اِمْضُوا)؛ وذلكَ في قولهِ تعالَى: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُم﴾، ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفّا﴾، ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً﴾، ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾، ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ﴾. فكلُّ هذهِ الأفعالِ وأمْثالِها حَدثَ فيها إعلالٌ بالحذفِ ونَقل الحَركَة، فالأصلُ فيهَا: (اِمْشِيُوا، اِيتِيُوا، اِبْنِيُوا، اِقْضِيُوا، اِمْضِيُوا)، بالكَسْر؛ فبسَبب الاستِثْقال، سُكِّنت (الياء)، وَنُقِلت ضَمَّتُها إلى ما قَبلَها، وحُذفَت لالْتِقاء السَّاكنَين. فإذَا ابْتدَأتَ بهَا كَسَرتَ الهَمزَة. وعَكسُ هذَا يَحدث في مِثْل(اُغْزِي)، فتُضمُّ همزَة الوَصل اعْتباراً للأَصلِ، لأنَّ حرفَ (الزّاي) مَضمومٌ، إذِ الأصلُ (اُغْزُوِي)، ثمّ أُعلَّ بالحَذف والنَّقل. هذَا تعليلُ أئِمَّة اللّغةِ والنَّحْو. لكنَّ العَجيبَ في هَذا، أنَّ العَربيّ كان يُؤدّي هَذا الاختلَافَ علَى السَّليقَة. فيُميّزُ بَينَ (اُدْعُوا) و(اِمْشُوا)، وكأنَّهُ يستَحضرُ بخَالص الفِطْرةِ تلكَ الكسرَةَ في (يمشِي)، وتلكَ الضمّة في (يدعُو)، ويَبني عَليهَا نَظمَ الكَلامِ في سِياقَاتٍ مختَلفَة، ومَقامَاتٍ مُتبَاينَة.




المصدر


رد مع اقتباس