تعليم اللغة العربية في الصومال: رحلة تاريخية بين الازدهار والانحسار
د. حسن علي معو
الملخص
تناولت الدراسة عن تعليم اللغة العربية في الصومال: رحلة تاريخية بين الإزدهار والانحسار ما بعد الاستعمار وبداية الاستقلال وأسباب نشوء المؤسسات التعليمية والأنظمة الخاصة( الأهلية ) والتي أتاحت الفرصة لالتحاق المدارس وأسباب نشأتها وأهمية اللغة العربية وارتقائها على سائر اللغات الأخرى.
استخدمت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي والمقابلات الشخصية والاستفادة من المراجع والمصادر وتوصلت الدراسة نتائج منها: أن اللغة العربية لعبت دورا فعالا بأن يجيد الطالب الصومالي في فهم اللغة واستخدامها بقواعدها اللغوية خاصة في فترة التسعينات. بعد أنْ قررت المدارس الأهلية تحول منهج دراستها إلى اللغة العربية بمساعدة من الهيئات والمنظمات الخيرية الممولة من الدول العربية. إضافة إلى أنَّ حلقات المساجد فقد أدلت دلوها في نشر اللغة العربية بفنونها المختلفة من نحو وصرف وبلاغة، وعلى الرغم من أن هناك تحديات والتي مازالت تعرقل على مسار تعليم العربية وتدريسها في المدارس.
أما اليوم فقد اختلف الأمر، فأصبحت الآن معزولة عنها، حيث هاجر الشعب عن تعليمها وتعلُّمها مما أدى إلى اخفاء دورها التي كانت موجودة في الساحة التعليمية الصومالية.
أوصت الدراسة بإنشاء المدارس والجامعات لتعليم العربية لاستمرار مسار اللغة العربية والعناية بها وإعطاء الأولوية بها. وضع منهج متكامل وتأليف الكتب المدرسية لاستغناء المناهج والمقررات التقليدية الوافدة، حتى يتمكن الطالب الصومالي من معرفة مايحيط به. وإيجاد المجلات والصحف تصدر باللغة العربية.
أهداف البحث
يهدف البحث إلى:
التعرف على وجود ضعف عن تعليم اللغة العربية في قطاع التعليم في الصومال.
بيان وجود علاقة قديمة بين الصومال والعرب من خلال الهجرات والرحلات التجارية.
الكشف عن وجود هجوم ضد اللغة العربية والثقافة الإسلامية من قبل الغربيين.
أهمية البحث
ad
الكشف عن وجود التحديات التي تواجهها اللغة العربية للبعد عن تعليمها للمجتمع الصومالي.
أنَّ اللغة العربية لغة قادرة للتصدي على مقاومة أيِّ تغير.
بيان دور المدراس الأهلية في تعليم اللغة العربية؛ رغم وجود صراعات بينها وبين اللغة الإنجليزية.
مشكلة البحث
تكمن مشكلة البحث في أنَّ تعليم اللغة العربية سيواجهها ضعفا شديداً أمام اللغة الإنجليزية بجانب المنهج الذي فرضته الحكومة الصومالية للمدارس، وتحول منهج التعليم في الجامعات إلى الإنجليزية، وهذا مما أدَّى إلى اهمال اللغة العربية بأهلها. لذا رأيت أنَّ من الواجب علينا أنْ نقوم بإنشاء مدارس وجامعات تشجع تعليم اللغة العربية في البلاد.
منهج البحث
استخدم البحث المنهج الوصفي التاريخي، حيث يقوم على توصيف المشكلة أو الظاهرة بحالتها وطبيعتها. ويعتمد المنهج التاريخي أيضاً على المتابعة لتاريخ الظاهرة بأسلوب وصفي تاريخي.
تعليم اللغة العربية في الصومال: رحلة تاريخية بين الازدهار والانحسار
تمهيد
تاريخ اللغة العربية ماضيها وحاضرها
اللغة العربية ماضيها
وقد سجلت اللغة العربية عبر تاريخها الحافل الطويل صفحات مشرقة في سائر الميادين وكانت الوسيلة الفعَّالة والمساعدة على التقدُّم والإبداع في جميع الميادين، ولا يعدم الباحث أمثلة ساطعة على كل ذلك، سواء في الشرق العربي الإسلامي حيث ازدهرت حركة التأليف والترجمة والتدوين، أم في الغرب وبلاد الأندلس حيث أسست المدارس والجوامع والجامعات ونشطت البحوث والانتاجات والمخترعات واستطاعت العربية أنْ تثرى باللغات والحضارات المجاورة والمستقطبة، فكانت لغة الدولة والشعب ولغة العلم والعمل؛ وتعامل معها وبها أهلها بثقة كبيرة، وعلى أنَّها الأداة الناجعة التي تسعفهم في التعليم والتعلم وفي البحث والاختراع والإبداع وتسيير الشؤون العامة والخاصة، وتطوير الحضارة والإدارة والتعبير عن مقتضيات الحياة كلها؛ وقد نتج عن ذلك كله تراكمات معرفية كثيرة ربما لم توف حقَّها من الدروس والفهم والاستيعاب إلى يومنا هذا.([1])
واللغة العربية كما هو معروف مثل العضلة إن استعملت وتمرنت قويت ونمت وإنْ لم تستعمل ضمرت وجفت وتعطلت…… وهذا ما كان من شأن اللغة العربية في العصور اللاحقة أو فيما يسمى بعصر الانحطاط، حيث قل الاهتمام بها حينما انهارت مظاهر الحضارة العظيمة وأصاب الركود سائر القطاعات، فلم يستطع مستعملوها إلَّا أنْ يجتروا بها ما تركه الأسلاف، فاقتصروا – إلَّا في النادر القليل – على الشروح والحواشي والتلخيصات، وابتعدت الفصحى عن الحياة العملية والعامة، وداخلتها شوائب وتغيرات كثيرة في مبانيها وفي معانيها، وخاصة في الأصقاع المترامية حيث احتكت باللغات المنافسة وباللهجات المؤثرة، وقد قال ابن خلدون في ذلك: (( فمن خالط العجم أكثر كانت لغته عن ذلك اللسان الأصلي أبعد..)) واعتبر ذلك في أمصار إفريقية والمغرب والأندلس والمشرق.([2]) ولما آل الأمر إلى الأعاجم ((تلاشى أمر العرب ودست لغتهم وفسد كلامهم…)).([3])
اللغة العربية حاضرها
لقد أثبتت اللغة العربية قديما أنَّها لغة صالحة للتعبير عن كل جديد فلم تقف جامدة أمام الانقلاب الجذري الذي أحدثه الدِّين الإسلامي في الحياة العربية بصفة خاصة، بل راحت تخدم هذا الأخير وتنقل تعاليمه، ففتحت بابها لاستيعاب زخم جديد من المفاهيم التي صقلت اللغة صقلا رائعا فأدته خير تأدية ظهرت اللغة من خلالها بحال جيدة وأساليب مقتبسة من المعجزة القرآنية، ثم سايرت اللغة العربية النقلة الحضارية والعلمية والمعرفية التي شهدها العصر العباسي – عصر ازدهار الحضارة العربية الإسلامية وانفتاحها على آقاف العلوم والمعارف الأجنبية – فكانت هذه اللغة وسيلة طوع الحاجة لم تشكو تقصيراً أو عجزاً في نقل دخائر العلم والمعرفة.([4])
إنَّ قوة اللغة العربية من قوة مجتمعها، وإنَّ ما يطرأ عليه من ضعف وتقهقر لا بد أنْ ينعكس عليها بالركود والانكماش، وأنَّ قدرة اللغة العربية على التعبير ومرونتها في الأداء وطاقاتها باتجاه التجديد والإبداع كل ذالك مستمد من حيوية المجتمع وتجدد اهتماماته وتوسع مجالات اجتهاده.([5])
وقد بدأت الحملة على اللغة العربية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي تقريبا، وامتدت على أيدي كتاب ومفكرين أجانب ثم حمل لوائها كتاب من البلاد العربية، ولقد ترك هؤلاء الأجانب ذيولا من أبناء العرب ينهجون نهجهم في الحملة الحاقدة على اللغة العربية والنيل من قدرتها والتقليل من قدرها.([6]) ويرمي الممتنعون عن استخدام العربية من العلماء هذه اللغة بالقصور والتخلُّف نتيجة ما عانته في عصور الجهل العثماني الطويلة ولم تستطع العربية التخلص من هذا القصور بمحاولة المشاركة في العلوم، لأنَّ تلك العلوم قطعت شوطا بعيداً في الترقي، وهو شوط متزايد الاتساع. وتجلى أثر ذلك في فقر العربية في المصطلحات العلمية الدقيقة والمتزايدة في كل لحظة، وفي فقرها في الثروة العلمية الحديثة مؤلفة ومترجمة.([7])
والواقع أنَّ اللغة العربية قد تعرضت لكثير من الهجمات المختلفة، بعضها ولا شك يضمن نزعات تهديمية وعواطف منحرفة، وبعضها جاء نتيجة لقصور الإلمام بها، ولكن فيها أيضا ما يعود إلى النية الطيبة والملاحظة الحقيقية.([8])
فاليوم قد أفل نجم هذه اللغة وتعليميها في المدارس والجامعات الصومالية وانزوت في بعض حلقات المساجد، إلَّا أنَّ قليلا من الجامعات والمعاهد الشرعية بدأت على تدريسها لتستعيد حيويتها.
شهدت اللغة العربية خلال تاريخها في الصومال بالازدهار والانتشار بين أوساط المناطق الشعب الصومالي منذ ما بعد الاستقلال، فقد قام بعض الباحثين والمثقفين الصوماليين وهم حملة الثقافة العربية، وبذلوا أقصى جهدهم بإنشاء المدارس العربية، حيث ظهرت المؤسسات التعليمية والأنظمة الخاصة (الأهلية) مما أدَّى إلى انتشار المدارس العربية المدعومة من قبل الهيئات العربية، فهذه المدارس لها دور كبير في تعليم اللغة العربية وتدريسها.
و هنا سنعرض بعض المدارس الفعَّالة والتي لها دورها، وقد ساهمت هذه المدارس انتشار تدريس اللغة العربية منذ سقوط الحكومة المركزية في البلاد بعامة وفي العاصمة على وجه الخصوص.
مدارس تعليم العربية في عهد الاستعمار
وفي عهد الاستعمار وإنْ كانت هناك بعض المدارس نجد أنَّها لم تنشأ لخدمة المجتمع الصومالي وإنَّما نشأت لأغراض استعمارية ولم تكن تسير على النظم الحديثة للتربية. فلمَّا استولى المستعمرون على أرض الصومال بدأ بالإرساليات المسيحية بإنشاء بعض المدارس التابعة للكنيسة الكاثولكية في إيطاليا والبروستانيتية في انجلترا، ولكن تلك المدارس لم تجد اقبالا من قِبل الشعب الصومالي المتمسك بعقيدته الإسلامية، رغم اتباع المستعمرين بأساليب الخداع والتضليل وإغرائهم لبعض رؤساء القبائل بالأموال للسماح بدخول أبنائهم في تلك المدارس مع تعهُّدهم بعدم تدخل عقيدتهم الدينيَّة وقد بدأ النشاط التبشيرية في الشمال الذي كان تحتله بريطانيا في عام 1898م، حيث قامت بعثة فرنسية في نشر المسيحية بين الصوماليين بتأييد وتواطؤ من القوات الإنجليزية الحاكمة، وكانت أولى المدارس التبشيرية مدرسة بربرا التي كانت تحتوي على صومعة داخلية تنفث منها الصليبية سمومها، ومدرسة طايمولي الواقعة بين بربرا وشيخ. وقد أدرك الشعب الصومالي بخطورة تلك المدارس التبشيرية فهاجموا البعثة التبشيرية وأحرقوا كنائسها وطرد المنتصرين من الوطن نهائيا. ([9])
نشأة المدارس النطامية في عهد الاستعمار وبداية الاستقلال
ومن السمات البارزة للمدارس في نهاية عهد الاستعمار وبداية الاستقلال أنَّ المدارس كانت قليلة، ذلك الذي وطد ركن الجهل في البلاد، لأنَّه حليف الأميَّة ومؤيِّدها وعدوِّ التعليم وهدا تاريخ الاستعمار دائما، فإذا سمح بالتعليم فبسبب الضغط الرأي العام ومطالبه اللمحة بنشر التعليم، ومع ذلك فإذا سمح بشيء منه ففي حدود ضيِّقة لانَّه يقيِّد البرنامج بما يفقد روحها, فالاستعمار يكره محاربة الأميَّة، لأنَّ الجهل ييسر للاستعمار طريقة الحكم ويجعل المستعمرين أذِلَّاء منقادين لأوامره.([10])
ومن المعلوم في تاريخ التعليم في الصومال أنَّ العلم كان يدرس في المساجد والمراكز العلمية، إلى أن طرد الاستعمار الذي هاجم التعليم، وقامت بعد ذلك مدارس نظامية المدعومة من قبل هيئات خيرية عربية، وبعد سقوط الجكومة المركزية انتشرت تلك المدراس في أرجاء الصومال.
ومن المدارس النظامية والتي تأسست في عام 1936م متمثلة في المدارس اللغة العربية، فمدرسة معلم جامع بلال والتي جاءت لتلبية رغبات بعض الأهالي الصوماليين. وكان التعليم آنذاك فيها باللغة العربية ومدَّة الدراسة فيها خمس سنوات، وقد تعلَّم فيها الأستاذ الأكبر معلم جامع بلال في الجزيرة العربية وإليه يرجع الفضل في وضع أسس التربية في الجنوب، حيث بذل جهوداُ جبارة في نشر المعرفة بين أبناء الأمَّة، وتوعية الجماهير توعية وطنيَّة، رغم معارضه السلطات الاستعمارية، ومقاومتها لتأسيس هذه المدرسة، وقد دافع الشعب عن مدرسته، ووقف إلى جانب أستاذه ضد القوات الاستعمارية، وقد تخرَّج من هذه المدرسة الكثير من الزعماء الصوماليين الذين كان لهم دورلابارز في الحركات التحريرية وحكم البلاد. وفي عام 1938م افتتح مدرسة أهلية في بربرة، وكان يقوم بالتدريس فيها الأساتذة : محمود أحمد علي – الذي عرف بأبي التعليم – وحاج حسين حاج دعالي، والأستاذ طوره تحت إدارة المدرسين أنفسهم، ثم أغلقت مدرسة بربرا في أغسطس عام 1940م، عندما احتلت القوات الإيطالية الأقليم الشمالي.([11])
ومن المدارس العربية التي لها دور كبير في تعليم اللغة العربية مدرسة الإمام النووي – وهي من أبرز المدارس العربية الإسلامية الأهلية – والتي تم تاسيسها عام 1992م – وهي من ضمن مدارس جمعية التضامن الاجتماعي الصومالية -، ثم فتحت فروعا لها في معظم المدن الكبيرة في بونت لاند.. ووصل عدد مدارسها في العام 2012م اثنين وعشرين مدرسة يستفيد منها حوالي عشرة آلاف طالب وطالبة.([12])
ومن المدارس النظامية الأهلية العربية مدرسة الحكمة ( عبدالله عيسى ) وهي ثاني مدرسة بعد سقوط الحكومة المركزية والتي تم تأسيسها في عام 1995م، وكانت فكرة تأسيسها على يد شريف محمد عبدالله حسين الذي كان يتولى مدير هيئة هلال الأحمر الإماراتية لدى الصومال. وقد تخرجت أول دفعة في عام 1998م، وقد مرت بمراحل صعبة بعد انهيار الحكومة. وقد خرَّجت أكثر من 23 دفعة من عام 1998 – 2022م. وكانت اللغة العربية لغة التدريس فيها على جميع مستويات التعليم ( السلم التعليمي ). ومن المدراء الذين أداروها بروفيسور توحو.([13])