عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
د.مصطفى يوسف
عضو نشيط
رقم العضوية : 4449
تاريخ التسجيل : Oct 2016
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 7,757
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

د.مصطفى يوسف غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 07-27-2024 - 12:42 PM ]


الفتوى (4019) :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
لا أجد في جواب سؤالك خيرًا من قول الأنباري في "الإنصاف":
"ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز أن يقال "كنت أظن أن العقرب أشد لَسْعَةً من الزُّنْبُورِ فإذا هو إياها". وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز أن يقال: "فإذا هو إياها". ويجب أن يقال: "فإذا هو هي".
أما الكوفيون فاحتجوا بالحكاية المشهورة بين الكسائي وسيبويه، وذلك أنه لما قدم سيبويه على البرامكة، فطلب أن يجمع بينه وبين الكسائي للمناظرة؛ حضر سيبويه في مجلس يحيى بن خالد وعنده وَلَدَاهُ جعفر والفضل ومن حضر بحضورهم من الأكابر، فأقبل خلف الأحمر على سيبويه قبل حضور الكسائي، فسأله عن مسألة، فأجابه سيبويه، فقال له الأحمر: أخطأت، ثم سأله عن ثانية فأجابه فيها، فقال له: أخطأت، ثم سأله عن ثالثة، فأجابه فيها، فقال له: أخطأت، فقال له سيبويه: هذا سُوءُ أدب، قال الفراء: فأقبلت عليه وقلت: إن في هذا الرجل عجلة وحدّة، ولكن ما تقول في من قال "هؤلاء أبُونَ، ومررت بَأبينَ" كيف تقول على مثال ذلك من "وأيت" و"أويت" فقدَّر فأخطأ، فقلت: أعِدِ النظر، فقدّر فأخطأ، فقلت: أعِدِ النظر، فقدّر فأخطأ، ثلا ث مرات يجيب ولا يصيب. فلما كثر ذلك عليه قال: لا أكلمكما أو يحضر صاحبكما حتى أناظره، قال: فحضر الكسائي فأقبل على سيبويه فقال: تسألني أو أسألك؟ فقال: بل تسألني أنت، فأقبل عليه الكسائي فقال: كيف تقول: كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي، أو فإذا هو إيَّاهَا؛ فقال سيبويه: فإذا هو هي، ولا يجوز النصب؟ فقال له الكسائي: لحنت، ثم سأله عن مسألة من هذا النحو نحو "خرجت فإذا عبد الله القائم، والقائم" فقال سيبويه في ذلك بالرفع دون النصب، فقال الكسائي: ليس هذا من كلام العرب، والعرب ترفع ذلك كله وتنصبه، فدفع ذلك سيبويه، ولم يجز فيه النصب، فقال له يحيى بن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما فمن ذا يحكم بينكما؟ فقال له الكسائي: هذه العرب ببابك قد اجتمعت من كل أوب؛ ووفدت عليك من كل صُقْع، وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المِصْرين، وسمع أهل الكوفة والبصرة منهم؛ فيحضرون ويسألون، فقال له يحيى وجعفر: قد أنصفت، وأمر بإحضارهم، فدخلوا وفيهم أبو فَقْعَس وأبو زياد وأبو الجراح وأبو ثَرْوَان، فسئلوا عن المسائل التي جرت بين الكسائي وسيبويه، فوافقوا الكسائي، وقالوا بقوله، فأقبل يحيى على سيبويه فقال: قد تسمع، وأقبل الكسائي على يحيى: وقال أصلح الله الوزير! إنه وَفَدَ عليك من بلده مؤملًا، فإن رأيت أن لا ترده خائبًا، فأمل له بعشرة آلاف درهم، فخرج وتوجه نحو فارس، وأقام هناك، ولم يعد إلى البصرة.
فوجه الدليل من هذه الحكاية أن العرب وافقت الكسائي، وتكلمت بمذهبنا، وقد حكى أبو زيد الأنصاري عن العرب "قد كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو إياها" مثل مذهبنا؛ فدل على صحة ما ذهبنا إليه.
وأما من جهة القياس فقالوا: إنما قلنا ذلك لأن "إذا" إذا كانت للمفاجأة كانت ظرف مكان، والظرف يرفع ما بعده، وتعمل في الخبر عمل وَجَدْتُ؛ لأنها بمعنى وجدت.
وقد قال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: إن "هو" في قولهم "فإذا هو إياها" عماد، ونصبت "إذا لأنها بمعنى وَجَدْتُ على ما قدمناه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز إلا الرفع لأن "هو" مرفوع بالابتداء، ولا بد للمبتدأ من خبر، وليس ههنا ما يصلح أن يكون خبرا عنه، إلا ما وقع الخلاف فيه، فوجب أن يكون مرفوعا، ولا يجوز أن يكون منصوبا بوجه ما؛ فوجب أن يقال "فإذا هو هي" فهو: راجع إلى الزنبور لأنه مذكر، وهي: راجع إلى العقرب لأنه مؤنث.
أما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما رووه عن العرب من قولهم: "فإذا هو إياها" فمن الشاذ الذي لا يُعْبَأ به كالجزم بلن والنصب بلم وما أشبه ذلك من الشواذ التي تخرج عن القياس، على أنه قد روي أنهم أُعْطُوا على متابعة الكسائي جُعْلًا؛ فلا يكون في قولهم حجة لتطرق التهمة في الموافقة.
وأما قولهم: "إن إذا إذا كانت للمفاجأة كانت بمنزلة وَجَدْتُ" فباطل؛ لأنها إن كانت بمنزلة وجدت في العمل فوجب أن يرفع بها فاعل وينصب بها مفعولان كقولهم "وجدت زيدًا قائمًا" فترفع الفاعل وتنصب المفعولين، وإن قالوا إنها بمعنى وجدت، ولا تعمل عملها كما أن قولهم: "حَسْبُكَ زيدٌ" بمعنى الأمر وهو اسم وليس بفعل، وكقولهم: "أحسن بزيد" لفظه لفظ الأمر وهو بمعنى التعجب، وكقولهم: "رحم الله فلانا" لفظه لفظ الخبر وهو في المعنى دعاء، وكقوله تعالى في قراءة من قرأ بالرفع: {لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِهَا} [البقرة: ٢٣٣] لفظه لفظ الخبر والمراد به النهي، وكقوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: ٩١] أي: انْتَهُوا، لفظه لفظ الاستفهام والمراد به الأمر، وكقوله تعالى: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} [مريم: ٧٥] لفظه لفظ الأمر والمراد به الخبر، وكقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ} [البقرة: ٢٣٣] أي: ليرضعن، لفظه لفظ الخبر والمراد به الأمر، إلى غير ذلك من الأماكن التي لا تحصى كثرة، فكذلك نقول نحن ههنا: "إذا" بمعنى وجدت وهي في اللفظ ظرف مكان، وظرف المكان يجب رفع المعرفتين بعده، فوجب أن يقال "فإذا هو هي".
وإن قالوا "إنها تعمل عمل الظرف وعَمَلَ وجدت؛ فترفع الأول لأنها ظرف وتنصب الثاني على أنها فعل ينصب مفعولين" فباطل؛ لأنهم إن أعملوها عمل الظرف بقي المنصوب بلا ناصب، وإن أعملوها عمل الفعل لزمهم وجود فاعل ومفعولين، وليس لهم إلى إيجاد ذلك سبيل.
وأما قول أبي العباس ثعلب "إن هو في قولهم فإذا هو إياها عماد" فباطل عند الكوفيين والبصريين؛ لأن العماد عند الكوفيين -الذي يسميه البصريون الفَصْلَ- يجوز حذفه من الكلام، ولا يختلّ معنى الكلام بحذفه، ألا ترى أنك لو حذفت العماد الذي هو الفصل من قولك "كان زيد هو القائم" فقلت "كان زيد القائم" لم يختل معنى الكلام بحذفه؛ وكان الكلام صحيحًا، وكذلك سائر الأماكن التي يقع فيها العماد الذي هو الفصل يجوز إثباته وحذفه، ولو حذفته ههنا من قولهم: "فإذا هو إياها" لاختلَّ معنى الكلام وبطلت فائدته؛ لأنه يصير "فإذا إياها" وهذا لا معنى له ولا فائدة فيه؛ فبطل ما ذهبوا إليه. والله أعلم".
اللجنة المعنية بالفتوى:
المجيب:

أ.د. محمد جمال صقر
(عضو المجمع)
راجعه:
د.مصطفى شعبان
(عضو المجمع)
رئيس اللجنة:
أ.د. عبدالرحمن بودرع
(نائب رئيس المجمع)


رد مع اقتباس