عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
شمس
مشرفة
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,075
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

شمس غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-18-2024 - 12:02 PM ]


أمثال العوام:

والناظر في كتب الأدب والسَّمَر والثقافة العامة يرى كيف تناثرت في صفحاتها جملة مُستملَحة من أمثال العامة ونوادرهم وطرائف أقوالهم مما ينشِّط القارئ ويتنقل به في حدائق الأدب من لون إلى لون. ومع ذلك، فكما وجدنا كوكبةً من الأدباء قاموا بجمع الأمثال العربية القديمة وترتيبها في كتب جليلة؛ كأبي عُبَيد القاسم بن سلَّام وأبي عُبَيد البكري وحمزة الأصفهاني والزمخشري والعسكري والثعالبي والمَيداني والحسن اليوسي... فحفظوا بها لونًا من ألوان النثر العربي المبين، فكذلك نهض عدد من الأدباء القدماء فتلقَّطوا من أفواه العامة أمثالهم الدائرة على ألسنتهم وجمعوها في كتب مرتَّبة، فخلَّفوا لنا بذلك إرثًا ثقافيًّا ولغويًّا لا يمكن إغفاله، فألف أبو بكر الخوارزمي (ت 383هـ) كتاب (الأمثال المولَّدة). ونجد في (حكاية أبي القاسم البغدادي) للمطهَّر الأَزْدي، وهو من رجال المئة الرابعة للهجرة، جملةً من أمثال أهل بغداد وأقوالهم. ومن هذه الكتب (رسالة الأمثال البغدادية التي تجري بين العامة) للقاضي أبي الحسن الطالَقاني المتوفى في النصف الأول من القرن الخامس الهجري.

وفي الأندلس نقع على كتاب (رَيُّ الأُوَام ومَرعى السَّوَام في نُكَت الخواصِّ والعوام) لمؤلفه الزجالي القرطبي (ت 694هـ)، فقام الدكتور محمد بن شريفة بانتثال عدد ضخم من الأمثال الواردة فيه وجعله في كتاب سمَّاه (أمثال العوام في الأندلس) وأوسعه بالشروح والتعليقات، فحفظ لنا بذلك صورة المجتمع الأندلسي وملامح لهجته بكل ظواهرها الصوتية والأسلوبية. ثم جاء بعده ابن عاصم الغرناطي (ت 829هـ) فألف كتاب (حدائق الأزاهر) خصَّص فيه الحديقة الخامسة للأمثال الأندلسية مرتبة على حروف المعجم دون أن يمسَّها بتفصيح أو تنقيح، متَّبعًا بهذا الصنيع طريقة سلفه الزجالي. ثم لا ننسى الأَبْشِيهي (ت 850هـ) الذي خصَّص الفصل الثالث من الباب السادس من كتابه (المستطرَف) لأمثال العامة والمولَّدين.

وبإطلالة سريعة على العصر الحديث نجد العلَّامة المحقق أحمد تيمور باشا قد وضع كتابين اثنين في الأدب الشعبي هما (الأمثال العامية) و(الكنايات العامية). وأما عميد الرحَّالة العرب الشيخ محمد بن ناصر العبودي فقد أتحف مكتبة التراث الشعبي بكتاب في غاية الأهمية هو (الأمثال العامية في نجد) بأجزائه الخمسة، وزوَّد كل مثل بالشرح اللغوي والدلالي مع ربطه بما أُثِر عن العرب في معناه. ثم تلا تلوه العلَّامة اللغوي خير الدين الأسدي فأضاف كتابًا جليل القدر عظيم الفائدة هو (موسوعة حلب المقارنة) في سبعة أجزاء، التزم فيها المنهج المعجمي في تفسير الألفاظ العامية وردِّها إلى أصولها، ثم ضمَّنها الآلاف من المنطوق العامي المتداول في معظم بلاد الشام من أقوال وأمثال وحكم وتهكُّمات، بالإضافة إلى طائفة مما أبدعه الخيال الشعبي من صور بيانية كالتشبيهات والكنايات والاستعارات. وما أظن بلدًا عربيًّا خلا من باحثين استهواهم الأدب الشعبي فنهضوا يسجِّلون تراث بلدهم اللامادِّي وفي مقدمته الحِكَم والأمثال ونوادر الحكايات.

وأعود إلى جدل التراث فيتلامح أمامي نصٌّ لا يخلو من طرافة، كما لا يخلو من فائدة، نص مُهادن سَمْح يظهرنا على قرب المسافة بين متحاورَين اثنين تتعاظم المودَّة بينهما كلما استمرَّ الجدل وتواصل الحوار.

ففي (البصائر والذخائر) 9/ 50 سرد أبو حيان التوحيدي نُتفًا من معتقدات العامة الخرافية فقال: "وهذه النُّتف بعضها مسموع من العامة، وبعضها مروي عن الخاصة التي تروي عن العامة". أفلا نرى في عبارته هذه دليلًا ساطعًا على أن الخاصة كانت تستلطف ما يزلُّ عن ألسنة العامة من طرائف الأمثال ونوادر المعتقدات، ثم ترويها في مجالس العلم ومنتديات الأدب على أنها جزء من الثقافة العامة المشتركة! إنه أبو حيان الذي تتردَّد في مؤلفاته مختلِف الأصوات المعرفية في عصره الذهبي الناضج. ثم يستعرض بعضَ هذه المعتقدات، فمنها قولهم: (وإن حكَّه أنفُه قال: أكل لحم). فيُنَصِّب أبو حيان نفسه محاميًا عن هؤلاء العوام ويعقِّب بقوله: "هكذا يقولون، فلا تؤاخذ العامة في اللحن، فإن الصواب في المعنى والإعراب في اللفظ عَرِيَّان من قُضاتك وعُدولك وشيوخك".

المستوى التطبيقي:

وعلى المستوى التطبيقي دعونا نتلمَّس بعض اللوحات التراثية التي حفظتها لنا كتب الأدب أنتقي منها واحدةً فقط، فهذا ابن خَلِّكان يحدثنا في (وَفَيات الأعيان) 3/ 108 عن ابن برِّي (ت 582هـ) أحد علماء العربية النابهين، الذي كان قد أُوكِلَ إليه التصفُّح في ديوان الإنشاء، لا يصدر كتاب عن الدولة إلى ملوك النواحي إلا بعد أن يتصفَّحه ويصلح ما فيه من خلل خفي، فيذكر ابن خلكان أنه كان "لا يتقيَّد في كلامه بالإعراب، بل يسترسل في حديثه كيفما اتفق، حتى قال يومًا لبعض تلامذته: اشترِ لي قليل هِندبا بعروقو. فقال له التلميذ: هندبا بعروقِهِ؟ فعزَّ عليه كلامه، وقال له: لا تأخذه إلا بعروقو، وإن لم يكن بعروقو فما أريده".

ونعرف أن هاء الغائب تقلب في معظم عاميات الأقاليم العربية واوًا، ثم استفاض هذا القلب على ألسنة الخواص والعوام في كلامهم الدارج، ووجد له في الأزجال والمواويل وفنون الغناء الشعبي مرتعًا خصيبًا، حتى إن المنظِّرين لفنِّ الزجل والمقعِّدين للغته قرروا أن إبقاء الهاء على حالها يعدُّ من الأخطاء المَعيبة فيه.

نعود إلى الأمثال العامية، ونعجب من المَيداني كيف كان في غاية العدل والإنصاف حين ألحق كل باب من أبواب كتابه (مجمع الأمثال) بطائفة من أمثال المولَّدين التي كان للعامة حظ واسع في إبداعها، ألأنها لا تختلف عن الأمثال الفصيحة في كونها صورةً مجلِّية للتفاعل الديني والاجتماعي والثقافي في المجتمع العربي الإسلامي؟ أم لأنها أيضًا ذات بُنى إيقاعية جمالية مميزة وإن مالت إلى التساهل في بعض المفردات والتراكيب؟ أم لقوة تأثيرها وقدرتها على اقتحام مواقع أهل الفصاحة والبيان، بحيث نراهم لا يتعفَّفون عن توظيفها في نثرهم وشعرهم على حدٍّ سواء؟

فقد روى المقَّري في (نفح الطِّيب) 1/ 463 عن الحضرمي أحد أدباء الأندلس أنه أقام في سوق الكتب بقرطبة مدَّة يبحث عن كتاب معين له به اعتناء، حتى عثر عليه بخطٍّ جيد وتسفير مليح، ففرح به، فإذا بشخص عليه لباسُ رياسة أخذ يزيد في ثمنه حتى عَجَز الحضرمي عن الزيادة، وعلم أن هذا الشخص ليس بعالم ولا فقيه، وإنما أراد بهذا الكتاب أن يجمِّل خزانة كتبه بين أعيان البلد، فأُحرج الحضرمي واغتمَّ، وقال له: "نعم، لا يكون الرزق كثيرًا إلا عند مثلك، يعطي الجوز مَن لا عِنده أسنان، وأنا الذي أعلم ما في هذا الكتاب، وأطلب الانتفاع به يكون الرزق عندي قليلًا، وتَحُول قلَّة ما بيدي بيني وبينه".

فلننظر كيف نزل هذا المثلُ العامي في موقعه من سياق الكلام وكأنه جزء منه أو قطعة من تكوينه! ثم لننظر كيف أنه موغل في القِدَم وإن كان لا يزال شائعًا بصيغ متقاربة!

بل قد تتَّسعُ دلالة المثل العامي حين الاستشهاد به إلى فضاء التأويل الصوفي دون الإخلال بمنطوقه اللفظي، فمن جملة هذه الفيضيات يقول المتصوِّف الشاذلي سيدي علي وفا (ت 807هـ) في كتابه (المسامع) ص91: "اسمع: ﴿ خَلَقَ الإنسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخَّار ﴾ [الرحمن: 14] لا يتدرَّج إلى كماله إلا بذوق حكم جماله ثم جلاله، كالفخَّار، لولا انكسارُه ما توسَّعت أطواره، أما سمعتَ الناس، وألسنةُ خلقهم أقلامُ حقهم، يقولون: لولا الكاسورة ما عمرت الفاخورة؟! فلولا الانخرام ما تجدَّد نظام، من لم تنكسر أنَفَةُ نفسِه، لم يجد الفخرَ بروح أُنسِه".

ويعود في كتابه الآخر (الواردات الإلهية) ص19 فيستشهد بمثل عامي يتطاول إلى القرن السابع الهجري، فيقول وهو يعلِّق على الآية الكريمة: ﴿ وما على الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِم مِن شَيءٍ ﴾ [الأنعام: 96] ويعيد الضمير في (حسابهم) إلى المتقين لا إلى الذين يخوضون في آيات الله: "فحسابهم تنبيه لمن ضاق وقتُ صلاته وهو نائم، من باب: الكلام لك يا كنَّة واسمعي أنت يا جارة".

صِلةٌ وَثيقة:

العامية إذًا بكل تجلِّياتها التعبيرية ليست لغةً مستقلة ولا منفصلة عن أمها الرؤوم الفصحى، إنها ابنتها وربيبتها، من ضروعها تغتذي، ومن أحواضها تستقي، وإن أغراها الطمعُ فيما بعد فاشتطَّت وتمادت، وتجرأت على التحريف والتبديل، وطبعت نفسها بطوابعَ إيقاعية خاصة، فأمالت، وفخَّمت، وأهملت الإعراب فسكَّنت، واختزلت، وخففت الهمز، وتصرفت في النحت والاشتقاق على غير قانون نحوي ولا قاعدة صرفية، وتوسعت في دلالة العبارة الفصيحة كما شاء لها الفهم والدراية والتصرف.

في المثل العامي التهكُّمي الذي اختطفته العامة من أفواه الفصحاء منذ القديم، وهو قولهم: "عذر أقبح من ذنب" أورد المعافى بن زكريا في كتابه (الجليس الصالح) 4/ 42 قولَ الشاعر:
رُبَّ حَقيرٍ منَ الذُّنوبِ
عَظَّمَه العُذرُ في القُلوبِ
أبداهُ ذو غَفْلةٍ وخُرْقٍ
فجاء يُوفي على الخُطوبِ

ثم أتبعه بقوله: "وقد ابتذلت العامة هذين المثلين: عذرُه أشدُّ من ذنبه، واضربه على ذنبه مئة وعلى عذره مئتين".

ومصطلح (الابتذال) الذي استخدمه المعافى واستخدمه غيره أيضًا لهذا الأمر كان كثيرًا ما استخدمه أبو عُبيد القاسم بن سلَّام (ت 224هـ) في (كتاب الأمثال) الذي غَصَّ بأمثال العامة مقرونة بأمثال الخاصة، ففي ص372 أورد المثل: "أسرعُ مِنْ نِكاحِ أُمِّ خارجة" ثم قال: وهذا مثل قد ابتذلته العوام. وكذلك وقع في كلام المَيداني في (مجمع الأمثال) 1/ 307 إذ قال بعد أن أورد المثل "رَباعيُّ الإبل لا يَرتاعُ من الجرس": هذا مثل تبتذله العامة".

وابن سلَّام ومن جاء بعده لا يَعْنون بالابتذال ما عَلِقَ في أذهاننا من الدلالة على الاستقباح والتحقير والإساءة، وإنما عنَوا به أن العامة أشاعوه وكثر استخدامهم له في الساحات الغاصَّة، بعد أن كان مقصورًا على مجالس الخاصَّة، وبمعالجة بنائية ماهرة أعادوا إنتاجه، ثم جعلوه بِذلة يحقُّ لسائر أفراد المجتمع أن يردِّدوه ويستشهدوا به.

ومن نوادر تصرُّفات العامة بالكلام الفصيح ما تنبَّه إليه المعافى بن زكريا أيضًا في كتابه (الجليس الصالح) 4/ 24، فكلُّنا يسمع أو يردِّد قول أهل حلب وسواهم: "أنا عاجنك وخابزك". ويريدون بهذه العبارة التي تقترب من الأداء الكنائي: أني جرَّبتك كثيرًا وعرفتك، ولن يخفى عليَّ خداعك ولا احتيالك. فاسمعوا ما قال المعافى وهو من رجال القرن الرابع الهجري: "يُقال: عَجَمتُ العُودَ أعجُمه عَجْمًا: إذا عضَضتَه، ويقال: عَجَمتُ العُودَ لأعرف صلابته. ومن كلام الخاصة: عَجَمتُه وخَبَرتُه، يشيرون إلى هذا المعنى. فقلَبَته العامة وصحَّفَته فقالوا: عجَنْتُه وخبَزْتُه، وقصدوا هذا المعنى وأتَوا بلفظ مشاكل، وإن كانوا أحالوا الكلام عن أصله". فانظروا ممَّ نعجَب، أمِن تاريخ هذه العبارة الذي تجاوزَ الألف عام؟! أم من المعافى بن زكريا حين التقطَها وحلَّلها بفِطنته وبلاغته اللغوية، وحفظها لنا إلى اليوم؟! أم من العامة حين يتجرؤون ويتفنَّنون بالتحرُّش بالكلام الفصيح!

وأهل اليمن لا يزالون يقولون إلى اليوم: هذا خَبزي وعَجني. فيعدونه مثلًا يضرب لمن اختبرته تمامًا وعرفت سلوكه، فلا يستطيع أحد أن يقنعك باستقامته. أما أهل نجد، كما عند الشيخ محمد بن ناصر العبودي في (الأمثال العامية في نجد) 2/ 452، فيكتفون بقولهم: خَبز يدي. وقال: أي كالرغيف الذي خبزته بيدي. يقوله الرجلُ في وصف من يعرفه حقَّ المعرفة. وكأن هذا المثل يحتكُّ بالمثل العربي: "أتُعْلِمُني بضَبٍّ أنا حَرَشتُه!". أي: أخرجته من جُحره فاصطدته.

وعلى هذا فبين المأثور العامي والمأثور الفصيح تعالق وتعاشق، وتبادل خبرات وتوريث مقتنيات، حتى إن بعض العبارات المتداولة اليوم والضاربة في عُمق التاريخ لا نعبأ بمعرفة مخترعها الأول، ومزيح الستار عن وجهها البهي.

فمن هذه العبارات كناية كثيرًا ما لامست أسماعنا، وهي قول أحد العامة: عدَّى على راسي كتير. يريد: بَلَوتُ الكثير من المصائب والمحن. واختاروا الرأس لأنه موضع الأثقال المعنوية لا الكتف التي هي موضع الأثقال المادية. فمنذ القرن الثاني الهجري نسمع أبا نُواس يتشكَّى فيقول:
كَفَاكَ ما مرَّ على راسي
مِنْ شادِنٍ قَطَّع أنفاسي
أكثرُ ما أبلُغُ مِنْ وَصْفِهِ
تحَدُّثي عن قلبِهِ القاسي

ومن القرن الرابع يُطل علينا أبو بكر الخُوارِزْمي فيقول في بعض رسائله ص186: "ومرَّ على رأسي ما لو مرَّ على رأس الشابِّ لشاب، ولو نزل بالحديد لذاب". ومن الأخبار الطريفة التي رواها الصُّولي في (أدب الكُتَّاب) ص109 أن رجلًا من الكُتَّاب كان يهوى مغنِّيةً ويكاتبها، فكانت تخرِّق كتبه وتأمره بتخريق كتبها؛ مخافةَ أن تقعَ الكتبُ في يد أحد فيُفتَضَح أمرُهما، فكتب إليها: إني أحتفظ بكتُبكِ وتتهاوَنين بكتبي فتخرِّقينها! فكتبت إليه تلومه:
ياذا الذي لامَ في تخريقِ قِرْطاسي
كم مرَّ مثلُكَ في الدُّنيا على راسي
الحَزمُ تخريقُهُ إن كنتَ ذا نظَرٍ
وإنما الحَزمُ سوءُ الظنِّ بالناسِ

خُلاصة القول:

ما الذي يمكن أن نخلص إليه مما تقدَّم؟

هل عانى أجدادُنا منذ العصور العباسية، عصور الاستقرار المديني والازدهار الحضاري ما يسمَّى بازدواجية اللغة بحيث أثَّرت في ملكاتهم الإبداعية وتوثبهم المعرفي، سواء في مجال العلم أو في مجال الأدب؟ أم إنهم نظروا بعين العقل إلى هذه الازدواجية فعدُّوها من سُنن الحياة وقوانين التطور، فتركوا للعامة أساليبهم في الخطاب اليومي وانصرفوا إلى ثوابت الفصحى وأصالة مكوِّناتها وطواعية أساليبها، فجعلوها حاضنًا مكينًا لما تفتَّقَت عنه عقولهم وقرائحهم في مختلِف العلوم والفنون؟


يقول عباس محمود العقاد في كتابه (ساعات بين الكتب) ص131: "إن في كل أمة لغةَ كتابة ولغةَ حديث، وفي كل أمة لهجة تهذيب ولهجة ابتذال، وفي كل أمة كلام له قواعد وأصول، وكلام لا قواعد له ولا أصول، وسيظل الحال على هذا ما بقيت لغة وما بقي ناس يتمايزون في المدارك والأذواق".

ولا يخفى على الباحث أن العامية في العهود المملوكية وما قبلها ليست كعاميتنا اليوم، فالعامة في تلك العصور كان لديهم حظٌّ من الثقافة العربية الشفوية التي كانوا يكتسبونها من حَلَقات المساجد ومجالس العلم ومخالطة أهله، ولا سيَّما ما يتعلَّق بالأقوال المأثورة التي تتخلَّل الأحاديث ويحلَّى بها الكلام.

ومع توسُّع الاهتمام بالعامية في عصرنا الحاضر بسبب توسع الاهتمام بخصائص الشعوب ومقوِّماتها النفسية والذهنية والاجتماعية، ونموِّ الدراسات الخاصَّة بالتراث اللامادي والسعي إلى حفظه بأنواعه المتعدِّدة، فإن العامية كانت ولا تزال أضعفَ من أن تزاحم الفصحى في مواقعها المكينة، وأن تكون خطرًا عليها، وإنما الخطر يكمن في هجوم لغات أُخرى طرقت حصوننا منذ بدأت هجَمات الغزاة والمحتلِّين، سواء أكانت هجَماتٍ عسكريةً أم ثقافية، إذ اللغة ليست مجرَّدَ تسميات للملابس والأزياء أو لأدوات المطبخ وغيرها، وإنما هي حاملٌ لقيم غريبة وتفكير مستجد وأنماط مستحدَثة في المعتقد والسلوك.

هذا ابن حزم الأندلسي الفقيه ينبِّه على هذا الأمر الخطير وينذر به منذ عهد بعيد في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) 1/ 32 فيقول: "فإن اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها، ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم، أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم، فإنما يقيِّد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوةُ دولتها، ونشاط أهلها وفراغهم، فأما من تَلِفَت دولتهم، وغَلَب عليهم عدوُّهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذلِّ وخدمة أعدائهم، فمضمون منهم موتُ الخواطر، وربما كان ذلك سببًا لذهاب لغتهم، ونسيان أنسابهم وأخبارهم، وبيود علومهم، هذا موجود بالمشاهدة، ومعلوم بالعقل ضرورة".




المصدر

رد مع اقتباس