تابع ما قبله:
(حرف القاف ومخالسة اللهجات)
إن حرف القاف، منذ عرف العربي ألفاظه، لم يكن على وتيرة واحدة في الأقاليم العربية في جزيرة العرب؛ فالجنوبي يؤديه بطريقة لا تتفق مع أخيه الشمالي، والشرقي ينطقه بصيغة مغايرة لما عليه أخوه في الغرب، وحفلت المعاجم بنُقُول مختلفة لأصوات البيئات واللهجات المتعددة، ولكنها أبقت على أصله، ولم تدعُ إلى وضع رسم له حسب كل بيئة، أو تفصل بين مخارجه رغم ثبوت تعددها، لسبب واحد هو أن العرب اجتمعوا على لغة قريش التي هي أفصح اللغات، فاستقروا على قبولها واعتمادها في أيامهم وتجمعاتهم الموسمية، التعبدية أو غيرها، وبها نزل القرآن الكريم ولم يختلفوا أو يتنازعوا حول تباين لهجاتهم، وإلا لكنا اليوم في جدال حول ما نراه ونسمعه من لهجات غريبة وقلب للحروف.
أما التحول الصوتي الحادث في بعض البلدان العربية التي تضم أخلاطاً من الناس، تتنوع أعراقها وأجناسها، لتخرج بلهجة أقل ما يقال عنها إنها ليست عربية ألبتة، فقد أوصلنا إلى أن نرى بعض المنسوبين إلى العربية، وربما كان فيهم غير العرب، يقلبون الظاء زاياً مفخمة، والذال زاياً مرققة، والثاء سيناً، والقاف همزة، والجيم قافاً، بمنهج أحالها إلى منحى فطري يتوارثه أبناؤهم، وهؤلاء لا يدخلون في موضوع بحثنا هنا، لأنهم خرجوا على اللغة ولم يطبقوا مخارج حروفها تبعاً لأصولها، ولكننا لو دعونا كما يدعو بعض المنجرِّين وراء الدراسات الصوتية واللسانيات لأقررنا لها بالأصالة والسيادة، وربما تبنينا لها منهجاً كتابياً كما رأيناه لدى دعاة تَبْقِيط حرف القاف.
لقد تهيب علماء أجلاء الخوض في لهجة العوام منذ قرون مضت، وهم لهم باع طويل وقدم سبق في استيعاب أحوال اللغة ومداليلها وما تؤول إليه، فلم يجرُؤوا على معالجة شيء يمت إلى العامية بصلة، وهم يرون أنه ينأى بأصول اللغة النقية عن أركانها وقواعدها وجذورها، مع أننا وجدناهم يتمثلون في أبيات لهم نظموها بلهجتهم الدارجة، ويوردونها في بعض كتبهم، يستملحونها ويروحون بها تحميضاً من جدية بعض النصوص التي ينقلونها، فهم يحترزون من الثناء عليها، ولا يتناولون جوانبها البنائية مقارنة لها بالشعر الرصين المحكم، وأنفة من مداناة غيره إليه. فما بالنا نرى بيننا اليوم من يتنصل من أمانته ويتحلل من موروثه ليستبدله بالأدنى؟!
والله الهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سلسلة دعوة الحق. س6. ع60. ربيع الأول. 1407هـ. إدارة الصحافة والنشر برابطة العالم الإسلامي. (اللسان العربي والإسلام، معاً في معركة المواجهة). تأليف د. السيد رزق الطويل. ص43.
(2) د.محمد محمد حسين. حصوننا مهددة من داخلها.ص218.ط12-1413هـ.دار الرسالة. مكة المكرمة.
(3) السابق 233.
(4) السابق بتصرف.
(5) د.تمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها ص51-52، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط3/1985م.
(6) السابق 54-55.
(7) السابق.ص60.
(8) د.أحمد مختار عمر. دراسة الصوت اللغوي 341-344. عالم الكتب/القاهرة.1411هـ-1991م.
(9) د. علي سيد أحمد جعفر، مصطلحات صوتية غامضة. ص118-121. من منشورات مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية. ط1-1434هـ.
(10) السابق.121.
(11) السابق.121.
(12) د.عيد محمد الطيب. لهجات العرب وامتدادها إلى العصر الحاضر. ط1415هـ-1994م. بلا دار نشر. المطبعة الإسلامية الحديثة. القاهرة.
(13) مجلة جامعة أم القرى.س6.ع8. 1414هـ-1993م. بحث للدكتور محمد خضر عريف. ص63-106.
(14) د.عبد القادر المهيري. نظرات في التراث اللغوي العربي. ص185-186. ط1. 1993م. دار الغرب الإسلامي. بيروت لبنان.
(15) أ.د.سليمان بن إبراهيم العايد. محاضرات في اللغة العربية.ج1. ص93-128. منشورات مكتبة الرشد. غُفْل من الطبعة، إلا أنه بعد1430هـ.
(16) مجلة جامعة أم القرى. س10. ع16. 1418هـ. ص377-379.
(17) د.محمد محمد حسين. حصوننا مهددة من داخلها.ص224-225.ط12-1413هـ.دار الرسالة. مكة المكرمة.
* هذا البيت الذي يستشهد به أو يتمثل به بعض دارسي صوت القاف لا يستحق مجرد الالتفات، فهو ضعيف المعنى والمبنى ولا يحمل أية دلالة شعرية، فمأخذه سوقي وضيع تنأى ذائقة المتلقي عن سماعه، وتنفيه وتأنف منه، فكيف نستشهد به لتأصيل لغوي؟!.
صالح بن إبراهيم بن صالح العوض.
الرس - 1435/8/25هـ.