عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
صالح بن إبراهيم العوض
عضو المجمع
رقم العضوية : 275
تاريخ التسجيل : Oct 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 111
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

صالح بن إبراهيم العوض غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 06-23-2014 - 05:23 PM ]


تابع ما قبله:


(حرف القاف ومخالسة اللهجات)




وبما أن قسماً كبيراً من الألسن الدارجة في العربية ينطق أصحابها بقاف مجهورة، أمكننا الاعتقاد – على سبيل الاحتمال والترجيح – بأن القاف كان فعلاً حرفاً مجهوراً في العربية القديمة، ويمكن أن يكون نطقه مهموساً في اللهجات الحضرية المدنية، لأن أغلبية المثقفين اليوم هم من أصل مدني. وبخلاف ذلك، فإن اللهجات التي صارت القاف القديمة فيها حرفاً مجهوراً هي لهجات بدوية.(9)
ثم يسوق أ.د.علي جعفر نقلاً، أظنه عن جان كانيتو، فقد ألبس في نُقُولِه:
"وأما القاف القديمة التي بقيت في لهجات البدو الرحَّل بشمال الجزيرة العربية كلهجة الرقة الواقعة على الفرات الأوسط، وأغلبية لهجات الصحراء الجزائرية، ولهجة قبيلة الموالي، فتفزع إلى الانقلاب غينات، فكثيراً ما سمعناهم يقولون: (الغائد) عِوَض (القائد)، و(عبد الغادر) عِوَض (عبد القادر)". (10)
ثم يواصل تحديده إقليمياً للقاف الحديثة فيقول:
"وهي لهجة أوضح ما تكون على ألسنة إخواننا السودانيين، بل يتميزون بها تميزاً واضحاً، كما نسمعها بشيء من الوضوح على ألسنة منطقة البحرين وما حولها من الخليج العربي، وفي نطق أبناء اليمن الجنوبيين، خصوصاً من كان منهم في جهة الشرق، حيث منطقة حضرموت وما جاورها. ولعل هذه المناطق كانت هي الأصل الأصيل الذي هاجر منه فروع من القبائل العربية جهة الشمال (الرقة) والشرق[لعله يقصد الغرب] ( السودان)، والشمال الغربي ( صحراء الجزائر وموريتانيا).(11)
وفي تناول د.عيد محمد الطيب للقاف في كتابه: "لهجات العرب وامتدادها إلى العصر الحاضر" يختصر كثيراً مما قيل عنها إذ يقول تعليقاً على حديث أبي علي الفارسي عن قاف رأى أنها مذمومة غير مستحسنة:
"فأما بنو تميم فإنهم يلحقون القاف باللهاة حتى تغلظ جداً فيقولون: الكَوم (كذا) بين الكاف والقاف، وهذه لغة فيهم، قال الشاعر:
ولا أكَول لكَدر الكَوم كَد نضجت ولا أكَول لباب الدار مكَفول*
هكذا جاءت في كتابه، ولعله أراد بها تلك القاف التي نجدها في البيئات البدوية من الوطن العربي، وفي لهجات الصعيد، أسيوط وسوهاج وقنا وأسوان، حيث تنطق القاف على صورة الجيم السامية القاهرية اليمنية مع شيء من التفخيم. فكان عليه أن يكتبها بكاف فارسية أو كاف بثلاث نقاط تحتية كما فعل الصغاني، لكن حتى مع هذا الرسم، قد يفوته التفخيم اليسير الملحوظ في نطقها.
ومع هذا فهذه القاف كما نلاحظ نطقها اليوم ليست من اللهاة، بل هي من منطقة متقدمة قليلاً فهي من مخرج الكاف لكنها تتميز منها بالجهر وشيء من التضخيم.
قد يقال هذه هي الجيم السامية فكيف تكونان في بيئة واحدة؟!
الواقع أن أهل الصعيد الذين ينطقون القاف بهذه الطريقة يحافظون على نطق الجيم الفصحى ليفرقوا بين الصوتين.
والذين ينطقون الجيم اليمنية ينطقون القاف بصورة تكاد تكون الفصحى التي جاءت في كتاب سيبويه وسر صناعة الإعراب لابن جني، ليتضح الفرق بين الصوتين ويؤدي كل منهما وظيفته الدلالية، إنهم يقولون :(برتكَال) و(كَتَله) و (كَطعه)، في (برتقال) و(قتله) و(قطعه) على صورة الكاف مع شيء يسير من التفخيم اليسير الذي يميزها من الكاف.
وبهذا يتضح لنا أن لهذا الصوت (القاف) صوراً عديدة في النطق العربي القديم والحديث.
القاف الفصحى التي تخرج من أقصى اللسان مع ما يحاذيه من الحنك الأعلى اللين وهي صوت مجهور شديد مستعلٍ مفخم منفتح مصمت، وما زال هذا الصوت في منطقة البرلس؛ إذ يسكنها عرب محافظون، ونسمعه بهذا الشكل من القراء المجيدين أمثال الشيخ مصطفى إسماعيل.
هذه القاف قد تطورت فتأخر مخرجها قليلاً جهة الحلق لتخرج من اللهاة مع احتفاظها بصفاتها التي ذكرها القدامى.
ثم يضيف بعض "...اللهجات الحديثة التي تستبدل بها صوت الهمزة على نحو ما نجده في لهجة سكان مدن الشام وشمال مصر.
إن هذا الصوت ليعد من الأصوات التي وجدت عناية من اللغويين العرب حيث حرصوا على أن تظل على صورتها المثلى في الفصحى، فاشترطوا أن تقلقل إذا سكنت حتى لا يضيع جهرها فتتحول إلى صوت مهموس، ومع ذلك فإن الناس في حديثهم لا يلاحظون جهرها فوقع ما توقعه اللغويون وصارت في نطق المحدثين مهموسة".(12)
إنني من خلال استقرائي لبعض البحوث التي وقفت عليها حول حرف القاف ومراحل معاناته الزمنية مع النطق حتى وصَلَنا اليوم، وجدت من يشير إشارات إيجابية لصالح لهجاتنا الحالية، مثل الباحثة صالحة راشد غنيم التي ترى: "أن الفصحى عند سيبويه هي اللهجات نفسها، فنطق القبائل العربية على اتساع بيئاتها وتباين منازلها يعد في نظره وحدة واحدة تدرس جميعاً لاستنباط القواعد منها". ومما ألمح إليه بعضهم أيضاً أن: "اللهجة النجدية (المنطوقة في المنطقة الوسطى) تعتبر اللهجة الأكثر محافظة، والأقرب إلى العربية الفصحى".
فالدكتور محمد خضر عريف جرد الفصحى من حرف القاف الحجازية الشائعة في العامية، وجرد العامية من القاف الفصحى، وفي كلتا التبرئتين - فيما يظهر لي - اعتمد على الدراسة الصوتية فقط، بينما وجدنا من خلال ما سبق أن تلك الصوتيات مراحل ثابتة في دراسات الأوائل وتطورية في دراسات المحدثين.(13)
ويروق لبعض الباحثين، الذين لم يقدروا الحرف العربي حق قدره، ما أورده ابن خلدون في مقدمته عن اللسان العربي، وما طرأ عليه من تغيُّرٍ آلَ به التقادم – زعماً - إلى استحداث مخارج جديدة للحروف، مباينةٍ ومغايرةٍ لأصول مخارجها العربية المعروفة، وربما شددوا على الأخذ بدعوته إلى تأصيل مخارجها واعتمادها بوصفها تطوراً مرحلياً يأتي من طبيعة اللغات، ولكنه فاتهم أن ابن خلدون في سياق حديثه عن هذا الحال عد هذا التطور فساداً في اللغة، وتحولاً في اللسان إلى الأسوأ، فابن خلدون لا يجوز له، ولا هو يجوِّز لنفسه، أن يضع قاعدة بنائية على جرف هارٍ، تكسر قواعد راسخة في لغة هو يعرف مكوناتها ومقوماتها المتكاملة والتكاملية، والعيب حتماً فيمن فَهِمَ بطريقته، التي ربما حادت به عن الصواب، ما يرمي إليه ابن خلدون، لا فيما كتبه، مثلما انصرف بعض الدارسين إلى تحوير آراء رموز العربية كسيبويه.
ابن خلدون، حينما يذكر القرآن الكريم، يشير إلى أنه نزل بلسان عربي مبين، وإلى أنه نزل بلغة العرب، وهو موقن - حق اليقين - أن القرآن لا يتغير ولا يتبدل بتبدل لغته، ولو قدر لتلك اللغة أن تكون غير قابلة للثبات، ولا تمتلك مقومات ذلك الثبات، لما نزل بها القرآن بهذا المنهج ونُسِب إلى الله يقيناً قطعياً.
ويكفي اللغة العربية عزة أن الله بكتابه الكريم جعلها مِظَنَّةَ العقل والتقوى دون كل اللغات، فنزوله بلسانها برجاء أن يعقله الناس:"إِنَّاْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُوْنَ" الزخرف3. وهو بهذا اللسان غير ذي عوج: "قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِيْ عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُوْنَ" الزمر 28.
من استهواه التأول والإبحار في مقدمة ابن خلدون بأدوات غير الأدوات التي نفهم بها، وتلقٍّ غير الذي نتلقى به فربما تاه شططاً، ونَزَا على مبادئَ أَلِفَهَا الناسُ ليروغَ بها عن الفهم العليِّ والطريق السويِّ. وما أكثر أولئك الذين خدعتهم - حين جهلوا - النظريات الغربية، فعمدوا إلى إرثنا القويم ليلوُوا أعناقه تطويعاً وتأليفاً لئلا يخرج على سَنَن أولئك الذين انتزعوهم بَهْراً، واجتذبوهم خدعةً، وما علم أولئك المنساقون أن المسلك مأموم والمبتغى مرسوم.
وفي نقاش علمي رصين تناول الدكتور عبد القادر المهيري مراوحة ابن خلدون بين لفظتي اللغة واللسان في مقدمته وخرج بنتيجة مؤداها يصب في مصلحة التنوع اللهجي الذي يصح لنا بناءً على ما توصل إليه الدكتور المهيري أن نرد بعض التأوّلات الباطلة لفهم أقوال ابن خلدون واستنباط بعض الآراء منها بغير ما أرادها. يقول الدكتور المهيري: "فمفهوم اللغة هنا هو بمثابة الفرع المنتمي إلى أصل واحد هو اللغة العربية في معناها العام، ولذا يقول:"لغات الأمصار الإسلامية بالمشرق والمغرب لهذا العهد عربية". (14)
أما مستويات اللغة في العصر الحديث، ومحاولة تكريس مصطلحات نظرية لتقسيم تطبيقها إلى اثنين أو ثلاثة، كمن يراها فصحى وعامية، أو يضيف إليهما صنفاً ثالثاً يسمونه القياسي، أو كما يحلو لبعضهم اللهجة الثالثة، وهي التي يستعملها الكتاب لغة للاتصال المكتوب في أجهزة التواصل، وعمدوا إلى إشاعتها عن طريق الروايات والقصص القصيرة وبعض وسائل الاتصال الحديثة ليفرضوها واقعاً نسلِّم به مستقبلاً فيصبح معتمداً، فهي في نظري - وربما يوافقني من يحمل غيرة على لغته – عبث سيندحر ويندثر كما اندثر غيره قبله!
وللأستاذ الدكتور سليمان العايد بحث جليل ألقاه محاضرة في نادي مكة الثقافي الأدبي عام 1417هـ عن علاقة اللغة المنطوقة باللغة المكتوبة في اللغة العربية، وتناول فيه مادة البحث بطريقة علمية دقيقة، حيث عرض للفوارق بين لغة الخطاب ولغة الكتاب فقال: "لغة الخطاب، واللغة المنطوقة، واللغة المتكلمة، أو لغة التخاطب الحي، وهي لغة ينفك مستعملها من كثير من سمات اللغة الفصحى، كالإعراب، ونظام الجملة، واستعمال أدوات الربط، ويستعيض عنها بغيرها، ولا يحرص على تجنب اللحن". وكل ما لا ينطبق عليه هذا الوصف فليس بلغة خطاب، كالشعر والخطابة، والتأليف مما يتعمّل له الشاعر والخطيب والمؤلف، ويبذل فيه شيئاً من الصنعة انتقاءً واختياراً وإحكاماً.
جاء الإسلام ولدى العرب لغة أدبية سامية، تقصر دونها لغات منتشرة بين قبائل الجزيرة العربية هي أشبه باللهجات المحلية، أو الإقليمية، يدير بها كل فئام شؤونهم اليومية، ويتفاهمون من خلالها في حياتهم البيئية، غير أنهم إذا أرادوا لقولهم اتساع الرقعة، ولكلامهم أن يفهمه من كان من غير بيئتهم فزعوا إلى نمط من القول ذي صفات خاصة في الأصوات، والبنى، والتراكيب؛ ليؤدوا به ما يرغبون فيه من أفكار، ومشاعر، وتجربة. وهذا النمط ينظر إليه العربي على أنه نمط عالٍ من القول، يخرجه من حدود بيئته الضيقة إلى سعة البيئة العربية، كما يحل له مشكلة الاختلاف اللغوي بينه وبين غيره في البيئات العربية الأخرى.
وفي معرض تناول الدكتور سليمان اهتمام أسلافنا بالكتابة؛ ما ساقه عن فطرتهم وعفويتهم في حرصهم على القرآن الكريم واختيار من يكتبه في عصر علا فيه شأن القلم وسما أهله، "فكان عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) يستحب أن يكون الذين يكتبون المصاحف من مضر، وقال عمر (رضي الله عنه): لا يُمْلِيَنَّ في مصاحفنا إلا غلمان قريش وثقيف. وقال عثمان (رضي الله عنه): اجعلوا المملي من هذيل، والكاتب من ثقيف، وهي قبائل مضرية، وهم الذين قال فيهم أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عُليا هوازن، وسُفلى تميم". إلى أن يقول عن اللغة في حاليها المكتوبة والمنطوقة: "إن اللغة كما يقرر علم اللغة الحديث، وكما هو واقعها، ظاهرة متغيرة ومؤقتة، وخاضعة لقوانين التطور، مع اختلاف في الاستجابة لهذه القوانين بين اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة؛ إذ اللغة المكتوبة ثابتة جامدة بطيئة التغير على حين ينطبق قانون التغير السريع على لغة الخطاب، وهي [يعني اللغة المكتوبة] أوسع انتشاراً، وأقدر على البقاء من اللغة المنطوقة ذات المدى القصير، والنطاق المحدود، والزوال السريع، التي تكتفي بأبسط وسائل التعبير صوتاً، وبنية، وتركيباً، ومفرداتٍ"، إذ هي لغة قد تتخلى في كثير من أحوالها عن قواعد اللغة أو بعضها، أو لا تلتزم بها في جوانبها الأربعة المتقدمة.
وهناك حقيقة قائمة وهي أن اللغة المنطوقة ذات حركة دائبة لا يمكن متابعتها وتنقيتها، وتصحيحها، ووضع القواعد المعمرة لها.
وحول رؤية العلماء في مسار حياتهم اليومية يقول الدكتور سليمان: "وكان علماء اللغة بل أئمتها لا يلتزمون العربية الفصحى المعربة في مخاطباتهم اليومية؛ بل كانوا يجارون العامة، ولا يرون في ذلك بأساً، ولا يتكلفون معهم ما يَعْلَمُونه من قواعد اللغة". ثم يضيف:"هذا في لغة الخطاب، أما لغة الكتابة فلهم فيها وضع آخر يصوره ابن فارس بقوله:"قد كان الناس قديماً يجتنبون اللحن فيما يكتبونه أو يقرءونه اجتنابَهم بعضَ الذنوب، فأما الآن فقد تجوزوا، حتى إن المحدث يحدث فيلحن، والفقيه يؤلف فيلحن، فإذا نُبِّها قالا: ما ندري ما الإعراب، وإنما نحن محدثون وفقهاء، فهما يُسَران بما يُساء به اللبيبُ".
إذن ومن خلال ما سبق يتضح لنا بجلاء البون الشاسع بين لغة الخطاب ولغة الكتاب، "ذلك أن هذه العاميات نتيجة تراكمات أربعة عشر قرناً، كانت اللغة الفصحى التي تتجلى في اللغة المدونة المكتوبة معزولة فيها عن مظاهر الحياة اليومية، ولغة الخطاب الدارجة.
وقد تم التمايز بين العربية الفصحى لغة العلم والأدب، والعربية المولدة الدارجة حوالي نهاية القرن الثالث [الهجري] في جميع الأوساط المثقفة. وهذه اللغة المولدة لغة تحررت من كثير من نظام العربية في تراكيبها، وأبنيتها، وأصواتها، ودلالة مفرداتها".
ويختم الدكتور العايد محاضرته بقوله:" وكل ما يمكن عمله هو الترقي بلغة الحياة اليومية، وتقريبها من الفصحى، وتقليل التجاوزات والمخالفات في الأصوات، والبنية، والتراكيب، والدلالة، لتكون قريبة من الفصحى، وإن لم تكن كذلك... فكما يمكن أن نفيد من التراث الشعبي ( العامي)، سواء كان أمثالاً، أم قصصاً، أم أساطير، أم غير ذلك، يمكن أن نفيد من اللغة الدارجة ومن قدرة أهلها الفطرية على الوضع، والارتجال، والتوليد، والاشتقاق، في إثراء اللغة، بعد ضبط ذلك بضوابط علمية". (15)
وفي موضوع للدكتور فالح بن شبيب العجمي عن اللهجات العربية الحديثة بين التهجين والتوليد يقول: "استمرار الثنائية اللغوية لفترة طويلة جداً في العربية بشكل يضعف دينامية التطور في الفروع الناشئة، خصوصاً مع سيطرة الفصحى على النصوص الأدبية بشكل تام، حتى وإن وجد في بعض اللهجات آداب محلية، فإنها لا تحظى بنفس الاحترام الذي تحظى به الآداب التي كتبت بالفصحى.
وارتباط العربية الفصحى بالقرآن الكريم ارتباطاً تعبدياً؛ مما يجعل الصراع بين العربية ولهجاتها صراعاً فكرياً، لم يسمح فيه للأخيرة بالكتابة، ولم ينظر إليها على أنها نظام اتصال رغم قيامها بذلك... وإذا انتقلنا إلى وصف الاضطراب في تطور اللهجات العربية الحديثة؛ فلا بد من الوقوف عند ظواهر من مختلف المستويات تحدد حجم هذا الاضطراب، ومدى خصوصية اللهجات العربية في إطار الدراسات التصنيفية سواء للهجات أو الثنائيات اللغوية:
وأهم ظواهر الاختلاف بين العربية الفصحى واللهجات على المستوى الصوتي ظهور اتجاه لإعطاء النبر أهمية "فونيمية" في اللهجات، بينما لا نجد له أثراً في الفصحى. وأصبح النبر معتمداً على كمية الصائت، ولم يعد متقيداً بالموقع، كما ينتقل النبر في الكلمة الواحدة حسب إضافة بعض المقاطع إليها".(16)
إن اللهجة العامية لا يعتد بها في غير التواصل والمحادثة المنطوقة لأنها لا تتورع عن قبول الدخيل ولا تحتشم عند اقتحام أسوارها، فربما ولج فيها ما ليس منها فيستقر فيها بلا تمييز.
إنما ما يجب الإشارة إليه هو أن العامية حتى في وجودها وامتدادها على مدى تلك الأزمان والعصور البعيدة لا يعني ضرورة الاهتمام بها أو الهم منها فكما يقول د.محمد محمد حسين: "إن وجود العامية والفصحى ظاهرة لغوية عامة في كل لسان، وليس مشكلة أن يـُسعَى إلى حلها. فاللغة الفصحى لها صفة الثبات والاستقرار، والقدرة على التعبير العلمي الدقيق والفني المؤثر الجميل. أما العامية فهي لهجة متطورة مختزلة وميسرة إلى أقصى حدود الاختزال والتيسير، لتفي بحاجات التفاهم السريع الذي لا يبالي بالدقة العلمية أو الجمال الفني. ثم إن التقاط الألفاظ الصالحة من العامية ليس من عمل أقسام اللغة العربية، ولكنه من عمل الكتاب والمترجمين، والمجامع والمحافل المعنية بهذا الشأن. ووسيلته هي أن تمارس العربية الفصحى في كل المجالات الاجتماعية والعلمية. وعلى طول الممارسة سوف يظهر كلمات وكلمات، وعبارات وعبارات، يبقى الصالح منها المستقيم ويموت الفاسد المعوج".(17)

الخلاصة:
بعد كل هذا يمكننا القول إن ما شَرَعَ به بعض دعاة النزوع إلى تطوير الكتابة العربية من منطلقات ودعوات مشبوهة؛ أدت إلى التباس بين الصوت والحرف، وبين ما هو ثابت راسخ محفوظ للخاصة ولخاصة الخاصة، وما هو متغير يتداوله الناس بشتى طبقاتهم، عربيُّهم وأعجميهم في شؤونهم اليومية العامة، إن ذلك ليدعوا إلى ابتداع رمز كتابي يحكي ما وصلت إليه العامة في انحدار تطبيقها الصوتي، وابتعادها عن تحقيق مخارج بعض حروف اللغة العربية الفصيحة الصريحة، ما أوصلها إلى التداخل والخلط، لتنأى ببعضها عن أصوله، فينازع الحروف الأصيلة وهو فرع منها كما قرر أسلافنا، فهذا أمر مرفوض ولا يصح بحال على لغة ثابتة الدعائم لا تتزعزع أركانها.



صالح بن إبراهيم بن صالح العوض.
الرس - 1435/8/25هـ.


التعديل الأخير تم بواسطة صالح بن إبراهيم العوض ; 06-23-2014 الساعة 05:28 PM

رد مع اقتباس