عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 6 )
أ.د رياض الخوام
عضو المجمع
رقم العضوية : 98
تاريخ التسجيل : Mar 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 37
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

أ.د رياض الخوام غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 06-08-2014 - 07:17 PM ]


وعلى هذا النحو سار النحاة ،فهم يحللون التركيب اللغوي تحليلاً وصفياً ثم يحاولون ضبطه وفق الأصول النحوية التي أقاموها بعد استقرائهم كلام العرب، وأحيانا نلحظ أن داخل هذه التحليلات ما يستلزم بيان سبب هذا التحليل، فنراهم يقدمون هذه الأسباب للحفاظ على مستلزمات الصنعة، وهي بدورها تؤدي إلى المحافظة على الأصول العامة.



4- أن التقدير وسيلة من الوسائل التي تبرز فضل العالم وتبين مدى تمكنه من هذا الفن، لأن النحو بأصوله المرنة الكثيرة مع احتمال التركيب للمعاني المتعددة يدفع بالعلماء إلى إبراز المعاني، وقد يخفى معنى على عالم، ويبرز هذا المعنى لعالم آخر، وبهذا يتفاضل العلماء

وقد أشار إلى ما أردناه ابن قتيبة حين قال: "وكل باب من أبواب العلم من الفقه والحساب والفرائض والنحو، فمنه ما يجلُّ، ومنه ما يدقُّ ليرتقي المتعلم فيه رتبة بعد رتبة، حتى يبلغ منتهاه ويدرك أقصاه، ولتكون للعالم فضيلة النظر وحسن الاستخراج، ولتقع المثوبة من الله على حسن العناية" ([1]) .



وأضاف موضحاً ذلك فقال: "ولو كان كل فن من العلوم شيئاً واحداً لم يكن عالم ولا متعلم ولا خفي ولا جلي، لأن فضائل الأشياء تعرف بأضدادها، فالخير يعرف بالشر، والقليل بالكثير والباطن بالظاهر، وعلى هذا المثال كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام صحابته والتابعين واشعار الشعراء وكلام الخطباء ليس منه شيء إلا وقد يأتي فيه المعنى اللطيف الذي يتحير فيه العالم المتقدم، ويقر بالقصور عنه النقاب المبرز" ([2]) .



وأكد على ذلك حين تكلم عن القرآن الكريم، وألفاظه ومعانيه فقال: "ولو كان القرآن كله ظاهراً مكشوفاً حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل لبطل التفاضل بين الناس، وسقطت المحنة، وماتت الخواطر، ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة، ومع الكفاية يقع العجز والبلادة"([3])



إذن فالقدرة على التقدير تدل على تقدم العالم ومكانته، كما تفيد النص أيضاً باستخراج معانيه وتوضيحها .



5- استثمر النحاة التقدير لضبط بعض القواعد النحوية فصيروا التقدير ضابطاً للقاعدة، فقالوا: "إن الظرف والحال على تقدير "في" والإضافة المعنوية على تقدير (من أو اللام أو "في" )والتمييز على تقدير "من" والمفعول لأجله على معنى اللام

ثم جعلوا جواب كيف دالاً على الحال ، وجواب لِمَ دالاً على المفعول لأجله ،وجواب متى دالاً على ظرف الزمان ،وجواب أين دالاً على ظرف المكان .....إلخ
ماوضعوه من ضوابط تعتمد على عمليات ذهنية يقوم بها المرء حين يريد الوصول إلى المراد بدقة .



وانظر إلى هذا الضابط الذي يجعلك مجبراً أن تتوقف لتجري العملية الذهنية كي تصل إلى مايريده المتكلم، قالوا-ماعدا الكسائي- :إن الواجب في جزم الفعل المضارع الواقع في جواب النهي في مثل قولنا: لا تكفر تدخل الجنة، يكون بتقدير "إن" الشرطية مع "لا" النافية مع صحة المعنى حينئذ

فلو قيل: إن لا تكفر تدخل الجنة صح، بخلاف لا تكفر تدخل النار ،فإنه ممتنع، لأنه لا يصح أن يقال: إن لا تكفرْ تدخلُ النار([4]).


ومعنى هذا كله أن الجزم يمتنع إذا لم يصح، تقدير إن مع لا النافية، وحينئذ لا يكون الفعل الثاني مترتباً على الأول كما لو كان مجزوماً لوقوعه في جواب الطلب.



وذهب الكسائي إلى عدم تقدير شيء معتمداً على القرائن، ففي مثل: لا تقترب من النار تحترق، يجزم الفعل تحترق بغير تأويل ولا تقدير([5]).
ورأي الجمهور هو المتجه عندهم .



6- أفاد الشعراء والأدباء من التقدير في العربية، لأنه هيأ لهم رمزية جميلة، عمادها التقدير، فقد استنكر بعض العلماء على الشاعر القائل – متحدثاً عن الذات الإلهية:


يا من يراني ولا أراه
كم ذا أراه ولا يراني


فاعترض عليه سامع قائلاً: كيف تقول :إنه لا يراك وأنت تعلم أنه يراك؟


فقال مرتجلاً:


يا من يراني مجرماً ********** ولا أراه آخذاً



كم ذا أراه منعماً ********** ولا يراني لائذاً

أي تم حذف-الأحوا ل-أو المفعولات الثانية للفعل رأى - ، والبيت كما نرى جميل في سبكه، وماتع في جرسه وعميق في معانيه، لولا أنه يتعلق بالذات الإلهية، وكم في الشعر العربي ونثره من رمزية فاتنة تقوم على فلسفة التقدير

ولكن من الأولى الابتعاد عن مثل هذا ،لأن القراء ليسوا على مستوى واحد راقٍ، يستطيعون فهم هذه الرمزية، وما فيها من تقديرات حتى يسلم المرء من الوقوع في الكفر والعياذ بالله ([6]).

وما أكثر الطوائف التي وقعت في الكفر لتأويلاتها الفاسدة التي لاترتكن إلى أنظمة العرب اللغوية .


7- ومن فوائد التقدير أنه ساعدعلى تنشيط الحركة اللغوية المنضبطة فنرى النحاة يتبارون في تقدير المقدَّر ويتفننون في كشف المخبأ مراعين الأصول النحوية التي تتيح لهم ذلك، فمثلاً: ذهب الكوفيون إلى أن ناصب المفعول لأجله هو الفعل الذي قبله؛ لأنه يلاقيه في المعنى، فإذا قلت: ضربت زيداً تأديباً، كأنك قلت: أدبته تأديباً([7]).



وذهب الزجاج إلى أنه مفعول مطلق وناصبه هو فعل محذوف مقدَّر من لفظ المصدر، فالتقدير عنده في نحو: جئت إكراماً لك: هو أكرمتك إكراماً لك، فهو على هذا التقدير مصدر مؤكد لعامله.



وذهب جمهور البصريين إلى أنه منصوب بالفعل قبله على تقدير حرف الجر وهو اللام (أي المفهم علة) فإذا قلنا: أكرمتك احتراماً لك، فالتقدير: أكرمتك لاحترامي لك، فلما حذف اللام انتصب فهو من المفعول به المنصوب بنزع الخافض ([8]).



فالملاحظ هنا أن سعة التقدير المنضبطة بالنظام اللغوي العربي، ساعدت على تعدد الآراء واتساع رقعة هذا النظام اللغوي.



8- ومن أسباب لجوء النحاة إلى التخريج والتقدير: الابتعاد عن الوجوه اللغوية الضعيفة التي يمكن أن تتخرَّج عليها بعض القراءات القرآنية، فمن المعلوم أن أكثر النحويين المفسرين حرصوا على إبراز أفضل الوجوه اللغوية الواقعة في لغة العرب في تلك القراءات القرآنية([9])
لأن هذه القراءات هي صورة من صور الأساليب اللغوية العربية، فربما ظُنَّ أن بعض هذه القراءات قد تكون على وجه لغوي قليل، فنرى النحاة يقدمون توجيهاً يجعلون به هذه القراءة على أرقى الوجوه اللغوية العربية، وهم على اعتقاد أن العربية تشتمل على أساليب متعددة ومستويات مختلفة

وبالتوجيه تظهر هذه المستويات بترتيباتها وفق كثرة الاستعمال أو قلته،
ومن الأمثلة الدالة على ذلك أيضاً تخريج بعض النحويين لقوله تعالى {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر } فقد ذهب الكسائي إلى جواز العطف بالرفع على اسم إن قبل استكمال الخبر

فالصابئون عنده معطوفة على محل اسم إن البعيد وهو قوله تعالى {الذين} فهو مرفوع قبل دخول إن عليه على أنه مبتدأ ، ورد البصريون ذلك وخرّجوا موضع الشاهد على التقديم والتأخير

وقالوا إن التقدير والله أعلم، إن الذين آمنوا من آمن بالله واليوم الآخر والصابئون والنصارى كذلك، وهذه الجملة معطوفة على جملة إن الذين آمنوا فلا محل لها من الإعراب؛ لأن الأولى استئنافية والعطف هنا من عطف جملة على جملة بعد استكمال الخبر

غير أن
{والصابئون} قُدِّمَ تنبيهاً على أن هؤلاء الصابئين أكثر ضلالة من غيرهم؛ لأنهم مجردون من كل عقيدة ، فهذه الجملة وإن بدت اعتراضية بين اسم إن وخبرها كما في التلاوة؛ لكنها في التقدير متقدمة عن تأخير، والله أعلم.
________________________
يتبع,,,

[1]- تأويل المشكل 87

[2] - تأويل المشكل 87

[3] - السابق87

[4]-شرح قطر الندى (ص112).

[5]-انظر: شرح قطر الندى (ص112) والنحو الوافي (4/394)، .

[6]- ا التفسير والمفسرون للدكتور محمد حسين الذهبي(2/359) بتصرف.

[7]-انظر: المساعد (1/482-485) وحاشية الصبان (2/179) .

[8]- شرح التسهيل(2/196)

[9] - انظر: البحر (1/4-5)، والجامع للقرطبي (1/129) وروح المعاني (16/355)


التعديل الأخير تم بواسطة أ.د رياض الخوام ; 06-08-2014 الساعة 08:52 PM

رد مع اقتباس