عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
أ.د رياض الخوام
عضو المجمع
رقم العضوية : 98
تاريخ التسجيل : Mar 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 37
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

أ.د رياض الخوام غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 06-08-2014 - 06:58 PM ]


3) المحافظة على اطراد الأصول النحوية التي انضبط فيها النظام اللغوي العربي، والظاهر أن هذا السبب هو أكثر الأسباب ظهوراً في تقديرات النحاة، مثال ذلك تقديرهم فعلاً ناصباً للاسم المنصوب في نحو: أزيداً ضربته إذ إن الفعل ضرب متعد إلى مفعول واحد، وقد استوفاه في الضمير، والاستفهام في الأسماء يكون عن الأحداث ولا ناصب لزيد في الجملة مع أن كل منصوب لا بد له من ناصب، فقدروا لذلك كله فعلاً من نفس المذكور ونصبوا زيداً به طرداً للقاعدة.


ومن ذلك أيضاً التقدير الذي لجأ إليه البصريون حين خرّجوا قراءة أبي جعفر {ليُجزى قوماً بما كانوا يكسبون} . ببناء الفعل يُجزى للمجهول ، فقد استدل الأخفش والكوفيون على أنه يجوز نيابة الجار والمجرور عن الفاعل بعد حذفه مع وجود المفعول به وهي قاعدة مطردة عندهم فخرَّج البصريون القراءة بعد أن حكموا عليها بالشذوذ على أن القائم مقام الفاعل هو ضمير مستتر في الفعل يعود على الغفران المفهوم من قوله تعالى: {قل للذين آمنوا يغفروا}

والتقدير ليجزي الله قوماً الغفران، فالذي أنيب عن الفاعل بعد حذفه هو المفعول الثاني ليجزي، وهو ضمير الغفران وكل ما في الأمر أنه يجوز في باب (كسا )أن ينوب أيُّ المفعولين عن الفاعل بعد حذفه، وهذه منها، وبذلك حاولوا طرد قاعدتهم القائلة إنه لا يجوز نيابة الجار والمجرور عن الفاعل بعد حذفه مع وجود المفعول([1]).


ومن ذلك أيضاً: أن الكوفيين وجمهور البصريين المتأخرين منعوا تقدم خبر ليس عليها لأنها فعل جامد فأشبه عسى، وخبر عسى لا يتقدم عليها اتفاقاً، وذهب قدماء البصريين والفراء وغيرهم إلى جواز ذلك ومن حججهم قوله تعالى: {ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم } .

فيوم يأتيهم معمول لـ "مصروفاً" الواقع خبراً لليس، وقد تقدم على ليس واسمها الذي هو ضمير مستتر فيها يعود على العذاب، ...

وتقديم المعمول لا يصح إلا حيث يصح تقديم عامله، لذا أجازوا تقديم خبر ليس عليها، وأجاب المانعون :أن هذا التقدير من باب الاتساع، لأن الظروف يُتسع فيها ما لا يُتسع في غيرها،

ثم لجأوا إلى التقدير فقالوا: إن يوم متعلق بفعل محذوف تقديره: يعرفون يوم يأتيهم وجملة – ليس مصروفا- حالية مؤكدة أو مستأنفة، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال ([2]).


ومثل ذلك ما ذكروه حول قوله تعالى: {كتابَ الله عليكم}. فقد منع جمهور البصريين تقدم معمول اسم الفعل عليه لقصور درجته عن الفعل، لكونه فرعه في العمل، غير أن الكسائي أجازه إلحاقاً للفرع بأصله، واحتج بهذه الآية، لأن المعنى عليكم كتاب الله، أي الزموا كتاب الله، فكتاب عنده مفعول به متقدم على عامله عليكم

وتأول البصريون الآية فقالوا: إن كتاب مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة السابقة من قوله تعالى: {حرمت عليكم} والمعنى كتب الله عليكم تحريم ذلك كتاباً، وعليكم متعلقاً بالمصدر كتاب أو بالفعل المحذوف –كتب- ويؤيد هذا التقدير قراءة أبي حيوة ومحمد بن السميفع، اليماني كتب الله عليكم، فجعل كتب فعلاً ماضياً رافعاً ما بعده، أي كتب الله عليكم تحريم ذلك([3]).



ومثل ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أما بعد ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله)([4]).

فالقاعدة المطردة أنه يجب دخول الفاء على جواب شطر أما، لأن أما نائبة عن شرط هو مهما، وفعله والتقدير مهما يكن من أمر، وفي الحديث لم تدخل الفاء على الجواب وهذا الحذف نادر

لذا لجأوا إلى التقدير فقالوا: إن التقدير أما بعد: فأقول ما بال، فحذفت فيه الفاء تبعاً للقول، وبهذا التقدير طردوا القاعدة ([5]).


ومن ذلك أن الأخفش ذهب في قوله تعالى: "أو جاؤوكم حصرت صدورهم" إلى أن التقدير أو جاؤوكم قوم حصرت صدورهم، فحذف قوم وأقيم الوصف مقام الموصوف([6])

وذهب البصريون إلى تقدير( قد) قبل الفعل حصرت، والغرض من التقديرين المختلفين هو التأكيد والحفاظ على أن الماضي لا يقع حالاً.


ومثل ذلك ما ذكره النحاة من تعليلات لحذف الخبر وجوباً قبل حال لا يصلح جعلها خبراً عن المبتدأ، كقولنا: ضربي زيداً قائماً، فضربي مبتدأ، وزيداً مفعوله؛ لأنه مصدر مضاف إلى ياء المتكلم، وقائماً حال سد مسد الخبر، والتقدير ضربي زيداً إذ –أو إذا كان قائماً([7])

وكان هنا تامة. والظرف المقدر متعلق بخبر للمبتدأ ضرب، فإن ذهبنا نسألهم عن سبب تقدير هذه المقدرات لأجابوا بتعليلات يغلب عليها الحفاظ على أصول الصنعة ومستلزماتها، قالوا: إن المعنى في ضربي زيداً قائماً هو ضربت زيداً قائماً أو أضرب زيداً قائماً، فالكلام تام باعتبار المعنى، إلا أنه لا بد من النظر في اللفظ وإصلاحه لكون المبتدأ فيه بلا خبر، لأن قائماً لا يصح أن يكون خبراً فيرتفع، لأن الخبر إذا كان مفرداً يكون هو الأول، والمصدر الذي هو الضرب ليس القائم.



ثم قالوا: ولا يصح أن يكون قائماً حال من زيد؛ لأنه لو كان حالاً منه لكان العامل فيه المصدر الذي هو ضربي؛ لأن العامل في الحال هو العامل في ذي الحال، ولو كان المصدر عاملاً فيه لكان من صلته، وإذا كان من صلته لم يصح أن يسد مسد الخبر، لأن الساد مسد الخبر يكون حكمه حكم الخبر، فكما أن الخبر كان جزءاً غير الأول فكذلك ما سد مسده ينبغي أن يكون غير الأول

وإذا كان الأمر كذلك كان العامل فيه فعلاً مقدراً فيه ضمير فاعل يعود إلى زيد –وهو صاحب الحال- والخبر ظرف زمان مقدر مضاف إلى ذلك الفعل والفاعل والتقدير: ضربي زيداً إذا – أو إذا كان قائماً([8])، وإذا رحنا نسألهم عن سبب تقديرهم إذ أو إذا أو عن سبب تقديرهم كان تامة غير ناقصة، لرأينا إجاباتهم كلها لا تخلو من أن مستلزمات الصنعة النحوية والحفاظ عليها هي الداعية إلى اختيار هذا المقدر.



قال ابن يعيش: "فإن قيل: ولم قدر الخبر بإذ أو إذا دون غيرهما من ظروف المكان –مثلاً- قيل: لأنهما ظرفا زمان، وظروف الزمان يكثر الإخبار بها عن الأحداث، والإخبار بها مختص بالحدث فكان تقديره بها أولى.


وكان إذ وإذا أولى من غيرهما من ظروف الزمان لشمولهما، فإذ تشمل جميع ما مضى، وإذا تشمل جميع المستقبل، فلما أريد جزء من الزمان كان أولى بذلك، فإن قيل: ولم قلتم إن كان المقدرة هي التامة دون أن تكون الناقصة، قيل: لو كانت الناقصة لكان قائماً من قولك: ضربي زيداً قائماً: الخبر، ولو كان خبراً لجاز أن يقع معرفة لأن أخبار كان تكون معرفة ونكرة، فالمعرفة نحو قولك :كان زيد أخاك، والنكرة كقولك: كان زيد قائماً فلما اقتصرها هنا على النكرة ولم تقع المعرفة فيه ألبتة دل ذلك على أنه حال وليس بخبر([9]).
________________________
يتبع ,,,

[1]- انظر لذلك شرح قطر الندى191.

[2]- انظر: إعراب الشواهد في أوضح المسالك1/113

[3]- انظر: إعراب الشواهد 2/559

[4]- انظر: الحديث في صحيح البخاري3/29، في كتاب البيوع.

[5]- انظر إعراب الشواهد في أوضح المسالك(2/684).

[6]- مراده أن جملة حصرت صدورهم صارت صفة لقوم النكرة، وانظر المسائل المشكلة (ص245).

[7] - إذا أريد المضي قدّر بـ(إذ) وإن أريد المستقبل قدر بـ(إذا)

[8]- انظر: شرح المفصل لابن يعيش (1/96) بتصرف يسير.

[9]- شرح المفصل (1/96-97) بتصرف.

رد مع اقتباس