ردود على تُرَّهات
التقدير النحوي من خصائص العربية ،وحركات الإعراب الدالة على المعاني من فضائلها
بسم الله الرحمن الرحيم
سألني طالب علم نجيب حبيب عن أسباب التقدير في النحو العربي وفوائده ،ذاكراً أنه سمع من أحد المحدثين المشتغلين في هذه الصناعة،المنتفعين من هذه البضاعة ،
قوله :إن التقدير لاداعي له ،وأن فهم الجملة يجب أن يكون هو الظاهر منها ،وأن السياق وحده هو الذي يظهر معناها ،وأن النحاة عقَّدوا العربية بدلاً من أن يسهلوها ،حين جعلوا حركات الإعراب دالة على المعاني ،فحزنت وحوقلت ووعدته بتوضيح المسألة بعد انصراف الشواغل
و في خطبة الجمعة الماضية تحدث الخطيب عن علامات الساعة الصغرى فذكر منها –ولاأعلم المصدر - أن يُفتحَ الكتاب " كناية عن انتشار الجهل ،وفساد الأمر ،وكثرة الخلط واضطراب الفكر ،
وذكرني هذا بقول بعض العلماء :لا تضعوا العلم في الأوعية الفاسدة "لأن العلم نظيف وربما أفسده فساد الأوعية ،فتأمل ،وما أكثر الأوعية الفاسدة في زماننا ،نسأل الله أن لا يجعلنا منهم .
ما كنت أظن أن أساتذة في هذا الآن تُدرِّس مثل هذه الأباطيل ،وتنشر مثل هذه الأضاليل بين طلبة العلم المساكين ،من غير أن تبين مالها وماعليها ، ولماذا هذا الإفساد الذي لايقوم إلا على المقارنة بالعاميات كما ذكر الأستاذ الفطحل ،-فهل صارت هي النموذج الي يُحتذى ويقارن به ؟!-ثم الاتكاء على بعض الأمثلة القليلة التي تعتمد على قرائن وشياطين خارجية ،
ثم لماذا لايتسع صدر هذا الأستاذ إلى سماع ردود الطلاب الطيبين عليه، والحكمة ضالة المؤمن ، -ومِ الله ما كنت أرغب أن أضيع الوقت مع أمثال هؤلاء ،فالوقت أنفس من أن يضيع في ترهاتهم ثم رأيتُني بعد الانتهاء من الامتحانات مدفوعاً للإجابة قبل أن تنطفئ جذوة الحماس ،وتفتر عزيمة الرد، بياناً للحق ،وتوضيحاً للغامض ،
ودفاعاً عن تراث علمي أقامه عقل مبدع ،وفكر نيّر ،وإنارة لطلاب العلم الأوفياء ،الذين سيكونون بعون الله رجالات هذه الأمة علماً وخلقاً وسيرة وسلوكاً ،بعيدين عن الانحرافات الفكرية ،واللوثات العقلية،التي تظهر كل حين وآن ،أقول مجيباً مستعيناً بالله :
لقد بات من البدهيات _فيما أحسب _ أن التقدير من خصائص العربية ، إذلاتتصور العربية بلا تقدير ،وهدمه يُعدُّ هدماً لركن أساس أُقيم عليه هذا الصرح الشامخ ،وقبل أن نعرض المراد منه أود أن أشير أولاًإلى أن المصطلحات الدالة عليه كثيرة عند القدماء ([1] )فهناك التأويل والإضمار والاستتار والحذف والتفسير والمعنى ،
وهناك طرق تؤدي إليه كالتخريج والتوجيه والتأويل أيضاً ،ومن مسالكه التقديم والتأخير ،والتضمين ،وما أحسن قول النحاة في هذا الصدد:لامشاحة في الاصطلاح،لأنهم نوعوا عباراتهم في الدلالة على ذاك المقدر ،فأحياناًيستعملون الإضمار يريدون منه التقدير
والعكس صحيح ،وأحياناً يستعملون الحذف يريدون منه التقدير ، والعكس صحيح ،وأحياناًيستخدمون التأويل ويريدون به التقدير ،والعكس صحيح ،وأحياناً يستعملون التخريج كما يستعملون التوجيه أو التأويل،
بل إن سيبويه استعمل عبارات خاصة تدل على "التقدير "من ذلك) : كأنه قال – كأنه يحمله –إنما تريد أو يريد )ناهيك عن استخدامه لمصطلحي الإضماروالحذف في كثير من مواضع كتابه المشهور ،أما مصطلح (التقدير)فوجدته قد استعمله في حديثه عن ضمير الشأن مع مصطلح الإضمار( [2])
والمعلوم أن ضبط المصطلح في كتاب سيبويه كان بسيطاً يتفق مع عهد نشأة هذه الصناعة ،ومع كثرة تحديد المصطلحات ومحاولات ضبطها عبر العصور لم تتحدد تماماً –فيما أحسب- ،لذا قلتُ :إن عبارة "لامشاحة في الاصطلاح "عبارة تؤدي الغرض من هذه المصطلحات المترادفة ،
لا سيما أن الفروق الدقيقة جداً بين هذه المصطلحات ليس لها تأثير على المعنى الثاني الذي نود الكشف عنه بالتقدير ،والظاهر أن البغدادي أدرك هذا التشاجر والتشابك في المصطلحات حين قال :إن سيبويه يطلق كثيراً لفظ الإضمار على الحذف ([3])
وعلى كل حال فمن هذه المصطلحات المترادفة ولوازمها،تكونت نظرية التقدير في الصنعة النحوية ،وهي جميعاً تلتقي- فيما أحسب -في كونها تفسيراً لتلك العملية الذهنية التي تؤدي إلى كشف المعنى المخبوء في الجملة العربية ،فالجملة العربية من أهم خصائصها أنها موَّارة بالمعاني ،
والدلائل على ذلك كثيرة جداً،أهمها قول الرسول صلى الله عليه وسلم :أوتيت جوامع الكلم ،أي المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة ([4])وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم : لايفقه الرجل كلَّ الفقه , حتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة ً" ([5]) .
يتبع ,,,
__________________________________________________ _________________
[1]-انظر محاولات التفريق بين مصطلحي الحذف والإضمار في كليات أبي البقاء ، والتعريفات للجرجاني ، والبرهان للزركشي، وحاشية الصبان 1/576،وحاشية ياسين على شرح التصريح 1/96
-[2] انظر الكتاب 1/224،135، 319، 356 ، 582 . 2/176 ، 312 .
-[3]الخزانة 4/161وانظر المصادر الآتية للدلالة على ماذكرناه ،معاني القرآن للفراء 1/31-156-175،2/333-412،والمقتضب ،للمبرد، 3/88،4/157،والأصول ،لابن السراج 1/162-163-186-237-247،والمسائل المشكلة ،للفارسي ،142-143-144-268|،ودلائل الإعجاز 163أسرار العربية ،للأنباري ،153و الإنصاف 1/82شرح المفصل ،لابن يعيش 1/90،وحاشية ياسين على شرح التصريح 1/96وحاشية الصبان 1/576
[4]-تأويل المشكل ،لابن قتيبة ،4