في الذب عن عرض الإمام ابن مالك-رحمه الله-.
المنشور الرابع:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
الرد على شبهة" عدم وصول الكتب والدواوين الشعرية التي أخذ ابن مالك شواهده منها"
يقول فيصل المنصور في كتابه" التدليس.." بعد كلام له: .....حتى إذا أظل عصر الطباعة، وشرعت المطابع تلقي بالكتب دراكا، تجدد لدى الباحثين والمحققين ما درس من الأمل فيها، فنهدوا إلى تطلب مواردها، وإلى محاولة نسبة قائليها، ولم يزدهم كرور الأيام إلا كلبا وإلحاحا، ولم تزدد هي إلا تأبيا عليهم واستعصاءا هذا مع طول البحث والتفتيش، ومع مداومة التحري والتنقير، ومن هألاء أحمد بن الأمين الشنقيطي(ت١٣٣١ه) في " الدرر اللوامع" وعبد السلام هارون ( ت١٤٠٨ه) في " معجم الشواهد العربية " وكل من شرح كتابا لابن مالك أو حققه، وهم جم غفير لا يحاط بهم" انتهى كلامه.
أقول( سامح): في المنشور السابق أظهرنا لكل ذي عينين المنهج الأعور المعوج الشاذ الذي أقام عليه الباحث دليله كما يزعم هو!! وبينا كذلك كذب هذا الباحث على أهل الحديث في كونه يسير على خطاهم!!!!!!
وفي هذا المنشور سندحض الشبهة التي تعلق بها هذا الباحث في رمي ابن مالك بهذا البهتان!!!
فأقول-مستعينا بالله-: قوله: " حتى إذا أظل عصر الطباعة .....إلخ".
هذا من العجب العاجب( بتعبيره هو)؛ لأن هذا يلزم منه أننا قد أحطنا بكل كتب التراث من دواوين شعرية وكتب اللغة ومخطوطات في سائر الفنون، وهذا القول هو نفسه يعرف عواره جيدا، ويعرف حجم النزف الذي أصاب تراث الأمة عبر القرون الغابرة، وفي كتب التواريخ الدليل الدامغ على هذا؛ فقد أجمعت كتب التواريخ على حجم المصاب الذي منيت به الأمة في تراثها عندما دخل التتار بغداد؛ فقد دمروا مكتبة بغداد تدميرا فظيعا!! وكانت مكتبة بغداد آنذاك منارة العلم في العالم أجمع، وجمعت من صنوف العلوم والفنون ما الله به عليم!
هل تعلم أيها القارئ الكريم، ماذا فعل التتار بمكتبة بغداد؟ أخذوا جميع الكتب التي تحويها ثم ألقوا بها في نهر دجلة حتى قيل: إن ماء النهر تغير إلى اللون الأسود بسبب الحبر الذي كتبت به الكتب . وقيل: إن جنود التتار كانوا يعبرون النهر بخيولهم من فوق الكتب!! أرأيت حجم الفاجعة ؟!! ليست مكتبة بغداد فحسب التي تعرضت لهذا العدوان الهمجي؛ فمكتبات بلاد الأندلس قد مرت بهذه المحنة!! ليست مرة واحدة!! بل أكثر من ثلاث مرات عبر التاريخ؛ فهذه مكتبة قرطبة قد أحرقت بالكامل على يد نصارى الأندلس عندما سقطت قرطبة في أيديهم! وكانت مكتبة قرطبة تضاهي مكتبة بغداد في العظمة وكثرة الكتب!
وأطلب منك أيها القارئ الكريم، أن تبحث على الشبكة العنكبوتية عن مقال الدكتور راغب السرجاني، وهو واحد من كبار أساتذة التاريخ في عصرنا الحالي، عنون له بقوله: " جريمة حضارية" وقد رفع هذا المقال على الشبكة العنكبوتية بتاريخ ٨-٥-٢٠١٤ .
أريدك أن تقرأ أيها القارئ الكريم هذا المقال؛ لتقف على حجم الفاجعة، وهول المصيبة التي منيت بها الأمة في تراثها!! إذن، الشبهة التي يتعلق بها أ.فيصل باطلة، وليست فيها رائحة الدليل لا من قريب، ولا من بعيد.
بل أزيدك أيها القارئ الكريم، دائما ما نسمع عن كتاب حقق على نسخة خطية واحدة، ولا توجد غير هذه النسخة في الدنيا كلها!
خذ على سبيل المثال لا الحصر، كتاب " الوفية باختصار الألفية" للحافظ السيوطي، وقد حقق هذا الكتاب أخونا الغزي حمزة مصطفى أبو توهة، وقد ذكر في مقدمة تحقيقه أنه اعتمد على نسخة خطية يتيمة حصل عليها من مكتبة" الأسكوريال" بأسبانيا، على أنه بذل قصارى جهده في البحث عن نسخة أخرى ولم يجد!!
كما ذكر ناشر هذا الكتاب الأستاذ عبد العاطي الشرقاوي أن العالم أجمع قد خلا من نسخ هذا الكتاب إلا بلاد الأندلس( أسبانيا حاليا)- أعادها الله إلينا- هي التي حفظت لنا هذه النسخة اليتيمة، وهذه النسخة بخط العلامة محمد بن علي الداودي، وهو تلميذ السيوطي- رحمه الله-.
والسؤال الذي يطرح نفسه: أين ذهبت باقي النسخ؟!
والجواب: جميع النسخ الخطية لهذا الكتاب فقدت بمرور الزمن، ولم يتبق إلا هذه النسخة اليتيمة، ولولا أن منَّ الله على الأمة بنسخة العلامة الداودي تلك، لما وصلنا هذا الكتاب، ولما عرفنا عنه شيئا!
هذا مثال واحد من عشرات الأمثلة!!
وهنا شيء مهم يجب أن تنتبه له، الكتاب الذي يحقق على نسخة خطية واحدة، ولا يعرف أن له نسخا غير تلك النسخة ، لو أن امرأ في عصرنا هذا اطلع على هذه النسخة الوحيدة، ولم يطلع عليها أحد غيره، ثم قدر الله وحرقت هذه النسخة التي لا يوجد غيرها.
ماذا نستنتج من هذا؟
نستنتج إمكانية اطلاع المرء في عصرنا هذا على ما لم يطلع عليه أحد غيره! فإذا جاز وأمكن أن يطلع الإنسان على ما لم يطلع عليه غيره ونحن في عصر الثورة المعلوماتية، فكيف يستبعد فيصل المنصور أن يطلع ابن مالك على ما لم يطلع عليه غيره؟!!!!
بئس الظن ظنك يا فيصل المنصور!!!
أتستبعد أن يطلع ابن مالك، وهو شيخ العربية، وإمام النحاة، والذي لا يبارى أو يجارى بشهادة أبي حيان له، والذي كان دائم البحث والتفتيش والتنقير عن الشواهد في الكتب والدواوين الغريبة، والذي يشهد له القاصي والداني بالتفرد في علم العربية، وأنه وحيد عصره، والذي بز أقرانه، وأربى على المتقدمين..... بعد كل هذا تأتينا يا فيصل المنصور وتستبعد أن يطلع ابن مالك على ما لم يطلع عليه غيره!!!
أقول: إلى الله المشتكى، وحسبنا الله ونعم الوكيل!
وأحب أن ألفت انتباهك أيها القارئ الكريم لأمر، وهو أن هناك كتبا يظن أنها مفقودة، وبمرور الوقت تظهر لأحدهم، خذ على سبيل المثال كتاب" البديع في الإعراب"لنحوي عاش في القرن السادس الهجري اسمه " محمد بن مسعود بن محمد بن الزكي الغزنوي" وهذا النحوي قد ذكره أبو حيان في كتابه" ارتشاف الضرب" أكثر من مرة، وعرج على بعض أقواله...كتاب هذا النحوي المذكور أعلاه كان يظن بأنه مفقود إلى فترة قريبة، ثم عثر عليه أحد الباحثين وأذاع صيته..ليس هذا الكتاب فحسب، بل هناك كثير من الكتب على هذه الشاكلة، وهذا يؤيد ما ذهب إليه الدكتور إحسان عباس-رحمه الله- من أن هناك كثيرا من كتب التراث في أماكن نائية من عالمنا هذا، لم تصل إليها أيدينا.
بل أزيدك أيها القارئ الكريم شيئا آخر، كثيرا ما ينص أهل العلم في مصنفاتهم على كتب للنحاة، وهذه الكتب لم تصل إلينا إلى الآن، ولم نعرف عنها خبرا، ولولا أن أهل العلم ذكروها في مصنفاتهم، لما سمعنا عنها أصلا!
خذ على سبيل المثال لا الحصر، كتاب" التذكرة في النحو" لابن هشام النحوي العلم، هذا الكتاب لم يصلنا إلى الآن، ولا نعرف عنه شيئا، ولولا أن النحاة المتأخرين من أمثال السيوطي وياسين الحمصي ذكروه في مصنفاتهم، لما سمعنا عنه أصلا، فنجد العلامة ياسين الحمصي ينقل عن هذا الكتاب في حواشيه على كتب النحاة كحاشيته على " التصريح"، كما وجدنا السيوطي-رحمه الله- ينقل عن كتاب " التذكرة" لابن هشام كثيرا، كما فعل في كتابه" الأشباه والنظائر" .
وأنقل لكم شيئا من كلام السيوطي في كتابه "الأشباه والنظائر".
يقول السيوطي في " الأشباه والنظائر": " وقال الشيخ جمال الدين بن هشام في ( تذكرته): باب التصغير معدول به عن الوصف....إلخ".
أقول( سامح): تأمل قول السيوطي وقال الشيخ جمال الدين بن هشام في " تذكرته"...
والسؤال الذي يطرح نفسه: أين ذهب كتاب "التذكرة" لابن هشام، ولم لم نعثر على نسخة واحدة من نسخه إلى الآن؟!!
ولولا أن نص السيوطي وغيره من أهل العلم على اسم هذا الكتاب في مصنفاتهم، لما سمعنا عنه خبرا!!! وهذا مثال واحد من أمثلة كثيرة!!
من هنا أيها القارئ الكريم يتبين لك مدى تهافت الشبهة التي أثارها فيصل المنصور بشأن عدم وقوفنا على الشواهد التي تفرد بها ابن مالك- رحمه الله- وليس من المعقول لمن عنده ذرة فهم أن يرد شهادة أهل العلم كأبي حيان وغيره الذين شهدوا لابن مالك بواسع العلم، وسعة الاطلاع، وأنه اطلع على من لم يطلع غيره- ليس من المعقول أن يرد هذه الشهادات العظيمة بسبب شبهة متهافتة وباطلة، تعلق بها فيصل؛ بسبب الظنون التي حاكها له فكره، والتخرصات التي أنتجها له عقله؛ ليتهم طودا شامخا شهدت له الدنيا بجميل الأوصاف، وعظيم الأخلاق.
لم ينته حديثنا عن شبهة التفرد؛ فلن ندع شيئا- بإذن الله- قد تعلق به هذا الرجل ليرمي به ابن مالك، إلا وأجهزنا عليه، وبينا بطلانه.
هذا، والله أعلم، وصل اللهم على النبي محمد، وآله، وصحبه، وسلم!