مسرَّةُ النّجاح
(تحليلٌ بين اللغة والنّفس)
الفرح والجذل والحبور والمسرّة والبهجة كلماتٌ قريبة المعنى، وأقرب لفظٍ دالّ على ما يضاد الفرح هو التّرح، وظهور المسرّة في الأصل والعادة أكثر من ظهور الحزن لدى أهل الكيس والعزم واليقين، ويُروى عن عليّ رضي الله عنه: >حزنُ المؤمن في قلبه، وبشره وجهه<. ووضعت العربُ للفرح حرفًا محلّ النطق به ظاهرٌ، وهو الفاء الذي يخرجُ من الشّفة، ووضعت للتّرح التّاء التي(1) تخرج من داخل الفم، والرّاء حرفٌ سخيٌ منعشٌ يجنحُ بالكلمة إلى معنًى زائد، كالتكثير والسعة، أو تقريب المعنى، وليس في الكلمات العربية حرفٌ له نصيبٌ من المشاركة مثله، وله في المعاجم محلّ واسعٌ. هذا وهم يُراعوان أوّل الكلمة أو آخرها، ولعل الكلمات الخالية منه تقاربُ الكلمات الممزوجة به.
وأمّا الحاءُ؛ فغالب ما يكون في المعاني الظاهرة، أو ما يعقبه معنى يظهر، وفيما يدلّ على البسط والاتّساع.
وجاء الفرح في القرآن في مواضع كثيرة ليس منها ما هو في سياق المدح في شيءٍ من خالص أمر الدنيا، فكأن الفرح شدة المسرّة التي قد تذهب بصاحبها إلى مكان بعيد ينسيه شكر المنعم.
والفرح بالنجاح: سرورٌ يتذكر به المرء أسبابه من عمل واجتهاد وغير ذلك، وباعثه أشياء:
منها: اندفاع ما كان يختلج بصدره من ظنون الخيبة والإخفاق، ولا بدّ أن يعرض مثل ذلك في الموقف الأخير عند لحظة انتظار الفوز، ولو كان المرء موقنًا قبل ذلك بالنجاح فإنّه يردّ عليه من الاحتمالات وسوء الظنّ ما لا يكاد يخطر في غيره، وكذلك القاعد عن العمل يغشاه من الأمل وقتها ما يغشاه، وما هي إلاّ خيوط دقيقة في دائرة الإمكان الواسعة.
ومنها: تفريح أهله وهو ينقلب إليهم مبتهجًا يحمل معه علائم المسرّة، والانقلابُ: رجوعٌ بإسراعٍ يُشعر بأن فاعلاً حملَه على المطاوعة، تقول: قلبته فانقلب، وهذا الفاعل حاله، وهو السرور وباعثه، قال تعالى: (وينقلب إلى أهله مسرورا) [الانشقاق: 9] يصوّر القرآنُ أحوال الآخرة بما نعرفه في الدّنيا ونزاوله، وليس لنا في الدّنيا ممّا في الآخرة إلا الأسماء، كما جاء عن ابن عباس. وقال تعالى: (وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين) [المطففين: 31]، ومادّة (فكه) تعبِّر عن معناها بنفسها.
ومنها: محبّة الثناء، وهو أصلٌ في الناس كلّهم، العامل والقاعد، والمبرِّز والمقصر، والذكي والغبي، والناس فيه طرفان ووسط.
صنفٌ يطرب للمدح، ويعجب به، ويُظهر فيه الزهو والعجب ولو كان في المديح ما لا يصدقُ عليه، وهذا مذموم.
وصنفٌ آخرُ يُظهر امتعاضه وغضبه، وذمَّ كلِّ مادحٍ في كلّ مقام، وفريق من هذا الصنف يريد أن يُمدحَ بأنّه لا يحب المدحَ ليكبر في الصّدور.
وصنفٌ آخر - وهو الوسط - يكافئ على حسن الظنّ، ولا يرضى بكاذب المديح، ويجعل ما صدق من ذلك عاجل بُشراه، وقد يوجب المقام شيئًا آخر، ومن القواعد ما له شذوذٌ، والشاعر يقول:
يهوى الثناءَ مبرِّزٌ ومقصِّرٌ حبُّ الثناءِ غريزةُ الإنسانِ
وأمّا محبّة الذّمِّ في حضرة النّاس لكسر النفس وتربيتها على إدراك محلّها وضعتها؛ فهو مذهب خسّة وضعف، وقلّة عقل تأباه الفطر السليمة، وليس بمرضيّ في الشرع.
فرّح الله الناجحين فرحًا يريضيه، وأقرّ أعينَ أهليهم قرارًا يرضيهم.
----------------------------------
(1) حروف المعجم تذكّر وتؤنث .