ولعل ما يدعم ما نؤمن به في سرعة تبدّلِ الألفاظِ والتراكيبِ التي يُستحيا منها، أو يُنْفَرُ منها أننا عثرنا- في دراسةٍ لنا لَمّا تُنشَر- على مجموعةٍ لا بأس بها من التسميات التي دارت على ألسنة أهل العربيةِ، وأوردتها معجمات اللغة العربيةِ في مجالِ الدلالة على" مجهولِ الأبوين" أو" النسب".
وخلاصة الرأي في هذه المسألة هي أنني أرى فيما اقترحته أو اقترحه بعض الزملاءِ الأفاضل مجالاً لاستفتاءِ أبناءِ العروبةِ وعلماءِ العربيةِ بصفةٍ عامةٍ في مشارقهم ومغاربهم من خلالِ موقع مجمعنا العتيد، وشبكات التواصل الجماعي أو الاجتماعي؛ لاختيارِ ما ينعقدُ أكثرُ إجماعِهم عليه.
وعليه فإني أعرض في هذا السياق الاستفتائي هذه المقترحات:" دار رعاية الأطفال" أو" دار الطفولة" أو" مؤسسة رعاية الأطفال" و" دار البِرّ" أو" دار الخير" أو" دار السعد" أو" دار الأيتام"، أو" دار الأُخُوَّة".
كما أقترحُ في هذه المقالةِ أيضاً بناءً على ما تذكرتُهُ في أثناء كتابة هذه المقالة من أسماءِ مؤسساتٍ أو مراكزَ إنسانية تقوم بوظائفَ إنسانية، تشترك في الدلالةِ على نفسِها باستعمال لفظ" الرعاية"؛ كالرعاية الأسرية" و" الرعاية الصحية" و" الرعاية المجتمعية" و" رعاية الموهوبين" وهلمّ جرا، وفي هذا السياق يمكن حذو هذه" المؤسساتِ الإنسانيةِ الخيرية" في استعمال هذا اللفظ، فنقول مثلاً:" دار رعاية الطفل"، أو" دار الرعاية".
ومما أسوقه مثالاً مؤيِّداً لِما أقول: أطلقَت وزارة الشؤون الاجتماعية في السلطةِ الوطنيةِ الفلسطينيةِ على المؤسسةِ التي يُحجَزُ بل يُسْجَنُ فيها الأطفالُ الخارجون على القانون عليها اسم" مؤسسة الربيع للأحداث والرعاية الاجتماعية". وهناك" معهد الأمل" الذي يُعنى في جانبٍ من وظائفه بالأيتام واللقطاءِ، وكذلك" مؤسسة الوفاء والأمل" وهي لرعاية كبار السن.
وقد يجد بعضنا في إطلاقِ اسم" دار المواساة" أو" دار المؤاساة" عنواناً دالاً على المؤسسة التي تُعنى بـ" الأطفال غير الشرعيين" أو مَن فَقدوا عوائلهم؛ فالمواساةُ أو" المؤاساة" تحمل في معناها المساعدة، وتكشفُ عن حاجةِ هؤلاءِ الناشئةِ مِمَّنْ كانوا نتاجَ فسادِ الأبوين أو غيرِهم إليها.
ولعلَّ في استعراضنا لِما جاء في مادتي( أ. س. و) أو( أ. س. ي) ما سينير للقارئ سبلَ اتخاذهِ لقرارِهِ في اختيار" المواساة" أو" المؤاساة" جاء في معجم" العين" للخليل( ت. 170هـ) في مادة( أ. س. و)" والأَسوُ: علاجُ الطّبيب الجراحاتِ بالأَدوية والخِياطة، أسا يَأْسو أَسْواً... الأُسى جماعة الأُسْوة من المواساة والتّأسّي".
وجاء في" تهذيب اللغة" للأزهري( ت. 370هـ):" يقال: هو يُؤاسي في ماله: أي يساوي، ويقال: رحم الله رجلاً أعطى من فضل، وواسى من كفاف، من هذا، ويقال أسَوْتُ الجرح فأنا آسُوه أَسْوًا: إذا داويته وأصلحته".
وذكر" الصحاح" للجوهري( ت. 393هـ):" أَسَّيْتُهُ تَأْسِيَةً، أي عَزَّيْتُهُ. وآسَيْتُهُ بمالي مواساةً، أي جعلته إسْوَتي فيه. وواسَيْتُهُ لغةٌ ضعيفةٌ فيه. والإسّوَةُ والأَسْوَةُ بالكسر والضم لغتان، وهي ما يَأْتَسي به الحزين، يتعزَّى به. وجمعها إسىً وأسىً... والآسي الطبيب، والجمعُ الأساة".
وعليه فإنَّ هناك مجموعةَ أسماءٍ وَرَدَتْ في هذه الدراسة يمكن استخلاصُها، وأنا أذكرها في هذه المقالةِ اللغويةِ وأنا راضٍ عنها. وأدعو ذوي الاختصاصِ والمعنيين بلغتنا العربيةِ وسلامةِ دلالاتِها إلى دراستها، واختيارِ ما يَرَوْنَهُ مناسباً منها، خلوصاً إلى اسمٍ يمكنُ إعمامُ استعمالِهِ في لعتنا العربية، وهي:
" دار المواساة" و" الرعاية المجتمعية" و" دار الرعاية الأسرية" و" دار البِرّ" و" دار الخير" و" دار السعد" و" دار رعاية الأطفال" و" دار الطفولة" و" مؤسسة رعاية الأطفال" و" دار كفالة الأيتام".
مقال الدرس اللغوي في هذه القضية:
ومع كلِّ ما قضيناه من وقتٍ في هذه القضية، وقدمناه من جهدٍ في دراستِها فإن لنا مقالاً لابدَّ منه في هذا السياق، وهو مقالٌ يدعمهُ الدرسِ اللغوي، ومؤداه:
إنَّ الاسمَ المختارَ الذي سيتحقق له الإجماعُ في قضيةِ إيجادِ بديلٍ لمصطلح" مجهولِ الأبوين" وأمثاله ستبقى دلالتُهُ المركزيةُ التي نخشاها ملتصقةً بمَن يَدُلُّ عليهِ أيّاً كان الاسمُ المختارُ لها؛ فَضعيفُ الحيلةِ ضعيفٌ لِمن يعرفُ حقيقتَهُ ولو تَسَمّى بأقوى الأسماءِ الدالةِ على القوةِ، والبخيلُ المُسَكةُ بخيلٌ ولو تَسمّى بأبي الخير، والغدّارُ ستبقى صفةُ الغدرِ ملتصقةً به ولو تَسمّى بأبي الوفاء.
وعليه فأيّاً ما يكن الهدفُ الذي يصبو إلى تحقيقِ قِيَمِهِ النبيلةِ كلُّ مَنْ شارك أو دعا إلى هذا الاجتهادِ في وضعِ اسمٍ بديلٍ لـ" مجهولِ الأبوين" أو" اللقيط" أو" الهِلْبَع" أو" المُخضرَم" أو" الدّعيّ" أو" ولد الزنا" فَإنَّ الشمسَ- كما يقول المَثل- لا تُغَطّى بغُرْبال، وإنهُ- طال الزمانُ أم قَصُر- فلا بدَّ من أنْ تنعكسَ صفةُ المُسمّى أو شيءٌ منها على اسمها؛ الأمر الذي قرره قدماؤنا من العلماء والأدباءِ والمفكّرين حين قالوا بمناسبةِ الاسمِ لمسمّاه، وكذلك علماءُ اللغةِ" Linguists " المُحْدَثون ولاسيما فرناند دي سوسير حين قال بوجودِ علاقةٍ ذِهنيةٍ بين الدالِّ والمدلول، أو إنْ شئتَ فقل: بين" الصورةِ السَّمعيةِ"" Sound image = Signifier " و" التصور"" concept = Signifie "، أو بين الاسمِ والمُسمّى.