ومن الجدير ذكرُهُ في هذا السياقِ أيضاً، هو أنَّ هذه المجالاتِ الدلاليةَ يَكثُرُ فيها تغييرُ الألفاظِ أو التراكيبِ الدالةِ عليها، وإنَّ منها ما يندرجُ في سياقِ ما يُطلِقُ عليه علماءُ اللغةِ في الغربِ مصطلحَ" Taboo " الذي جاءت ترجمته في العربية بـ" المحظورِ اللغوي" أو" الكلام غير اللائق"، أو" الكلام الحَرام".
وإذا عدنا إلى مجالِ هَجْرِ مفرداتٍ وتراكيبَ في اللغة فإني- وإنْ كنتُ أقفُ في صفِّ مَنْ يرى أنَّ معيارَ هجرِ المفردةِ القديمةِ لَأَولى أنْ يكونَ دافعاً إلى اختياره للدلالةِ بهِ على معنىً جديدٍ قريبٍ من معناهُ القديمِ المهجور- أرى- في هذا المقام- أنَّ ما قدمناهُ بشأنِ تعليلِ هجرانِ العربِ القدماءِ لاستعمالِ مفردةِ" المخضرم"- بمعنى الدَّعِيِّ- يشكِّلُ سبباً قد يكونُ وجيهاً لِعدمِ إعادةِ بعثِ الحياةِ فيه في عصرنا.
ولا أدري ما إذا كان هذا التعليلُ صالحاً لأنْ يَحظى بموافقةِ العلماءِ والمفكّرينَ والمبدعينَ على جَعْلِهِ معياراً لعدمِ بعثِ الحياةِ في مفرداتٍ هجرَها أهلُ اللغةِ السّابقون؛ لِخدشِها للحياءِ، أو لارتباطاتها بتصوراتٍ قد لا تُناسِبُ مَقاماتِ أذواقِ أهلِ لغتِنا المعاصرة.
وكذلك فإنَّ مِن مسبباتِ عدمِ الانتصارِ لاختيارِ لفظ" المُخَضْرَم" عندي ذيوعَ استعمالِهِ بمعنى العيش في عصري الجاهلية والإسلام، وغلبةَ دلالتِهِ عليه؛ لتكرارِ ذِكْرِهِ في دُروسِ الأدبِ العربيِّ وتاريخِهِ وغيرها؛ الأمرُ الذي يجعلُهُ غيرَ مهجورٍ عندَ كثيرٍ من أبناءِ الوطن العربي لاطّلاعهم عليهِ في المدارسِ والجامعاتِ والمؤسساتِ الإعلاميةِ وغيرِها.
وكذلكَ فإنَّ هناكَ مَنْ يستعملُ هذا اللفظَ في الحياةِ العامةِ المعاصِرةِ في فلسطينَ؛ كنايةً عن الخبرةِ المستفادةِ من كثرةِ تَمَرُّسِهِ في أمورِ الحياة وتجاربِها، والتعمقِ في احتناكِ الأمور، فيقول مَثَلاً:" فلانٌ مخضرَم". ولا أدري ما إذا كان هذا التوليدُ الدلاليُّ لمفردة" الخضرَمة" ممارَساً في أماكنَ أخرى من عالمنا العربي أم لا؛ لكي نتخذَ منه سنداً في الدلالةِ على معنىً مولَّدٍ معاصرٍ يرتبط بمعناه العربيِّ الأقدمِ الذائعِ في حياتنا المعاصرة.
وإذا كان هذا رأيي في الصدِّ عن اختيار استعمالِ لفظ" المخضرم" للدلالة على مَن ابتُلِيَ بأنْ يكون" مجهول الأبوين"- سواء في هذه الدراسةِ أم في أحدِ ردَّيَّ السابقين- فإنَّ ما جاء في مرسالِ الدكتور علي بن عبد العزيز الحربي رئيس المجمع رقم: 2- 322، والمؤرخ في: 23- 6- 1435هـ- بشأن العدول عن اختيار هذا اللفظ، واقتراح لفظ" الوِلْدان" قبل لحظةِ إرسالي لهذه الدراسة جعلني أرتاح لِما قلته فيها بشأن عدمِ إقرار لفظ" المخضرَم"، وأنتظر؛ لأتدبرَ المُقتَرَحَ الجديدَ الذي يتمثّلُ في طلب الرأي في اختيار لفظ" الوِلْدان"؛ فتتسمّى" الدار الخيرية" المَنْويّ إُقامتُها؛ لغرضِ إيواءِ الأيتامِ واللقطاءِ باسم" دار الوِلْدان".
وإذا كان هذا اللفظُ شاملاً" للصنفين: الذكرِ والأنثى"- كما جاء في تبريرِ مقتَرحه- فإنَّ قاعدةَ" التغليب" في اللغة العربيةِ تجعل هذا التبريرَ ينطبقُ على أيٍّ من البدائلِ المقتَرحةِ. أما أنه" ليس فيه ما يشعر بالنقيصة والذّلة والاستضعاف، كسائر الألفاظ التي يكون لها أثر نفسي على أولئك اللقطاء" فهذا احتجاجٌ صحيحٌ يجعلُهُ محلَّ نظرِ أولي الرأي. ويدعمه أيضاً ما جاء في المرسالِ من القولِ بـ" سهولة لفظه ومعناه"، و" مطابقته لمسمّاه من حيث الجملة"، و" مجيئه في القرآن غير مقرون بالآباء ولا في سياقهم، أو لا آباء لهم أصلا".
وقد أضيف بل قد يُضيفُ بعضٌ أنَّ وُرودَ لفظِ" الوِلْدان" في القرآنِ: هذا الكتاب المُبارَك يجعلهُ مبارَكاً، افتئالٌ ببَرَكةِ هذهِ الدار، قال :{ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ }-( الأنعام: من الآيتين: 93+ 155)- :{ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }( فصلت: الآية: 42).
غير أنَّ ما قد يمنعُ من الأخذِ بهذا اللفظِ المباركِ العامّ في دلالتهِ على الأيتام ومجهولي النّسب من لقطاءَ أو متشردي الحروب وغيرهم ممن ينعمون برعايةِ والديهم وأهلهم هو الخشيةُ من انحسارِ دلالتِهِ في أذهان الناسِ مستقبلاً على المعنى المرادِ التخلصُ أو الهروبُ من تأثيراته النفسيةِ السلبية، وبهذا نقع في مخالفة المغزى الذي قصدنا إليه في هذه المساجلات بل التنظيراتِ اللغويةِ؛ فنقع في نتيجة المَثَلِ الفلسطيني القائل:" كأنك يا بو زيد ما غَزيت= كأنك يا أبا زيد ما غزوت"، ونعود لنبحث عن دالٍّ آخر.
إن الأخذَ بهذا اللفظِ المباركِ قرآناً، العامِّ في دلالتهِ سيتهددُ في مستقبله بانحدارِ قيمتِهِ الدلالية أو هبوطها كما يقول اللغويون؛ وذلك بانتشارِ دلالتهِ الجديدةِ الخاصةِ الناتجةِ عن عواملَ عدةٍ، منها: شرحه في كلمات تعريف نظامِ هذه الدارِ وساكنيها ووظائفِها؛ وكتابته على لافتةِ التعريفِ على مدخلِها، ومَنْشوراتِ أنشطتها وإعلاناتها؛ وتعريفِ العاملينَ فيها بطبيعةِ عملهم، وخدمتهم لهؤلاءِ الوِلْدانِ الذينَ...؛ تصريحاً أو مغامزَ مجازِيةً جارحةً؛ الأمرُ الذي يعززه ما جاء في الصحاح ولسان العرب في مادة( و. ل. د) نصاً:" الوَليدُ: الصَّبيُّ والعبدُ، والجمع وِلْدانٌ ووِلْدَةٌ. والوَليدُ: الصبيَّةُ والأمَةُ، والجمع الوَلائِدُ"؛ والأَمةُ عند العربِ المملوكة، وهي خلاف الحُرَّةِ. وفي لسان العرب مادة( ب. غ. ي)" قيل: البَغِيُّ الأَمَةُ، فاجرة كانت أَو غير فاجرة، وقيل: البَغِيُّ أَيضاً الفاجرة، حرةً كانت أَو أَمة. وفي التنزيل العزيز:{ وما كانت أُمُّكِ بغيّاً}؛ أَي ما كانت فاجرة مثل قولهم: ملْحَفَة جَدِيدٌ؛ عن الأَخفش، وأُم مريم حرَّة لا محالة، ولذلك عمَّ ثعلبٌ بالبِغاء فقال: بَغَتِ المرأَةُ، فلم يَخُصَّ أَمة ولا حرة. وقال أَبو عبيد: البَغايا الإماءُ؛ لأَنهنَّ كنَّ يَفْجُرْنَ".