عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي #شيء من اللغة: معنى الأسف (2)

كُتب : [ 11-24-2021 - 02:30 PM ]


#شيء من اللغة: معنى الأسف (2)
د. هادي حسن حمّودي




اتّضح في الحلقة السابقة أنّ مدار الجذر على نقص، وهذا النقص يتّخذ أشكالا متعددة على وفق السياق والدلالة. ورأينا أنه المعنى الأصل والأفصح. وليكن في علمنا أن التصور الإسلامي الحقيقي للذات الإلهية لا ينسجم أبدا مع تفسير فلمّا أغضبونا أو فلما آلَمونا أو فلما أزعجونا. ليس في القرآن كله أغضبونا أو آلَمُونا أو أزعجونا. فهذه صفات بشرية، أما الله فليس كمثله شيء (الشورى 11) وهو نور السماوات والأرض (سورة النور 35). ولا شكّ في أن مقاييس عالَم الغيب تختلف عن مقاييس عالم الشّهادة.
وإذا حاججتنا بالتعبير القرآني (سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ)(سورة الأعراف 152) وما أشبهه، فجوابنا: إنه تقريب لتصور البشر، يقول لهم أنتم تعرفون الغضب وما يمكن أن يُنزل بكم من أذى. كما في حالة حاكم يغضب عليكم فيسجنكم أو يقتلكم، أو يغضب أبٌ على ابنه فيعاقبه. هذا الغضب عقاب تخشونه، فاحذروا أن يصيبكم ما هو أشد منه حين يسلّط عليكم من أعظم قوة خالقة مبدعة. فالتعبير تصويري يقرّب الحالة لمدارك الناس. ويبقى معنى (فَلَمَّا آسَفُونَا) عصونا بانتقاصهم من طاعتنا وعدم تنفيذهم لما ألزمناهم به.
ومن أدلة المعنى الذي ارتأيناه قول الأعشى:
أرى رجلا منهم أسيفا، كأنما/ يضمّ الى كشحيه كفا مُخَضّبا
قالوا: الاسيف الأسير. ومثله الأسيف: العبد. وإنما وُصفا بذلك لأن حريّتهما قد انتقصت أو صودرت. وحين يتقدم العمر بالرجل وتنقص قوته فهو الأسيف ومعناه في المعجمات: الشيخ الفاني. والأسيف، أيضا: المتلهف على ما فاته، ووُضف بالأسيف لأنه متلهف على ما نقصه.
ثم تغيرت الدلالة بمرور الزمن. نتابع هنا التغيّرات التي دخلت على دلالة الكلمة. ونحن ندرك أن التغيير كان بالتدريج حتى وصل إلى نسيان الأصل وإحلال الدلالات الجديدة محل المعنى الأصيل الأفصح الذي مثله الاستعمال القرآنيّ للكلمة. وعلى الرغم من تلك التغييرات فقد ظل ذلك المعنى، أو بعضه، يرافق استعمالاتها إلى اليوم، وإن خفي على الناطقين بها. ومن ذلك قول أبي نواس:
غيرُ مأسوف على زمنِ/ ينقضي بالهمّ والحَزَنٍ
إنما يرجو الحياةَ فتًى/ عاشَ في أمن من المِحَنِ
هذا زمن تنقصه السعادة وطيب العيش، فلا يأسف المرء على التخلي عنه، أي لا ينقصه شيء إن هو فعل ذلك. ولكن الشّرّاح عبروا الأصل إلى نتيجته فقالوا: لا يتألم ولا يحزن. ومن طريف ما فعل أحد محققي شرح ابن عقيل أن وضع البيت الأول في أعلى الصفحة ثم ملأها بتخريجات وإعرابات واختلافات لو اطلعت عليها لولّيت منها فرارا ولَمُلِئت منها رُعبا. ولفقدتَ أيّ إعجاب لك بالبيت وما تلاه.
نختصر الكلام فنعبر إلى مراد السؤال: لقد انتقلت كلمة (الأسف) بمرور الزمن إلى الندم، وهو دالّ على ((نقص)) في السلوك، مما يوجب الاعتذار. ولكن حين يرتكب المرء خطأ بحق صاحبه ثم يقدم له اعتذاره، فإن تمام الكلام أن يقول له: أنا آسف فسامحني، وهذا يعني: لقد انتقصتك أو انتقصت منك فأرجو منك السماح. كما في المثال المار في الحلقة السابقة عن الابن الذي (آسَفَ) أباه.
وجرت عاداتنا أن نكتفي بكلمة الأسف: أنا آسف، أو متأسف أو يؤسفني. وصار الناس يعدّونها اعتذارا. لكنها ليست من الاعتذار في شيء بل هي تقرير حقيقة يجب أن يلحقها الاعتذار، وطلب السماح. أنا آسف (تعني أخطأت في حقك، انتقصتك أو انتقصت منك) فسامحني.
وثمة مجال آخر أن ترى نقيصة في وضع عامّ فتقول: لقد انهار نظام التعليم، مع شديد الأسف، أو: إن وضعنا الاقتصادي، مع كل الأسف، لا يَسُرّ. أو إننا – ومع عميق الأسف الشديد – فقدنا بوصلة التطور الجدير بصفته، بسبب نقص في ذلك وذاك وهذا.
يسّر الله أوضاعنا الاجتماعية والاقتصادية كي يكون لدينا نظام اقتصادي عادل، ونظام تعليمي ناجح، ومسيرة تطوريّة متكاملة، حتى تكون جديرة بصفتها.

المصدر

رد مع اقتباس