إن الذي يتم رعيه في سياق الواقع الصحراوي المتعارف عليه هو الأغنام، لكن الشاعر قد حذف كلمة أغنام ووضع مكانها كلمة نجوم، وسر الجمال في هذه الاستعارة – كما يقول القدماء – هو التوضيح ، عندما أشبه شيئًا ماديًا بآخر مادي غير عاقل يكون سر الجمال هو التوضيح، إن مهنة الراعي تكشف عن طبيعة البيئة الصحراوية التي أفرز فيها هذا الشاعر نصه، وقد وظفها في أسلوب بليغ هو الاستعارة؛ لكي يكشف من خلالها وبدقة طبيعة الحالة النفسية التي يكابدها، إن الأغنام تتحرك في بيئة العربية الصحراوية، لكن نجوم ليل الشاعر في السموات لا تتحرك، هذا يعني أن زمنه قد توقف عند لحظته الحزينة التي مازالت تهيمن علي كيانه.
إذا نظرنا مثلًا إلى جملة ( اللغة العربية تنعي حظها بين أهلها/عنوان قصيدة للشاعر المصري الكلاسيكي حافظ إبراهيم) نجد أنفسنا أمام فعل يصرح بطبيعة المحذوف؛ إن حافظ إبراهيم قد وضع في بدايات القرن العشرين قصيدته هذه ليعبر عن أزمة الهوية العربية في ظل احتلال أجنبي يسعى إلى فرض صوته وثقافته على الأمة التي يحتلها، هنا جعل حافظ إبراهيم من هذا الكيان غير الإنساني ألا وهو اللغة العربية إنسانا يصرخ ويتألم ويحتاج إلى من يسمع صوته، وبداخله نجد هذه المرأة المتألمة ( اللغة ) تقول :
أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي
لقد بدأ حافظ إبراهيم هذا البيت معتمدا آلية الانتقال التدريجي من التشبيه إلى الاستعارة عموما؛ فاللغة العربية بحر كما يقول الشاعر ، إذن نحن أمام مشبه ومشبه به لكن هذا البحر تحول إلى جسد آدمي له أحشاؤه فعلونا درجة في سلم الخيال ، بالدخول في عالم الاستعارة المكنية الي جعلت من هذا البحر المليء بالكنوز إنسانا ذا أحشاء وسر الجمال هاهنا التشخيص.
وها نحن أولاء مع شاعر رومانسي قد ظهر في عصرنا الحديث هو خليل مطران الذي عبر عن حالته مثل القدماء باستخدام بناء استعاري له سر جمال خاص. يقول في قصيدته المساء
شاكٍ إلى البحر اضطراب خواطري ** فيجيبني برياحه الهوجاء
إن أهم ما يميز الرومانسية حوار أهلها لمفردات الطبيعة وإضفاء الطابع الإنساني على جزئياتها، هنا تأتي البلاغة لتكشف لنا عن هذا التوجه؛ إن شاعرنا هنا يتحدث مع البحر، والبحر مخلوق غير إنساني، هنا تتحقق دلالة كلمة الاستعارة، إننا أخذنا لفظة البحر من معناها المعجمي المتعارف عليه وأعطيناها دلالة إنسانية ليست لها في الأصل، هنا على الفور يبدو أن سر الجمال في هذه الاستعارة التشخيص .
وإذا قلنا مثلا: النور أمامي الآن في قاعة الدرس. فإننا ساعتها نجد أنفسنا أمام نوع استعاري يسمى بـ (الاستعارة التصريحية أو الاستعارة التمثيلية). والفرق بينها وبين نظيرتها المكنية أننا في المكنية نحذف المشبه به ونكني ونفصح عنه بأحد لوازمه؛ ألا وهو المشبه، كما هو الشأن في تعبير يرعى النجوم في استهلال قصيدة النابغة الذبياني، أما التصريحية فالعكس هو المعبر عن جوهرها؛ إننا نحذف المشبه ونصرح بالمشبه به؛ كما هو الحال في قوله تعالى: " الر. كتابٌ أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور"؛ فنحن بصدد مشبه غير موجود تقديره الكفر بالنسبة إلى الظلمات، وتقديره الإيمان والتوحيد بالنسبة إلى النور؛ فكأننا أمام تشبيه تمت ترقيته إلى استعارة، فالكفر كالظلمات، والإيمان والتوحيد كالنور. تمت الترقية التي تزيد المعنى قوة وتأثيرًا في نفس المتلقي؛ لتصير كما عبر عنها ربنا في محكم آياته " لتخرج الناس من الظلمات إلى النور".
وامتدادًا لهذا المشهد الاستعاري المؤسس على التصريح أو التمثيل بالمشبه به وإقصاء المشبه من المشهد نجد أنفسنا أمام نمط استعاري يتصل بفن المثل، وتحديدًا بمضرب المثل؛ فعندما نستعير مركبًا لغويًا قيل في موقف معين إلى موقف يشابهه فإن هذه العملية تعد جزءًا بارزًا في فضاء الاستعارة. وعلى سبيل الاستشهاد نتوقف أمام هذه المقولة للعربي القديم التي صارت مثلًا: " الصيف ضيعت اللبن " لأن امراة قد خاصمت وفارقت زوجها الثري بسبب عيوب وجدتها فيه وذهبت إلى فقير لشدة رغبتها فيه؛ فقال لها من رغبته: لا أستطيع ليس عندي ما تبغين، فأرادت الرجوع إلى زوجها الأول نادمة فأبى؛ فقيل عنها هذا المثل، إنه يضرب في المواقف التي نجد فيها إنسانًا يفرط فيما يمكنه أن يحصل عليه بسهولة ثم هو يأتي بعد فوات الأوان وتغير الظروف ليحاول أن يدركه ثانيةً، بعد أن أصبح هذا مستحيلًا، وهو ما نطلق عليه في كلامنا اليومي لقد فات الأوان، لقد ضيع الفرصة، أو بالعامية المصرية الدارجة (بعد خراب مالطا) ؛ إن استدعاء المثل العربي القديم هذا في سياقات ومواقف مشابهة للسياق الأول الذي خرج فيه، يعد لونًا من ألوان الاستعارة، وهكذا الشأن بالنسبة إلى كل عملية كلامية نضرب فيها مثلًا؛ أي نستدعي فيه مثلًا للحكم أو الوصف أو إبداء الرأي في حال معين واقع أمامنا.
وهناك نوع في الاستعارة يطلق عليه الاستعارة التهكمية أو الاستعارة الساخرة، ولكي نفهم معنى هذه الاستعارة يمكننا الوقوف أمام قول ربنا " ذق إنك أنت العزيز الكريم " إن علينا أن نحيط بالسياق الذي تقال فيه، إننا في هذه الآية أمام الكفار الذين ادعوا لأنفسهم شرفًا ومجدًا وعلو مكان في الدنيا جعلهم يعترضون ويعزفون عن الإيمان بدعوة الأنبياء بحجة أن من يسيرون وراء الأنبياء هم من الضعفاء والفقراء، فكيف للغني والعظيم أن يكون مع هذا الفقير والضعيف في مكان واحد؛ لذا يأتي قول ربنا ليتهكم وليسخر من هؤلاء .
ويتضح هذا المعنى أكثر مع آية قرآنية أخرى هي قوله تعالى:" فبشرهم بعذاب أليم "، هنا تبدو العلاقة الضدية جلية بين البشرى والعذاب؛ إن كلمة بشرى يناسبها لفظ الجنة مثلًا، وكلمة العذاب يناسبها قول التهديد أو الوعيد، لكن القول القرآني قد ركب بين الضدين لغرض يريده؛ ألا وهو إظهار مدى الذل والاختقار والهوان لهذه الفئة في الآخرة، التي وضعت نفسها في مكانة أعلى من النبي ومن آمنوا برسالته، وانطلاقًا من هذا المنهج الأثير الذي وضعه لنا الإمام الرازي، صاحب التفسير الكبير أو مفاتح الغيب وغيره من المفسرين للقرآن الكريم المتمثل في مقولة: إن القرآن يفسر بعضه بعضا يتضح أننا بالإمكان أن نقيم وصلًا دلاليًا بين هذه السخرية من القوم الكافرين وقوله تعالى: "وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا " إن هذه الآية تفسر لنا العناد ومن ثم فإن قوله تعالى: "فبشرهم بعذاب آليم" هو سخرية إلهية من هذا الموقف الفكري الذي هيمن على سلوك تلك الفئة ومن سار على دربها في الدنيا، ومن الواضح أن مصطلح (المفارقة) الذي ظهر فيما بعد في حقل النقد الحديث قد استلهم من هذا اللون الاستعاري خطاه وهو يتشكل ويتبلور؛ ليكون مرتكزا لانطلاق رافدين في المعنى: الأول يسير في سياق فكري ونفسي له دلالته، والثاني يسير في سياق على النقيض؛ فالقارئ على سبيل المثال لرواية الأديب المصري رشاد بلال الحاملة عنوان: (كله تمام يا افندم) يجدها على مستوى التفاصيل متعارضه تمامًا مع ما يحتضنه فضاء العنوان من معانٍ؛ إن صاحبها يتناول فترة الستينيات في مصر، التي شهدت مدا اشتراكيا وحلما بوحدة تجمع الشعوب العربية في إطار قومية واحدة منطلقة من اللغة والثقافة التي يلتقي عندها أبناؤها، لكن كل ذلك قد تكسر مع هزيمة العام 1967 لمساوئ كثيرة شابت نظام الحكم وكان لها دورها المؤثر فيما أفضت إليه مجريات الأحداث على المستوى المرجعي؛ لذا تأتي الصياغة الأسلوبية للكاتب حاملة في طياتها سخرية وتهكمًا من خلال توظيف هذا التعبير المنطلق من القاموس اللغوي الدارج بين المصريين (كله تمام يا افندم) وتكمن المفارقة هاهنا في أن قارئه ينتقل به من دلالته الحرفية المباشرة إلى دلالة عكسية مغايرة تماما، عندما يتابع الحركة الدرامية الهابطة للبطل من الداخل، بموازة قراءته لهذه المرحلة التاريخية الدقيقة في حياة المجتمع المصري والمنطقة.
إن البلاغة إذًا تعد بمثابة شخصية المانح للناقد الذي يجد لقراءته الموظفة للمصطلح في حقل النقد جذورا في بلاغتنا العربية، ليس فقط بالنسبة إلى الاستعارة التهكمية، إنما التورية أيضًا في مبحث البديع تمثل منطلقا مفيدًا في قراءة هذه النوعية من النصوص المبنية على منطق السخرية.
وفي الختام نقول إن العلاقة بين التشبيه والاستعارة هي علاقة بين الأعلى والأدنى في سلم الخيال، فأول درجات الخيال التشبيه ثم نعلو أكثر وأكثر إلى الاستعارة التي تقوم على تماهي الطرفين في شيء واحد بأن نجعل المشبه عين المشبه به أو أن نجعل المشبه به عين المشبه؛ فيصيرا شيئًا واحدًا.
الرسالة العاشرة
في المجاز المرسل
المجاز المرسل : استخدام الكلمة في غير معناها الأصلي لعلاقة بين الاثنين غير علاقة التشبيه، وذلك هو الفرق بين الاستعارة والمجاز المرسل .
نفهم من ذلك أن للمجاز المرسل أشكالًا عدة تمنح النص بلاغته؛ أول هذه الأشكال:
- المجاز المرسل ذو العلاقة الجزئية : عندما نقول : نشر العدو عيونه بين الناس؛ إن المقصود هاهنا أن يركز المتلقي على الدور المؤثر الذي تؤديه الشخصية من خلال أحد أعضائها؛ ألا وهو العين، ولا شك في أن المتكلم لا يقصد المعنى الحرفي للكلام، لكنه يريد أن يقول نشر جواسيسه بين الناس، إننا هاهنا أطلقنا الجزء/ العين وأردنا الكل؛ ألا وهو الشخص كاملًا، لكن لماذا ؟ إننا هنا أمام نوعية من البشر تمارس أدوارها في التقاط الأخبار والمعلومات، ونقلها إلى طرف آخر من خلال جزء محوري فيها متمثلًا في العين، وهذا ربنا عندما تحدث عن كفارة اليمين قال: " فإطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة " إننا في هذا النص لا نقصد الرقاب بالمعنى المادي بما قد يطرأ على الذهن للوهلة الأولى، لكننا نقصد الأشخاص الذين يشغلون في المجتمع رتبة اجتماعية معينة أراد الله إنصافها، إنها رتبة العبيد والإماء؛ فالرقاب هاهنا مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ لقد أرسلنا أو لنقل أطلقنا الجزء (الرقاب) وأردنا الكل وهم العبيد، وهنا يدخل سؤال الفليسوف: لماذا الرقبة بالتحديد التي اختارها الله؟ إن الإنسان الذي لا يحصل على إرادته كاملة تصير حريته ومن ثم إنسانيته منقوصة؛ فيصير أقرب إلى الحيوان الذي يمتلك صاحبه ناصيته (رقبته)؛ ومن ثم فإن التحرير هاهنا يعني إزالة هذه القيود التي تحد من حرية الإنسان وتنقص من الكرامة التي بها ارتفع على سائر خلق الله؛ ومن ثم يصير التحرير في النص القرآني مرادفا لحياة جديدة تعلن عن ميلاد جديد لهذا الإنسان.
- المجاز المرسل ذو العلاقة الكلية : إن هذا النوع على عكس الأول تمامًا؛ ففيه نطلق الكل ونريد الجزء، ومنه قول الحق تبارك وتعالى: " ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين" إن أصحاب الحجر في هذ النص هم قوم ثمود، فنحن نعلم جيدًا أن هؤلاء القوم الكافرين قد كذبوا نبيهم صالح – عليه السلام - لكن لماذا قال ربنا " المرسلين " بصيغة الجمع؟ إن صالح – عليه السلام – قد كلف بدعوة التوحيد الداعية إلى الإيمان بالله وحده؛ ومن ثم فإن تكذيبه هو في الحقيقة تكذيب لكل الأنبياء؛ لأنهم جميعًا قد أتوا برسالة التوحيد؛ ومن ثم يصبح هذا النص القرآني مفتاحًا لتفسير قوله تعالى " إن الدين عند الله الإسلام " فالإسلام هاهنا هو الدين الذي حمل مبادئه كل الأنبياء من آدم حتى خاتم الأنبياء محمد – صلى الله عليه وسلم - لقد أطلقنا الكل المرسلين وأردنا الجزء ( صالح عليه السلام ) ، كما يصبح هذا النص مفتاحًا لتفسير حديث النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – " الأنبياء أخوة لعلات دينهم واحد وأمهاتهم شتى " إن المقصود بأخوة لعلات في اللغة العربية الأبناء لأب واحد مع اختلاف الأمهات، هنا يقول نبينا – صلى الله عليه وسلم – إن الأب الذي ننتهي إليه جميعًا هو رسالة التوحيد، لكن الشرائع تختلف باختلاف الأحوال والأزمان ( الأمهات ).
نستطيع من خلال دراستنا للمجاز المرسل ذي العلاقة الكلية أن نقف بدقة محللين للنمط الذي يميز بعض وسائل الإعلام على اختلاف أشكالها في الترويج لقضية معينة أو تكوين رأي عام مع أو ضد أمر معين داخل المجتمع أو تحويل انتباه الجمهور إلى حادث بعينه من خلال توظيف هذه النوعية من المجاز وليس أدل على ذلك من كثير من العناوين التي تأتي متصدرة واجهة صحفنا اليومية، على سبيل المثال: مصر تعج بالمهرجانات في فصل الصيف، والمتتبع يجد أن القاهرة فقط وبعض مناطق الساحل الشمالي هي التي تحتضن هذه الفعاليات. مثال ثانٍ: الفيضانات تجتاح العالم وفي الواقع نجد أنها مركزة في مناطق بعينها هنا وهناك وليس كل العالم بالطبع.
إننا إذًا أمام سمة من سمات الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب تميل ناحية الإثارة والتهويل بغرض شد الانتباه وتحقيق معدلات متابعة ومشاهدة عليها، نلمح ذلك جليا في مبالغات أصحاب القنوات الخاصة على يوتيوب على سبيل المثال إنها بتوظيف هذه النوعية من المجاز المرسل الذي يطلق الكل أو يرسله لكنه في الحقيقة يريد الجزء .
- المجاز المرسل ذو العلاقة السببية : في هذه النوعية من المجاز نجدنا نستخدم كلمة في غير معناها الأصلي لكونها سببًا في حدوث معنى آخر، عندما أقول ( قد نزل السحاب ليروي أرضنا ) إن السحاب في الحقيقة لا ينزل لكن لأنه المتسبب في نزول ماء المطر فقد استخدمناه .
نلخص مما سبق أن المجاز المرسل صورة بلاغية تقوم على التجاور بين الأشياء وذلك باستخدام الألفاظ التي تدل على معانٍ محددة متعارف عليها لتنجز معاني أخرى، والفضل في ذلك للمتكلم الذي يخاطب من خلال المجاز المرسل عقل المستمع؛ فيحرك في مخيلته القدرة على تجاوز ظاهر الأشياء إلى ما وراءها .