وهناك أداة الاستفهام ( كيف ) : هي وسيلة في المعرفة شديدة الأهمية؛ إنها دعوة إلى معرفة الوسائل والإجراءات التي نلجأ إليها للوصول إلى غايات معينة؛ فإذا قلت مثلًا: نزل القرآن منجمًا في ثلاث وعشرين سنة، هذا يعني أن وراء هذه الحقيقة أو هذا الخبر متكلمًا يستفهم ويريد أن يعرف الوسيلة، قد يكون هذا المتكلم غير موجود صراحة في منظومة الكلام، لكن المحلل للنص والمفسر له يفترض وجوده ويضع هذه الأداة الاستفهامية تعبيرًا عن هذا الوجود، كما أنها أيضًا أداة لمعرفة الحال الذي يعبر عن الشخصية في شكلها الظاهري أو عن الشخصية في هيئتها المعنوية؛ عندما أقول: العالم يئن تحت وطئة ظلم وهيمنة شديدين؛ إنني خلف هذا الوصف ألمح سائلًا يسأل : كيف ترى حال العالم الآن ؟ وعندما أقول : رأيت محمد صادقًا، جاء محمد ماشيًا: كلها أخبار تمثل نتائج لأسئلة كان منطلقها الأداة ( كيف) وما دمنا نسأل عن الوسيلة فللغاية سؤالها أيضًا.
إنها أداة الاستفهام ( لماذا) إن البحث عن علل الأشياء وأسبابها يحتاج إلى هذه الأداة؛ إنها سؤال الفلاسفة الذين يتعمقون في تفاصيل الظواهر الخارجية وصولًا إلى ما وراءها، أو كما يطلقون عليه العلة الأولى؛ فهذا الكون من وجهة نظر الفلاسفة بما فيه من بشر وأشياء معلول أو لنقل مفعول خلفه فاعل أنجزه، وعندما يقول ربنا : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " وعندما يقول عز وجل " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا تُرجعون " إن الله في هاتين الآتين يعطي لعباده إجابتين عن سؤال يتكرر، خلفه لماذا ؟ وكأننا أمام سائل يسأل : لماذا خلقنا الله ؟ إذن تكون الإجابة في هذه العلة المتمثلة في العبادة وإعمار الأرض بذكر الله وبتوحيده، ولعل هذه الأداة هي التي تبرز لنا ما يسمى بالمفعول لأجله في لغتنا العربية، هذا المفعول لأجله هو الذي يفسر لنا علة قيام الفاعل بفعل معين، عندما نقول : خلقنا الله للعبادة يتضح أن الخلق هنا لم يات عبثًا وهكذا نحن في حياتنا لا يوجد فعل نقوم به بلا مبرر يدفعنا إلى ذلك.
ولا شك أن هذه الأدوات ليست وحدها في مجال الاستفهام، بل يضاف إليها متى التي تسأل عن الزمن وأين التي تسأل عن المكان، ونحن في تعاملنا مع حقول المعرفة المختلفة نجد هاتين الأداتين واضحتين في حقلين معرفيين مهمين هما حقل التاريخ وحقل الجغرافيا؛ فالتاريخ روايات لأحداث ارتبطت بزمن قد مضى، هنا نجد أن أداة الاستفهام متى تفرض نفسها على هذا المقروء التاريخي، وإلى جانبها تأتي أداة الاستفهام أين التي تدلنا على الأماكن، ولعلنا في دراستنا للنصوص الأدبية وغيرها، نجد أنفسنا بحاجة إلى معرفة ما يمكن أن نسميه بجغرافيا النص وتاريخ النص؛ أي فضاء المكان الذي ظهر فيه هذا النص وأثره في صاحبه، فكما يقولون: الإنسان ابن بيئته؛ فمعرفة المكان ضرورية في تأويل النص ومحاولة استخراج ما يتضمنه من معانٍ، الحال نفسه ينطبق على التاريخ الذي يرتبط بزمن؛ فشتان بين أن أدرس قصيدة عمرو بن كلثوم ( المعلقة ) في العصر الجاهلي وقصيدة قالها أبو تمام في عصر بني العباس .
نستخلص مما سبق أن لكل نص مقروء ولكل شخصية نحاورها ونقترب منها سؤالين يحتاجان إلى إجابة سؤال الجغرافيا ( جغرافيا النص وجغرافيا الشخصية ) وسؤال التاريخ؛ إنني لا أستطيع أن أقول: إن شخصية من نشأ وتربى في مجتمع المدينة ستكون هي هي شخصية من نشأ وتربى في مجتمع الريف، كما أنني لا أستطيع أن أقول: إنني في المرحلة العمرية الصغيرة التي كنت فيها في الثانوية مثلًا هو هو هذا الإنسان في مرحلة الجامعة وما بعدها؛ فما دام الزمن يتغير فنحن نتغير أيضًا ولا شك في أن لهذه المعاني انعكاساتها على عالم الفن، ومع أداة الاستفهام (ماذا) التي تسأل عن الفعل الذي نقوم به يكون الإنشاء الاستفهامي قد اكتمل.
مع هذا الاكتمال نستطيع القول: إن ثنائية السؤال والجواب هي التي تحكم حركة هذا الإنسان الخليفة داخل عالمه وما يحصل عليه من معارف وخبرات هو في جوهره نتائج لحزمة من الأسئلة الطلبية التي سألها لهذا العالم وأخذت في صياغتها أشكالا شتى؛ وهو ما ينطلق بنا من هذا المبحث في علم المعاني إلى تصميم محدد لعملية تحليل النص اللغوي من حيث الشكل (كيف يقول النص؟) ومن حيث المضمون( ماذا يقول..ولماذا)؛ ومن ثم تفكيكه إلى أجزاء:
- الكلمة : اسم ، فعل ، حرف
إنسان غير إنسان
ماض مضارع أمر
- الجملة : خبر إنشاء
اسمي فعلي أمر/ نهي استفهام نداء
- العبارة : مجموعة جمل في شكل منظومة اتصالية بها متكلم ومستمع
- البعد المجازي أو الخيالي الموجود في النص ومدى تحققه : ما الدلالة الكامنة وراءه. وما يبثه من دلالات يندرج تحت مبحث البيان في البلاغة.
- ماذا يقول النص لعصره وللعصر الذي أعيش فيه؟ سؤال المحتوى والمضمون.
- لماذا قال النص ما قال؟ فلسفة النص؛ ما الذي لم يقله النص ؟ ما الذي لم يقله الكاتب؛ إننا مع هذا السؤال أمام عملية شديدة العمق والخطر تبحث فيما وراء النص، في الجانب الميتافيزيقي الغيبي غير المنظور والمرئي من النص.
الرسالة السابعة
توطئة في علم البيان
كلمة بيان : تعني الإيضاح وهي كلمة تأخذ القارئ إلى المحتوى الدلالي الذي يقصده النص، ولا شك في أن هذا المحتوى يحتاج في الوصول إليه إلى الوقوف عند الشكل أولًا، والمقصود بالشكل هاهنا صياغة النص: ألفاظه وتراكيبه، ويمكننا أن نقول: إن هناك علاقة يحاول البلاغي منذ القدم أن يقيمها بين الموضوعات التي يتضمنها هذا العلم والشكل الخارجي للنص، إن عبد القاهر الجرجاني عندما تحدث عن هذا العلم من علوم البلاغة أوضح أنه يركز على الجانب الخيالي أو المجازي داخل الكلام وما يؤديه من دور بالنسبة إلى الدلالة التي يقصدها النص .
ولهذا العلم دور في الفصل الذي نقيمه بين الواقع والأدب؛ فالأدب على اختلاف أشكاله لعبة تقوم على ( الخيال / المجاز ) الذي هو مناط اهتمام علم البيان؛ فالأدب تعبير عن الواقع بطريقة خاصة جدًا تتسم بالجمالية، والفرق بينه وبين التاريخ والتقارير والمذكرات هو في الخيال الذي يميزه ومادمنا نتحدث عن هذا الفرق فإنه يظهر أمامنا على الفور في أفق المعرفة مصطلح ( الرمز ) إننا نقول: إن الأدب عالم ملئ بالرموز والرمز في أيسر معانيه توظيف الكلمة(اللفظ/الدال) في غير معناها الحقيقي الذي تستخدم من أجله في الغالب.
أول نتيجة نصل إليها ونحن نقترب من هذا المبحث في علم البلاغة أن هناك فرقًا بين المعنى المعجمي للكلمة والمعنى الأدبي لها الذي يتحقق من خلال وجودها في قصيدة الشعر أو في القصة القصيرة أو الرواية ... إلى آخر فنون الأدب المختلفة .
ويأخذنا هذا الفرق إلى فكرة الحضور الموضوعي أو المرجعي للشيء داخل العالم الذي نتفق عليه جميعًا في الغالب، والحضور النفسي أو الذهني لهذا الشيء بداخل كل واحد فينا، هي الشمس نجم مضيء تشرق كل يوم وتغرب في مواقيت محددة، لكن أديبًا يوظفها في سبيل التعبير عن الحياة الشاقة التي تؤلم الإنسان وتتعبه، ويأتي آخر ليوظفها في سبيل الإشارة إلى النهار، الذي هو نقيض الليل وفيه الحركة والعمل الذي هو ضد السكون، وآخر ينظر إلى الشمس بوصفها علامة على ميلاد جديد وحياة جديدة أكثر إشراقًا وتفاؤلًا من حياة ملؤها الهموم والأزمات .
البيان إذًا عملية ذات طابع رحلي تعتمد على الانتقال من حال إلى حال؛ فمن حال الصمت والتخفي بما يموج داخلنا من فكر وشعور إلى حال الكلام والإظهار، ساعتها تنتقل مشاعرنا وأفكارنا من التجرد إلى الملوس، ومن المخبوء إلى المعلوم.
والحديث عن البيان بالكلام يأخذنا إلى مصطلح العلامة اللغوية عند عالم اللغة السويسري الشهير فردينان دي سوسير في كتابه الأثير محاضرات في علم اللغة العام، وارتباط هذه العلامة بالشكل الظاهري للكلام (الدال)، وبالمعنى الكامن وراء هذا الشكل (المدلول)، والحديث عن المدلول يتسع ويمتد ليشمل المدلول القريب المباشر، والمدلول الإيحائي غير المباشر، وارتباط الاثنين بالقالب الكلامي (أدب أو غير أدب) وبالحالة النفسية والذهنية للمتكلم والمستمع، التي من شأنها أن تضفي على المعنى بعدًا ذاتيا شديد الخصوصية يأتي بمنأى عن المعنى الموضوعي المتعارف عليه في سياق الواقع المعيش.
الرسالة الثامنة
أول درجة في سلم الخيال
التشبيه
نأتي إلى أول درجة في سلم الخيال؛ ألا وهي ( التشبيه ) إن هذا الأسلوب الذي نجده كثيرًا في نصوص اللغة يقوم على منطق مهم جدًا ألا وهو إدراك الإنسان بصفة عامة لما في العالم من متماثلات، إن هذا الكون الذي خلقه ربنا على ما فيه من بشر وأشياء به مناطق ومساحات للاتفاق، ومساحات أخرى للاختلاف، هنا تأتي قيمة المقارنة التي نعقدها بين طرفين أو أكثر، إن الإنسان منذ أن خلقه الله إلى يوم القيامة هو في جوهره عقل، وللاثنين أداة واحدة تعبر عنهما هي اللسان، هذه مسلمة كلنا يتفق عليها، لكن هناك مساحات من الاختلاف بين البشر تعود إلى المرحلة الزمنية واللغة والثقافة والعقيدة والمكان، إن ربنا يقول: " ما حلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير " ، من هذه الآية نعرف أن بني آدم كلهم متفقون في ماهية واحدة لكن بينهم مساحات من الاختلاف نلمسها في قوله تعالى : " ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالِمين " وقوله تعالى في سورة الحجرات : " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا " .
إن التشبيه في حقيقته جملة تتكون من طرفين أساسيين: مشبه ومشبه به؛ أقول : العلم كالنور في الضياء، والجهل كسواد الليل في الظلمة . لقد أدرك واضع هاتين الجملتين أن هناك متشابهات في هذا العالم؛ فالعلم والجهل أمور نعرفها جيدًا وبينهما وبين النور والظلام أوجه تشابه. هنا نستطيع أن نقول: إن أسلوب التشبيه في حقيقته جملة تعتمد على المقارنة، لكن المقارنة في هذه الحالة بالتحديد تركز على جوانب الاتفاق التي تجمع الطرفين .
وعندما يقول ربنا : " وهي تجري بهم في موج كالجبال " فإن الذات الإلهية هاهنا تقف بالقارئ أمام دلالة لها هولها الذي يدل على عظم العذاب الذي نزل بقوم نوح عليه السلام، إن السماء التي تدفق منها الماء والأرض التي تفجرت وصارت عيونًا جعلت الماء في ارتفاعه الذي يغرق ويهلك أي شئ أمامه مثل الجبل العالي الشامخ، والنص هاهنا والتشبيه هاهنا يريد أن يصل إلى قمة الأثر النفسي عند القارئ عندما يحصل الترهيب بداخله؛ فالجبل مخيف وكذلك الموج العالي؛ إن جملة التشبيه لها دلالات ولها مقاصد تريد أن تحققها عند المتلقي، وربنا الذي يقول واصفًا الشجرة المعلونة في القرآن ( الزقوم ) : " إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم . طلعها كأنه رؤوس الشياطين" فإننا مع منطوقه نجد أنفسنا أمام مشبه هو الطلع أو ثمر شجر النار وأمام مشبه به هو رءوس الشياطين، وأداة تشبيه هي الكاف، إن الخوف من النار يجب ألا يكون بالسمع فقط عن شيء غيبي، لكن بمحاولة تجسيد المشهد في شيء يعرفه العربي جيدًا؛ إن الشيطان مخلوق مذموم، وعقلية العربي تنظر إليه على أنه رمز لكل قبيح تأبى العين رؤيته؛ إن من المعلوم أن المشبه به دائمًا في أسلوب التسبيه يكون أكثر وضوحًا وأكثر شهرة عند القارئ؛ لذلك فإن المتكلم يستعين به في كلامه لكي يصل إلى دلالة محددة يريد تحصيلها مع المشبه.
وفي لغتنا العربية أشكال عدة للتشبيه فهناك على سبيل المثال:
- التشبيه المفصل : الذي تتحقق فيه كل الأركان : المشبه والمشبه به وأداة التشبيه ووجه الشبه؛ مثل : محمد كالأسد في الشجاعة .
- التشبيه المرسل: وهذا يعني وجود المشبه والمشبه به وأداة التشبيه فقط؛ مثل : محمد كالنور، هنا نستشعر أن هناك مساحة ناقصة نستكملها نحن لهذا سمي بالمرسل؛ لأنني لم أجد مناطق الاتفاق بين الطرفين ظاهرة في بنية الجملة .
- التشبيه البليغ : أعلى مراتب التشبيه الذي يتحقق بوجود الطرفين فقط المشبه والمشبه به دون ذكر الأداة ودون ذكر وجه الشبه، عندما أقول : الصلاة نور والصدقة برهان. وعندما أقول : العلم نور والجهل ظلمات .
إن التشبيه درجة أو لنقل مرحلة انتقالية بين الواقع والخيال، إنه يعترف لكل طرف حضوره المستقل، لكنه يحاول أن يقيم في الوقت نفسه جسرًا رابطًا على مستوى المعنى بين الطرفين؛ فالجهل له معناه والظلام له معناه، هذا هو الواقع، لكن الخيال يدخل ليقيم ربطًا بين الاثنين؛ فالجهل يعني غياب المعرفة التي توضح للإنسان المجهول في هذا العالم، والظلام يعني أيضًا الغياب لكن غياب النور الذي يوضح للإنسان الأشياء الموجودة داخل هذا العالم .
ومن هذا الكلام يبدو أيضًا أن هناك المشبه المعنوي والمشبه به المادي أو الحسي، ما معني ذلك ؟ إن هناك في الكلام ما يسمى بالدلالة الحسية والدلالة المعنوية، والدلالة الحسية هي التي يتم إدراكها بالحواس الخمسة عند الإنسان: السمع والبصر والتذوق والشم واللمس، وعندما أقول: ظلام ونور فهاتان الكلمتان يتم إدراكهما بالعين بوصفها حاسة، وعندما أقول جهل وعلم فهاتان كلمتان تعطيان دلالات معنوية أو ذهنية يتم إدراكها من خلال العقل.
الرسالة التاسعة
في الفرق بين التشبيه والاستعارة
إذا كان التشبيه يعترف للواقع بحضوره وذلك من خلال ذكر الطرفين المشبه والمشبه به فإذا قلنا ( زيد أسد ) و ( محمد نور ) فإننا نجد في هذين القولين حضورًا للخيال لكن هذا الحضور لا يلغي منطق الواقع؛ فمازال محمد موجودًا؛ بوصفه كيانًا مستقلًا ومازال النور موجودًا بوصفه شيئًا مختلفًا، لكننا في سلم البلاغة والخيال قد نصعد أكثر فأكثر عندما يزول هذا الفصل بين المشبه والمشبه به فنرى الاثنين شيئًا واحدًا؛ إننا إذًا في عالم الاستعارة، وكما هو واضح من الكلمة فإنها تعبر عن لفظ يتم إخراجه من معناه الحقيقي ليعبر عن معنى آخر غير الذي وضع له في الأصل، هذه هي الاستعارة؛ فإذا كان الشاعر العربي القديم يقول:
إنما مصعب شهاب من الله ** تجلت عن وجهه الظماء
فإن علينا أن نلحظ أن عبيد الله بن قيس الرقيات يمدح مصعب بن الزبير مستخدمًا أسلوب التشبيه البليغ الذي يتكون من طرفين مشبه ( مصعب ) ومشبه به ( شهاب )، تلك هي الدرجة الأولى في سلم الخيال .
أما الدرجة الأعلى فإننا نجدها على سبيل المثال في قول ربنا في القرآن الكريم في إشارته إلى طبيعة الدور الإيجابي لنبيه – صلى الله عليه وسلم - يقول تعالى " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين " إننا بالبحث المتأمل داخل هذا النص القرآني نجد أن المشبه قد غاب وتمت الإشارة إليه بإحدى لوازمه؛ ألا وهي المشبه؛ فإذا كنا في التشبيه نقول ( محمد نور )، فإننا في هذه الاية نجد أن محمدا والنور صارا شيئًا واحدًا، وتلك هي بلاغة الاستعارة، إن نبينا – صلى الله عليه وسلم – قد جاء هداية للعالمين؛ ليرشد الناس إلى الصرط المستقيم الذي فيه صلاح حياتهم في الدنيا ونجاتهم أمام الله في الآخرة، هذا المعنى تم التعبير عنه ببناء استعاري عندما عبر الله عن هذا القول في قوله " لتخرج الناس من الظلمات إلى النور " إننا في التشبيه نقول الكفر ظلام أو الكفر كالظلام، لكننا في الاستعارة حذفنا أحد الطرفين وجعلناه مع الطرف الآخر سواء؛ لقد أضحى الكفر هو هو الظلمات، ونلاحظ أننا هنا أمام ظلمات ونور واحد، إننا بالنظر إلى واقعنا المعيش نلاحظ أن للكفر أشكالا عدة يظهر من خلالها فما بين عابد للنار وعابد لشمس وعابد لتمثال صخري وغير ذلك؛ إننا أمام ظلمات يأتي في مواجهتها كتاب واحد ونور واحد ( الإسلام ) وهذا يفسر لنا قوله تعالى : " إن الدين عند الله الإسلام ".
نلخص مما سبق أن الفرق بين التشبية والاستعارة يكمن في أن التشبيه أيا كان نوعه يقيم عماد الطرفين أمام القاريء المتأمل : المشبه والمشبه به، أما الاستعارة فتعني تذويب هذا الفارق تمامًا، وإذا أردنا أن نتعرف على أنواعها فلندخل مع عدد من الأمثلة التطبيقية .
فهذا النابغة الزبياني يقول:
كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطئ الكواكب
تطاول حتى قيل ليس بمنقضٍ وليس الذي يرعى النجوم بآيب
نستطيع أن نضع خطًا تحت ( وليس الذي يرعى النجوم بآيب ) إننا أمام مشهد قد تم رسمه بحروف اللغة الشاعرة، هذا المشهد يعكس حالة نفسية شديدة المأساوية يعانيها الشاعر وهو في تعبيره عنها مثل كثير من الشعراء القدامى، إن ليل الشاعر هاهنا طويل لا ينتهي، هذا الطول قد استعان في رسمه عبر حروف اللغة الشاعرة بكواكب السماء التي لا تتحرك في البيت الأول، وفي البيت الثاني جاءت الاستعارة لتصل بكلمات الشاعر إلى قمة البلاغة؛ إننا هنا أمام نوع من الاستعارة، هي الاستعارة المكنية، التي تعني حذف المشبه به والتكنية عنه أو الإشارة إليه بأحد لوازمه؛ ألا وهو المشبه.