والحديث عن البيان بالكلام يأخذنا إلى مصطلح العلامة اللغوية عند عالم اللغة السويسري الشهير فردينان دي سوسير في كتابه الأثير محاضرات في علم اللغة العام، وارتباط هذه العلامة بالشكل الظاهري للكلام (الدال)، وبالمعنى الكامن وراء هذا الشكل (المدلول)، والحديث عن المدلول يتسع ويمتد ليشمل المدلول القريب المباشر، والمدلول الإيحائي غير المباشر، وارتباط الاثنين بالقالب الكلامي (أدب أو غير أدب) وبالحالة النفسية والذهنية للمتكلم والمستمع، التي من شأنها أن تضفي على المعنى بعدًا ذاتيا شديد الخصوصية يأتي بمنأى عن المعنى الموضوعي المتعارف عليه في سياق الواقع المعيش.
الرسالة الثامنة
أول درجة في سلم الخيال
التشبيه
نأتي إلى أول درجة في سلم الخيال؛ ألا وهي ( التشبيه ) إن هذا الأسلوب الذي نجده كثيرًا في نصوص اللغة يقوم على منطق مهم جدًا ألا وهو إدراك الإنسان بصفة عامة لما في العالم من متماثلات، إن هذا الكون الذي خلقه ربنا على ما فيه من بشر وأشياء به مناطق ومساحات للاتفاق، ومساحات أخرى للاختلاف، هنا تأتي قيمة المقارنة التي نعقدها بين طرفين أو أكثر، إن الإنسان منذ أن خلقه الله إلى يوم القيامة هو في جوهره عقل، وللاثنين أداة واحدة تعبر عنهما هي اللسان، هذه مسلمة كلنا يتفق عليها، لكن هناك مساحات من الاختلاف بين البشر تعود إلى المرحلة الزمنية واللغة والثقافة والعقيدة والمكان، إن ربنا يقول: " ما حلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير " ، من هذه الآية نعرف أن بني آدم كلهم متفقون في ماهية واحدة لكن بينهم مساحات من الاختلاف نلمسها في قوله تعالى : " ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالِمين " وقوله تعالى في سورة الحجرات : " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا " .
إن التشبيه في حقيقته جملة تتكون من طرفين أساسيين: مشبه ومشبه به؛ أقول : العلم كالنور في الضياء، والجهل كسواد الليل في الظلمة . لقد أدرك واضع هاتين الجملتين أن هناك متشابهات في هذا العالم؛ فالعلم والجهل أمور نعرفها جيدًا وبينهما وبين النور والظلام أوجه تشابه. هنا نستطيع أن نقول: إن أسلوب التشبيه في حقيقته جملة تعتمد على المقارنة، لكن المقارنة في هذه الحالة بالتحديد تركز على جوانب الاتفاق التي تجمع الطرفين .
وعندما يقول ربنا : " وهي تجري بهم في موج كالجبال " فإن الذات الإلهية هاهنا تقف بالقارئ أمام دلالة لها هولها الذي يدل على عظم العذاب الذي نزل بقوم نوح عليه السلام، إن السماء التي تدفق منها الماء والأرض التي تفجرت وصارت عيونًا جعلت الماء في ارتفاعه الذي يغرق ويهلك أي شئ أمامه مثل الجبل العالي الشامخ، والنص هاهنا والتشبيه هاهنا يريد أن يصل إلى قمة الأثر النفسي عند القارئ عندما يحصل الترهيب بداخله؛ فالجبل مخيف وكذلك الموج العالي؛ إن جملة التشبيه لها دلالات ولها مقاصد تريد أن تحققها عند المتلقي، وربنا الذي يقول واصفًا الشجرة المعلونة في القرآن ( الزقوم ) : " إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم . طلعها كأنه رؤوس الشياطين" فإننا مع منطوقه نجد أنفسنا أمام مشبه هو الطلع أو ثمر شجر النار وأمام مشبه به هو رءوس الشياطين، وأداة تشبيه هي الكاف، إن الخوف من النار يجب ألا يكون بالسمع فقط عن شيء غيبي، لكن بمحاولة تجسيد المشهد في شيء يعرفه العربي جيدًا؛ إن الشيطان مخلوق مذموم، وعقلية العربي تنظر إليه على أنه رمز لكل قبيح تأبى العين رؤيته؛ إن من المعلوم أن المشبه به دائمًا في أسلوب التسبيه يكون أكثر وضوحًا وأكثر شهرة عند القارئ؛ لذلك فإن المتكلم يستعين به في كلامه لكي يصل إلى دلالة محددة يريد تحصيلها مع المشبه.
وفي لغتنا العربية أشكال عدة للتشبيه فهناك على سبيل المثال:
- التشبيه المفصل : الذي تتحقق فيه كل الأركان : المشبه والمشبه به وأداة التشبيه ووجه الشبه؛ مثل : محمد كالأسد في الشجاعة .
- التشبيه المرسل: وهذا يعني وجود المشبه والمشبه به وأداة التشبيه فقط؛ مثل : محمد كالنور، هنا نستشعر أن هناك مساحة ناقصة نستكملها نحن لهذا سمي بالمرسل؛ لأنني لم أجد مناطق الاتفاق بين الطرفين ظاهرة في بنية الجملة .
- التشبيه البليغ : أعلى مراتب التشبيه الذي يتحقق بوجود الطرفين فقط المشبه والمشبه به دون ذكر الأداة ودون ذكر وجه الشبه، عندما أقول : الصلاة نور والصدقة برهان. وعندما أقول : العلم نور والجهل ظلمات .
إن التشبيه درجة أو لنقل مرحلة انتقالية بين الواقع والخيال، إنه يعترف لكل طرف حضوره المستقل، لكنه يحاول أن يقيم في الوقت نفسه جسرًا رابطًا على مستوى المعنى بين الطرفين؛ فالجهل له معناه والظلام له معناه، هذا هو الواقع، لكن الخيال يدخل ليقيم ربطًا بين الاثنين؛ فالجهل يعني غياب المعرفة التي توضح للإنسان المجهول في هذا العالم، والظلام يعني أيضًا الغياب لكن غياب النور الذي يوضح للإنسان الأشياء الموجودة داخل هذا العالم .
ومن هذا الكلام يبدو أيضًا أن هناك المشبه المعنوي والمشبه به المادي أو الحسي، ما معني ذلك ؟ إن هناك في الكلام ما يسمى بالدلالة الحسية والدلالة المعنوية، والدلالة الحسية هي التي يتم إدراكها بالحواس الخمسة عند الإنسان: السمع والبصر والتذوق والشم واللمس، وعندما أقول: ظلام ونور فهاتان الكلمتان يتم إدراكهما بالعين بوصفها حاسة، وعندما أقول جهل وعلم فهاتان كلمتان تعطيان دلالات معنوية أو ذهنية يتم إدراكها من خلال العقل.
الرسالة التاسعة
في الفرق بين التشبيه والاستعارة
إذا كان التشبيه يعترف للواقع بحضوره وذلك من خلال ذكر الطرفين المشبه والمشبه به فإذا قلنا ( زيد أسد ) و ( محمد نور ) فإننا نجد في هذين القولين حضورًا للخيال لكن هذا الحضور لا يلغي منطق الواقع؛ فمازال محمد موجودًا؛ بوصفه كيانًا مستقلًا ومازال النور موجودًا بوصفه شيئًا مختلفًا، لكننا في سلم البلاغة والخيال قد نصعد أكثر فأكثر عندما يزول هذا الفصل بين المشبه والمشبه به فنرى الاثنين شيئًا واحدًا؛ إننا إذًا في عالم الاستعارة، وكما هو واضح من الكلمة فإنها تعبر عن لفظ يتم إخراجه من معناه الحقيقي ليعبر عن معنى آخر غير الذي وضع له في الأصل، هذه هي الاستعارة؛ فإذا كان الشاعر العربي القديم يقول:
إنما مصعب شهاب من الله ** تجلت عن وجهه الظماء
فإن علينا أن نلحظ أن عبيد الله بن قيس الرقيات يمدح مصعب بن الزبير مستخدمًا أسلوب التشبيه البليغ الذي يتكون من طرفين مشبه ( مصعب ) ومشبه به ( شهاب )، تلك هي الدرجة الأولى في سلم الخيال .
أما الدرجة الأعلى فإننا نجدها على سبيل المثال في قول ربنا في القرآن الكريم في إشارته إلى طبيعة الدور الإيجابي لنبيه – صلى الله عليه وسلم - يقول تعالى " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين " إننا بالبحث المتأمل داخل هذا النص القرآني نجد أن المشبه قد غاب وتمت الإشارة إليه بإحدى لوازمه؛ ألا وهي المشبه؛ فإذا كنا في التشبيه نقول ( محمد نور )، فإننا في هذه الاية نجد أن محمدا والنور صارا شيئًا واحدًا، وتلك هي بلاغة الاستعارة، إن نبينا – صلى الله عليه وسلم – قد جاء هداية للعالمين؛ ليرشد الناس إلى الصرط المستقيم الذي فيه صلاح حياتهم في الدنيا ونجاتهم أمام الله في الآخرة، هذا المعنى تم التعبير عنه ببناء استعاري عندما عبر الله عن هذا القول في قوله " لتخرج الناس من الظلمات إلى النور " إننا في التشبيه نقول الكفر ظلام أو الكفر كالظلام، لكننا في الاستعارة حذفنا أحد الطرفين وجعلناه مع الطرف الآخر سواء؛ لقد أضحى الكفر هو هو الظلمات، ونلاحظ أننا هنا أمام ظلمات ونور واحد، إننا بالنظر إلى واقعنا المعيش نلاحظ أن للكفر أشكالا عدة يظهر من خلالها فما بين عابد للنار وعابد لشمس وعابد لتمثال صخري وغير ذلك؛ إننا أمام ظلمات يأتي في مواجهتها كتاب واحد ونور واحد ( الإسلام ) وهذا يفسر لنا قوله تعالى : " إن الدين عند الله الإسلام ".
نلخص مما سبق أن الفرق بين التشبية والاستعارة يكمن في أن التشبيه أيا كان نوعه يقيم عماد الطرفين أمام القاريء المتأمل : المشبه والمشبه به، أما الاستعارة فتعني تذويب هذا الفارق تمامًا، وإذا أردنا أن نتعرف على أنواعها فلندخل مع عدد من الأمثلة التطبيقية .
فهذا النابغة الزبياني يقول:
كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطئ الكواكب
تطاول حتى قيل ليس بمنقضٍ وليس الذي يرعى النجوم بآيب
نستطيع أن نضع خطًا تحت ( وليس الذي يرعى النجوم بآيب ) إننا أمام مشهد قد تم رسمه بحروف اللغة الشاعرة، هذا المشهد يعكس حالة نفسية شديدة المأساوية يعانيها الشاعر وهو في تعبيره عنها مثل كثير من الشعراء القدامى، إن ليل الشاعر هاهنا طويل لا ينتهي، هذا الطول قد استعان في رسمه عبر حروف اللغة الشاعرة بكواكب السماء التي لا تتحرك في البيت الأول، وفي البيت الثاني جاءت الاستعارة لتصل بكلمات الشاعر إلى قمة البلاغة؛ إننا هنا أمام نوع من الاستعارة، هي الاستعارة المكنية، التي تعني حذف المشبه به والتكنية عنه أو الإشارة إليه بأحد لوازمه؛ ألا وهو المشبه.
إن الذي يتم رعيه في سياق الواقع الصحراوي المتعارف عليه هو الأغنام، لكن الشاعر قد حذف كلمة أغنام ووضع مكانها كلمة نجوم، وسر الجمال في هذه الاستعارة – كما يقول القدماء – هو التوضيح ، عندما أشبه شيئًا ماديًا بآخر مادي غير عاقل يكون سر الجمال هو التوضيح، إن مهنة الراعي تكشف عن طبيعة البيئة الصحراوية التي أفرز فيها هذا الشاعر نصه، وقد وظفها في أسلوب بليغ هو الاستعارة؛ لكي يكشف من خلالها وبدقة طبيعة الحالة النفسية التي يكابدها، إن الأغنام تتحرك في بيئة العربية الصحراوية، لكن نجوم ليل الشاعر في السموات لا تتحرك، هذا يعني أن زمنه قد توقف عند لحظتة الحزينة التي مازالت تهيمن علي كيانه.
إذا نظرنا مثلًا إلى جملة ( اللغة العربية تنعي حظها بين أهلها/عنوان قصيدة للشاعر المصري الكلاسيكي حافظ إبراهيم) نجد أنفسنا أمام فعل يصرح بطبيعة المحذوف؛ إن حافظ إبراهيم قد وضع في بدايات القرن العشرين قصيدته هذه ليعبر عن أزمة الهوية العربية في ظل احتلال أجنبي يسعى إلى فرض صوته وثقافته على الأمة التي يحتلها، هنا جعل حافظ إبراهيم من هذا الكيان غير الإنساني ألا وهو اللغة العربية إنسانا يصرخ ويتألم ويحتاج إلى من يسمع صوته، وبداخله نجد هذه المرأة المتألمة ( اللغة ) تقول :
أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي
لقد بدأ حافظ إبراهيم هذا البيت معتمدا آلية الانتقال التدريجي من التشبيه إلى الاستعارة عموما؛ فاللغة العربية بحر كما يقول الشاعر ، إذن نحن أمام مشبه ومشبه به لكن هذا البحر تحول إلى جسد آدمي له أحشاؤه فعلونا درجة في سلم الخيال ، بالدخول في عالم الاستعارة المكنية الي جعلت من هذا البحر المليء بالكنوز إنسانا ذا أحشاء وسر الجمال هاهنا التشخيص.
وها نحن أولاء مع شاعر رومانسي قد ظهر في عصرنا الحديث هو خليل مطران الذي عبر عن حالته مثل القدماء باستخدام بناء استعاري له سر جمال خاص. يقول في قصيدته المساء
شاكٍ إلى البحر اضطراب خواطري ** فيجيبني برياحه الهوجاء
إن أهم ما يميز الرومانسية حوار أهلها لمفردات الطبيعة وإضفاء الطابع الإنساني على جزئياتها، هنا تأتي البلاغة لتكشف لنا عن هذا التوجه؛ إن شاعرنا هنا يتحدث مع البحر، والبحر مخلوق غير إنساني، هنا تتحقق دلالة كلمة الاستعارة، إننا أخذنا لفظة البحر من معناها المعجمي المتعارف عليه وأعطيناها دلالة إنسانية ليست لها في الأصل، هنا على الفور يبدو أن سر الجمال في هذه الاستعارة التشخيص .
وإذا قلنا مثلا: النور أمامي الآن في قاعة الدرس. فإننا ساعتها نجد أنفسنا أمام نوع استعاري يسمى بـ (الاستعارة التصريحية أو الاستعارة التمثيلية). والفرق بينها وبين نظيرتها المكنية أننا في المكنية نحذف المشبه به ونكني ونفصح عنه بأحد لوازمه؛ ألا وهو المشبه، كما هو الشأن في تعبير يرعى النجوم في استهلال قصيدة النابغة الذبياني، أما التصريحية فالعكس هو المعبر عن جوهرها؛ إننا نحذف المشبه ونصرح بالمشبه به؛ كما هو الحال في قوله تعالى: " الر. كتابٌ أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور"؛ فنحن بصدد مشبه غير موجود تقديره الكفر بالنسبة إلى الظلمات، وتقديره الإيمان والتوحيد بالنسبة إلى النور؛ فكأننا أمام تشبيه تمت ترقيته إلى استعارة، فالكفر كالظلمات، والإيمان والتوحيد كالنور. تمت الترقية التي تزيد المعنى قوة وتأثيرًا في نفس المتلقي؛ لتصير كما عبر عنها ربنا في محكم آياته " لتخرج الناس من الظلمات إلى النور".
وامتدادًا لهذا المشهد الاستعاري المؤسس على التصريح أو التمثيل بالمشبه به وإقصاء المشبه من المشهد نجد أنفسنا أمام نمط استعاري يتصل بفن المثل، وتحديدًا بمضرب المثل؛ فعندما نستعير مركبًا لغويًا قيل في موقف معين إلى موقف يشابهه فإن هذه العملية تعد جزءًا بارزًا في فضاء الاستعارة. وعلى سبيل الاستشهاد نتوقف أمام هذه المقولة للعربي القديم التي صارت مثلًا: " الصيف ضيعت اللبن " لأن امراة قد خاصمت وفارقت زوجها الثري بسبب عيوب وجدتها فيه وذهبت إلى فقير لشدة رغبتها فيه؛ فقال لها من رغبته: لا أستطيع ليس عندي ما تبغين، فأرادت الرجوع إلى زوجها الأول نادمة فأبى؛ فقيل عنها هذا المثل، إنه يضرب في المواقف التي نجد فيها إنسانًا يفرط فيما يمكنه أن يحصل عليه بسهولة ثم هو يأتي بعد فوات الأوان وتغير الظروف ليحاول أن يدركه ثانيةً، بعد أن أصبح هذا مستحيلًا، وهو ما نطلق عليه في كلامنا اليومي لقد فات الأوان، لقد ضيع الفرصة، أو بالعامية المصرية الدارجة (بعد خراب مالطا) ؛ إن استدعاء المثل العربي القديم هذا في سياقات ومواقف مشابهة للسياق الأول الذي خرج فيه، يعد لونًا من ألوان الاستعارة، وهكذا الشأن بالنسبة إلى كل عملية كلامية نضرب فيها مثلًا؛ أي نستدعي فيه مثلًا للحكم أو الوصف أو إبداء الرأي في حال معين واقع أمامنا.
وهناك نوع في الاستعارة يطلق عليه الاستعارة التهكمية أو الاستعارة الساخرة، ولكي نفهم معنى هذه الاستعارة يمكننا الوقوف أمام قول ربنا " ذق إنك أنت العزيز الكريم " إن علينا أن نحيط بالسياق الذي تقال فيه، إننا في هذه الآية أمام الكفار الذين ادعوا لأنفسهم شرفًا ومجدًا وعلو مكان في الدنيا جعلهم يعترضون ويعزفون عن الإيمان بدعوة الأنبياء بحجة أن من يسيرون وراء الأنبياء هم من الضعفاء والفقراء، فكيف للغني والعظيم أن يكون مع هذا الفقير والضعيف في مكان واحد؛ لذا يأتي قول ربنا ليتهكم وليسخر من هؤلاء .
ويتضح هذا المعنى أكثر مع آية قرآنية أخرى هي قوله تعالى:" فبشرهم بعذاب أليم "، هنا تبدو العلاقة الضدية جلية بين البشرى والعذاب؛ إن كلمة بشرى يناسبها لفظ الجنة مثلًا، وكلمة العذاب يناسبها قول التهديد أو الوعيد، لكن القول القرآني قد ركب بين الضدين لغرض يريده؛ ألا وهو إظهار مدى الذل والاختقار والهوان لهذه الفئة في الآخرة، التي وضعت نفسها في مكانة أعلى من النبي ومن آمنوا برسالته، وانطلاقًا من هذا المنهج الأثير الذي وضعه لنا الإمام الرازي، صاحب التفسير الكبير أو مفاتح الغيب وغيره من المفسرين للقرآن الكريم المتمثل في مقولة: إن القرآن يفسر بعضه بعضا يتضح أننا بالإمكان أن نقيم وصلًا دلاليًا بين هذه السخرية من القوم الكافرين وقوله تعالى: "وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا " إن هذه الآية تفسر لنا العناد ومن ثم فإن قوله تعالى: "فبشرهم بعذاب آليم" هو سخرية إلهية من هذا الموقف الفكري الذي هيمن على سلوك تلك الفئة ومن سار على دربها في الدنيا، ومن الواضح أن مصطلح (المفارقة) الذي ظهر فيما بعد في حقل النقد الحديث قد استلهم من هذا اللون الاستعاري خطاه وهو يتشكل ويتبلور؛ ليكون مرتكزا لانطلاق رافدين في المعنى: الأول يسير في سياق فكري ونفسي له دلالته، والثاني يسير في سياق على النقيض؛ فالقارئ على سبيل المثال لرواية الأديب المصري رشاد بلال الحاملة عنوان: (كله تمام يا افندم) يجدها على مستوى التفاصيل متعارضه تمامًا مع ما يحتضنه فضاء العنوان من معانٍ؛ إن صاحبها يتناول فترة الستينيات في مصر، التي شهدت مدا اشتراكيا وحلما بوحدة تجمع الشعوب العربية في إطار قومية واحدة منطلقة من اللغة والثقافة التي يلتقي عندها أبناؤها، لكن كل ذلك قد تكسر مع هزيمة العام 1967 لمساوئ كثيرة شابت نظام الحكم وكان لها دورها المؤثر فيما أفضت إليه مجريات الأحداث على المستوى المرجعي؛ لذا تأتي الصياغة الأسلوبية للكاتب حاملة في طياتها سخرية وتهكمًا من خلال توظيف هذا التعبير المنطلق من القاموس اللغوي الدارج بين المصريين (كله تمام يا افندم) وتكمن المفارقة هاهنا في أن قارئه ينتقل به من دلالته الحرفية المباشرة إلى دلالة عكسية مغايرة تماما، عندما يتابع الحركة الدرامية الهابطة للبطل من الداخل، بموازة قراءته لهذه المرحلة التاريخية الدقيقة في حياة المجتمع المصري والمنطقة.
إن البلاغة إذًا تعد بمثابة شخصية المانح للناقد الذي يجد لقراءته الموظفة للمصطلح في حقل النقد جذورا في بلاغتنا العربية، ليس فقط بالنسبة إلى الاستعارة التهكمية، إنما التورية أيضًا في مبحث البديع تمثل منطلقا مفيدًا في قراءة هذه النوعية من النصوص المبنية على منطق السخرية.
وفي الختام نقول إن العلاقة بين التشبيه والاستعارة هي علاقة بين الأعلى والأدنى في سلم الخيال، فأول درجات الخيال التشبيه ثم نعلو أكثر وأكثر إلى الاستعارة التي تقوم على تماهي الطرفين في شيء واحد بأن نجعل المشبه عين المشبه به أو أن نجعل المشبه به عين المشبه؛ فيصيرا شيئًا واحدًا.