وقد كان الصحابةُ -لفهمهم لمراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ولعلمهم أنه لن يتوصل إلى هذا إلا بالفقه في العربية- يؤمرون بتعلُّمها:
فقد كتب عمر إلى أبي موسى: «أما بعد، فتفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن؛ فإنه عربيٌّ»[13].
وعن عمر رضي الله عنه أيضًا أنه قال: «تعلموا العربية؛ فإنها تزيد في المروءة»[14].
وقال أبيُّ بن كعب رضي الله عنه: «تعلَّموا العربية كما تتعلمون حفظ القرآن»[15].
وقد ورد عن جماعة من السلف أنهم كانوا يضربون أولادهم على اللحن[16].
وإليك أقوال علمائنا الجلية في هذه المسألة:
ذكر إمامنا الشافعيُّ رحمه الله أَنَّ على الخاصَّة الّتي تقومُ بكفاية العامة فيما يحتاجون إليه لدينهم الاجتهاد في تعلّم لسان العرب ولغاتها، التي بها تمام التوصُّل إلى معرفة ما في الكتاب والسُّنن والآثار، وأقاويل المفسِّرين من الصحابة والتابعين، من الألفاظ الغريبة، والمخاطباتِ العربيّة، فإنَّ من جَهِلَ سعة لسان العرب وكثرة ألفاظها، وافتنانها في مذاهبها جَهِلَ جُملَ علم الكتاب، ومن علمها ووقف على مذاهبها وفَهِم ما تأوَّله أهل التفسير فيها زالت عنه الشبه الدَّاخلةُ على من جَهِلَ لسانها من ذوي الأهواء والبدع[17].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه: «فإنَّ اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميّزون»[18].
وقال أيضًا: «وما زال السلف يكرهون تغييرَ شعائرِ العربِ حتى في المعاملات، وهو التكلّم بغير العربية إلَّا لحاجة، كما نصَّ على ذلك مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ، بل قال مالكٌ: «مَنْ تكلّم في مسجدنا بغير العربية أُخرِجَ منه»، مع أنّ سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها، ولكن سوَّغوها للحاجة، وكرهوها لغير الحاجة، ولحفظ شعائر الإسلام»[19].
وقال: «اعلم أنَّ اعتياد اللغة يؤثر في العقلِ والخلقِ والدينِ تأثيرًا قويًّا بيّنًا، ويؤثر أيضًا في مشابهةِ صدرِ هذه الأمّةِ من الصحابةِ والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقلَ والدينَ والخلقَ، وأيضًا فإنَّ نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرضٌ واجبٌ، فإنَّ فهم الكتاب والسنّة فرضٌ، ولا يُفهم إلَّا بفهم اللغة العربية، وما لا يتمُّ الواجب إلَّا به فهو واجب»[20].
وقال رحمه الله: «معلومٌ أنَّ تعلمَ العربية وتعليمَ العربية فرضٌ على الكفاية، وكان السلف يؤدِّبون أولادهم على اللحن، فنحن مأمورون أمرَ إيجابٍ أو أمرَ استحبابٍ أن نحفظ القانون العربي، ونُصلح الألسن المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنّة، والاقتداء بالعرب في خطابها، فلو تُرك الناس على لحنهم كان نقصًا وعيبًا»[21].
ونقل شيخ الإسلام عن الإمام أحمد كراهة الرطانة، وتسميةِ الشهورِ بالأسماءِ الأعجميّةِ، والوجهُ عند الإمام أحمد في ذلك كراهةُ أن يتعوَّد الرجل النطقَ بغير العربية.
وقال بعض العلماء: «وإنّما يعرف فضل القرآن مَنْ عرف كلام العرب، فعرف علم اللغة، وعلم العربية، وعلم البيان، ونظر في أشعار العرب وخطبها ومقاولاتها في مواطن افتخارها، ورسائلها»[22].
وعن الرحبي قال: «سمعت بعض أصحابنا يقول: إذا كتب لحانٌ، فكتب عن اللَّحَّان لحانٌ آخرُ؛ صار الحديثُ بالفارسية!»[23].
وقال العلامة بكر أبو زيد رحمه الله تعالى: «ابتعد عن اللحن في اللفظ والكتب، فإن عدم اللحن جلالة، وصفاء ذوق ووقوف على ملاح المعاني لسلامة المباني»[24].
وقال الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: «ما ذلّت لغة شعبٍ إلاّ ذلَّ، ولا انحطّت إلاّ كان أمره في ذهابٍ وإدبارٍ، ومن هذا يفرض الأجنبيُّ المستعمِر لغته فرضًا على الأمّة المستعمَرة، ويركبهم بها، ويُشعرهم عظمته فيها، ويستلحِقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكامًا ثلاثةً في عملٍ واحدٍ: أمّا الأول فحَبْس لغتهم في لغته سجنًا مؤبّدًا، وأمَّا الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محوًا ونسيانًا، وأمَّا الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها، فأمرُهم من بعدها لأمره تَبَعٌ»[25].
هذه شهادة علمائنا للعربية وأقوالهم في وجوب تعلمها خاصة لمن يطلب العلم الشرعي.
وقد يقول قائل: إننا نتعصب للغتنا، أقول: وحُقَّ لنا، لذلك سأورد بعض كلام غير العرب من المستشرقين الدارسين لعلوم العرب وحضارتهم، والحقُّ ما شهدت به الأعداء، فهاك بعض أقوالهم:
قال المستشرق المجري عبد الكريم جرمانوس: «إنَّ في الإسلام سندًا هامًّا للغة العربية أبقى على روعتها وخلودها فلم تنل منها الأجيال المتعاقبة على نقيض ما حدث للغات القديمة المماثلة، كاللاتينية حيث انزوت تمامًا بين جدران المعابد.
ولقد كان للإسلام قوة تحويل جارفة أثرت في الشعوب التي اعتنقته حديثًا، وكان لأسلوب القرآن الكريم أثر عميق في خيال هذه الشعوب فاقتبست آلافًا من الكلمات العربية ازدانت بها لغاتها الأصلية فازدادت قوةً ونماءً.
والعنصر الثاني الذي أبقى على اللغة العربية هو مرونتها التي لا تُبارى، فالألماني المعاصر مثلًا لا يستطيع أن يفهم كلمةً واحدةً من اللهجة التي كان يتحدث بها أجداده منذ ألف سنة، بينما العرب المُحدَثون يستطيعون فهم آداب لغتهم التي كتبت في الجاهلية قبل الإسلام»[26].
وقال المستشرق الألماني يوهان فك: «إن العربية الفصحى لتدين حتى يومنا هذا بمركزها العالمي أساسيًّا لهذه الحقيقة الثابتة، وهي أنها قد قامت في جميع البلدان العربية والإسلامية رمزًا لغويًّا لوحدة عالم الإسلام في الثقافة والمدنية، لقد برهن جبروت التراث العربي الخالد على أنه أقوى من كل محاولة يقصد بها زحزحة العربية الفصحى عن مقامها المسيطر، وإذا صدقت البوادر ولم تخطئ الدلائل فستحتفظ العربية بهذا المقام العتيد من حيث هي لغة المدنية الإسلامية»[27].
أقول: ولم لا وهي اللغة التي أنزل الله تبارك وتعالى بها كتابه، فهي محفوظة بحفظ الله تعالى لدينه؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، فحِفظُ اللغة العربية من تمام حفظ الدين.
وقال جوستاف جرونيباوم: «عندما أوحى الله رسالته إلى رسوله محمد أنزلها ﴿ قرآنًا عربيًّا ﴾، والله يقول لنبيِّه: ﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ﴾ [مريم: 97]، وما من لغة تستطيع أن تطاول اللغة العربية في شرفها، فهي الوسيلة التي اختيرت لتحمل رسالة الله النهائية، وليست منزلتها الروحية هي وحدها التي تسمو بها على ما أودع الله في سائر اللغات من قوة وبيان، أما السعة فالأمر فيها واضح، ومن يتتبع جميع اللغات لا يجد فيها على ما سمعته لغة تضاهي اللغة العربية، ويُضاف جمال الصوت إلى ثروتها المدهشة في المترادفات .وتزيّن الدقة ووجازة التعبير لغة العرب، وتمتاز العربية بما ليس له ضريب من اليسر في استعمال المجاز، وإن ما بها من كنايات ومجازات واستعارات ليرفعها كثيرًا فوق كل لغة بشرية أخرى، وللغة خصائص جمَّة في الأسلوب والنحو ليس من المستطاع أن يكتشف له نظائر في أي لغة أخرى، وهي مع هذه السعة والكثرة أخصر اللغات في إيصال المعاني، وفي النقل إليها، يبيِّن ذلك أن الصورة العربية لأيّ مثل أجنبيٍّ أقصر في جميع الحالات، وقد قال الخفاجي عن أبي داود المطران -وهو عارف باللغتين العربية والسريانية- إنه إذا نقل الألفاظ الحسنة إلى السرياني قبُحت وخسَّت، وإذا نُقل الكلام المختار من السرياني إلى العربي ازداد طلاوةً وحسنًا، وإن الفارابي على حقٍّ حين يبرّر مدحه العربية بأنها من كلام أهل الجنّة، وهو المنزُّه بين الألسنة من كل نقيصة، والمعلَّى من كل خسيسة، ولسان العرب أوسط الألسنة مذهبًا وأكثرها ألفاظًا»[28].
وقالت المستشرقة الألمانية هونكه: «كيف يستطيع الإنسان أن يُقاوم جمالَ هذه اللغة ومنطقَها السليم وسحرَها الفريد؟! فجيران العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صرعى سحر تلك اللغة، فلقد اندفع الناس الذين بقوا على دينهم في هذا التيار يتكلمون اللغة العربية بشغفٍ، حتى إن اللغة القبطية مثلًا ماتت تمامًا، بل إن اللغة الآرامية لغة المسيح قد تخلّت إلى الأبد عن مركزها لتحتلّ مكانها لغة محمد»[29].
وقال المستشرق الألماني كارل بروكلمان: «بلغت العربية بفضل القرآن من الاتساع مدى لا تكاد تعرفه أيُّ لغةٍ أخرى من لغات الدنيا، والمسلمون جميعًا مؤمنون بأن العربية وحدها اللسانُ الذي أُحِلّ لهم أن يستعملوه في صلاتهم...» [30].
فهذه دعوة لتصحيح المسار والبداية الحقة على طريق التمكين بالعودة الصحيحة الصادقة، وترتيب أولوياتنا في التعلم والتعليم.
وأوصي إخواني من طلبة العلم أن لا يزهدوا في تعلم العربية ويصبروا أنفسهم على تعلمها؛ والأمر ليس صعبًا كما هو موهوم، وليس مستحيلًا كما يزعم البعض، فبإمكانك أن تدرس كتابًا أو اثنين في النحو والصرف، وبعدها تراعي ما درسته في خطبك ودروسك، بل وفي كل كلامك، بهذا إن شاء الله نخطو خطوات واسعة نحو التمكين.
وأرشح للمبتدئ «التحفة السنية شرح المقدمة الآجرومية» للشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد.
ثم يرتقي إلى كتاب «قطر الندى وبل الصدى» لابن هشام، وشرحه لابن هشام أيضًا.
ثم ينتقل إلى ألفية ابن مالك وشروحها، ومن أنفع تلك الشروح شرح ابن عقيل.
ومن الكتب الميسرة في النحو: القواعد الأساسية للسيد أحمد الهاشمي، وجامع الدروس العربية للشيخ مصطفى الغلاييني.
وأغلب الكتب الماضية تجمع بين النحو والصرف.
ومن الكتب الخاصة بالصرف: شذا العَرْف في فن الصرف، للحملاوي، والصرف للمراغي، والتطبيق الصرفي للدكتور عبده الراجحي.
وهذه دعوة لإقامة الدورات والمحاضرات لمن فتح الله لهم القلوب من طلبة العلم والدعاة حتى يكونوا بفضل الله على قدر المسئولية الملقاة على عاتقهم حتى لا يشار إليهم بالنقص أو إن شئت بالجهل بأصل العلوم.
وهأنذا في الختام أهديكم بعض أبيات للشاعر حليم دموس أرجو أن تحفظوها وأن تعمموها:
لا تسلني في هواها
أنا لا أهوى سواها
يالقومي، ضيعوها
فدهاها ما دهاها
كلما صعدت آهًا
هتف الإخوان واها
ما أنا وحدي فداها
كلنا اليوم فداها
لغة الأجداد كوني
لحمة نحن سداها
وعلى بغداد فيضي
بركات في رباها
وعلى المغرب هبي
نسمة طاب شذاها
واسطعي في الشام نورًا
يتلالا في سماها
وهو القائل أيضًا:
لو لم تكُنْ أمُّ اللغاتِ هيَ المُنى
لكسرتُ أقلامي وعِفتُ مِدادي
لغةٌ إذا وقعتْ على أسماعِنا
كانتْ لنا بردًا على الأكبادِ
ستظلُّ رابطةً تؤلّفُ بيننا
فهيَ الرجاءُ لناطقٍ بالضّادِ
وتقاربُ الأرواحِ ليسَ يضيرهُ
بينَ الديارِ تباعدُ الأجسادِ
أفما رأيتَ الشمسَ وهيَ بعيدةٌ
تُهدي الشُّعاعَ لأنجُدٍ ووَهادِ
أنا كيفَ سرتُ أرى الأنامَ أحبّتي
والقومَ قومي والبلادَ بلادي
المصدر
ــــــــــــــــ
[1] متفق عليه: أخرجه البخاري (2834)، ومسلم (162) من حديث أبي هريرة.
[2] أخرجه أحمد في «مسنده» (4/ 103) حديث (16998)، من حديث تميم الداري، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط مسلم».
[3] أخرجه مسلم (82) من حديث تَمِيمٍ الدَّارِيِّ.
[4] أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (1/ 93) حديث (238) من حديث أبى هريرة، وحسنه الألباني في «صحيح الأدب المفرد» (1/ 107). .
[5] الكامل في التاريخ لابن الأثير (8/335).
[6] صفة الصفوة (2/ 252).
[7] اللغة العربية، التحديات والمواجهة (ص 17).
[8] اللغة العربية، التحديات والمواجهة (ص 16، 17).
[9] راجع «معجم الأدباء» (2/ 483).
[10] راجع «بغية الوعاة» (1/ 464، 465).
[11] انظر «تاريخ دمشق» (25/ 190).
[12] انظر «أخبار النحويين» (1/ 2).
[13] أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (10/ 456) برقم (30534).
[14] «الجامع» (2/ 25) للخطيب.
[15] أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (10/ 457) برقم (30535).
[16] «الجامع» (2/ 28، 29).
[17] «التهذيب» (1/ 5).
[18] «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص203).
[19] «الفتاوى» (32/ 255».
[20] «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص207).
[21] «الفتاوى» (32/ 252).
[22] «الفوائد المشوق إلى علوم القرآن» (ص 7).
[23] «الجامع» (2/ 28).
[24] «حلية طالب العلم» (ص 41).
[25] وحي القلم (3/ 33، 34).
[26] الفصحى لغة القرآن- للأستاذ/ أنور الجندي (ص 301).
[27] الفصحى لغة القرآن- للأستاذ/ أنور الجندي (ص 302).
[28] الفصحى لغة القرآن- للأستاذ/ أنور الجندي (ص 306).
[29] مجلة اللسان العربي (86/ 24) عن كتاب «شمس العرب تسطع على الغرب».
[30] (من قضايا اللغة العربية المعاصرة- المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ص 274).