الإجابة:
لم أظفر بطول شرح لهذه الجملة في شرح الحديث ، وأردّ ذلك إلى أن معناه واضح من البدَائه لا حاجة إلى أن يتكلف له شرح ، وكثير من الألفاظ والجمل ومسائل العلم لا تشكل على أولي العلم حتى تعبث بها الأذهان حين تخرج عن الجادّة فتتكلف معنى بعيدا ، قد يكون صحيحا في ذاته ولكنه غير مراد ، ولا يحتمله النصّ احتمالا ظاهرا ، ولا انفكاك للفطرة السوية والعقول الصحيحة عن الأخذ بالظاهر الذي لا دليل على ترك الأخذ به ولا قرنية ، و من هذا هذا ، وأوضح لك ذلك وأجيب عما سألت عنه في هذه الوجوه :
أحدها : القول ههنا على معناه المعروف ، وهو أن الراوي أراد تصوير الواقع والحكم عليه بأنّ طول قيامه صلى الله عليه وسلم بعد الرفع من الركوع يجعل من رآه أو صلّى معه يقول : قد نسي أنه في القيام الذي بعد الركوع ويظن أنه في القيام الذي قبله ، وفي هذا منزع لمن أراد يستدلّ لضم اليدين بعد الركوع ، ومنزع أيضا لمن يرى السدل في القيام مطلقا ، لأنه لا يقول القائل : قد نسي إلا إذا كانت الهيئة واحدة ، ويعكر عليه أن هذا لا يكون إلا إذا كان المأموم يرى الإمام ، وليس في الحديث أن القائل رآه ، ويقوي ذلك أن الرّاوي هو أنس بن مالك ، وكان صغيرا ، وكان الأقرب موضعا من النبي صلى الله عليه وسلم كبارهم .
الثاني : ورد في مسند أحمد عن أنس بوجه آخر صحيح ، ولفظه : حتى يقول القائل : لقد نسي " وهذه اللام التي للقسم لا يصح أن تكون مع القول الذي بمعنى الظن ولا يأتلف معه التركيب ، يوضحه الوجه :
الثالث : ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس أنه قال في صوم النبي صلى الله عليه وسلم : إنه كان " يصوم حتى يقول القائل : والله لا يفطر ، ويفطر حتى يقول القائل : والله لا يصوم "
و إجراء القول مجرى الظن هنا ممتنع ؛ لما تقدم .
الرابع : القول بمعنى الظن والتصوّر ليس لغة سُليم وحدها ، بل العرب و منهم سُليم يطلقونه على ذلك ، وإنما الفرق بين السُّلميِّين وغيرهم هو في إجراء القول مُجرى الظن في العمل ، فالسلميّون يُعملونه عمل الظن مطلقا ، أي : بلا شرط ، وغيرهم يعمله إذا كان مضارعا متصلا باستفهام .
الخامس : إن كان ذلك لغة سليم وحدها فإن أنسًا لم يكن سلميًّا ، وبعيد أن يتكلم بغير لغته وأن يخاطب قومًا بلهجة غيرهم
السادس : لا يشترط عند سليم لعمل القول أن يكون القول بمعنى الظن ، بل ينصبون به مفعولين مطلقا ، وهو ظاهر كلام سيبويه وكثير من الأئمة ، وأنا أظن أن هذه القبيلة بإحساسها الدقيق المرهف رأت أن القول -أيَّ قول – لا يخلو من شائبة اعتقاد وظن فأكسبته ذلك العمل الصالح وصار به عاملا ناصبا .. هذا جواب ما سألت عنه يا أخانا منصور على جهة الإيجاز ، وللراغب الأصفهاني بعض بسطٍ لمعنى القول في كتابه "المفردات" ولأبي إسحاق الشاطبي تفصيل في لغة سليم وعملها عند قول ابن مالك في الخلاصة :
وأجريَ القــــــولُ كظنٍّ مطلقــــا *** عند سليمٍ نحو قل: ذا مشفقا
.