وعلى الجواز بشرطه إنْ وجد ضميران جاز في أحدهما مراعاة اللفظ، وفي الآخر مراعاة المعنى، قال: (نحنُ الذين بايعوا مُحَمّدا = على الجهادِ ما بَقِينا أبَدا)، وقال: (أأنت الهلاَلِيُّ الذي كنتَ = سمعنا به، والأرحبيُّ المعلّقُ)، ومنع الكوفيون الجمع بين الجملتين إذا لم يفصل بينهما نحو: أنا الذي قمتُ وخرجتُ، فلا يجوز عندهم: وخرج، والبصريون أطلقوا.
قال أبو حيان: والسماعُ إنما ورد مع الفصل، انتهى كلام السيوطي]
وقال السائل: "لكن بعد البحث في الأحاديث الشريفة والشعر توصلت إلى نتيجة:
الضمير العائد في جملة الصلة يمكن أن يكون موافقا للمبتدأ، أي عائدا على المتكلم أو المخاطب، أو عائدا على الغائب.
هل أنتَ الذي أتيتَ أمس؟ نعم، أنا الذي أتيتُ أمس.
هل أنت الذي أتى أمس؟ نعم، أنا الذي أتى أمس."
[قلت: في كلام السيوطي تفصيل المسألة، وأمثلتك صحيحة بناء عليه]
وبقية سؤال السائل: "وفي هذا الحديث الشريف:
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ قَال سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيِّ أَنَّ نِسَاءً مِنْ أَهْلِ حِمْصَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ دَخَلْنَ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ أَنْتُنَّ اللاَّتِي يَدْخُلْنَ نِسَاؤُكُنَّ الْحَمَّامَاتِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا مِنْ امْرَأَةٍ تَضَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا هَتَكَتْ السِّتْرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا "
نجد في هذه الجملة: أَنْتُنَّ اللاَّتِي يَدْخُلْنَ نِسَاؤُكُنَّ الْحَمَّامَاتِ.
هل الضمير في (يَدْخُلْنَ) عائد على اللاَّتِي؟ و هل (نِسَاءُ) فاعل (يَدْخُلْنَ)؟ فإذا كان ذلك أفلا يجب أن يكون الفعل في صيغة المفرد؟
[يُحمل قولها رضي الله عنها على لغة قليلة وهي لغة أكلوني البراغيث، و(نون) يدخلن علامة تأنيث لا ضمير على رأي فلا يكون رابطا، ونساؤكن فاعل، أو النون فاعل، فتكون هي الرابط، ونساؤكنّ بدل منه، وجعلُ (نساء) فاعلاً، والنون في يدخلن علامة تأنيث، يجعل الكاف هي الرابط بين الصلة والموصول، والانتقال من ضمير الغيبة إلى الخطاب التفات، وجملة الصلة معرفّة للموصول، وهي هنا كذلك، وليست منبتة عنه بفضل الضمير، والنحاة سيرضون كثيرا لو قالت رضي الله عنها: أَنْتُنَّ اللاَّتِي تَدْخُلُ نِسَاؤُهُنَّ الْحَمَّامَاتِ]
وأعتقد أن حذف العائد جائز إن لم يرتّب عليه أجنبيةُ جملةِ الصلة من الموصول، ومن حذفه لأَمْن اللبس، المثال المشهور: الذي يقوم أخواك فيغضب هو زيدٌ، فجملة (يقوم أخواك) صلة خلت من العائد، وساغ ذلك؛ لأنه عُطف عليها بالفاء جملةٌ حوت العائد.
ختم السائل الكريم بقوله: "أرجو توضيح كل ذلك. وأرجو عدمَ إهمال هذه الأسئلة والإجابةَ قدر الإمكان بسرعة. وجزاكم الله خيرا ودمتم عونا وذخرا لخدمة دين الله عز وجل.
[وأقول: جُزيت خيرا على سؤالك واجتهادك، وأرجو ألا يكون في الإجابة خطأ أو قصور، وألا أكون قد تأخرت عليك كثيرا، وإليك فائدة أخرى من الهمع: "يُغني عن الضمير العائد اسمٌ ظاهر حُكي: أبو سعيد الذي رويت عن الخدري، أي: عنه، وقال: (وأنتَ الذي في رحمة الله أطمعُ)، أي: رحمتك، قال الفارسي: ومن الناس من لا يجيز هذا"].
اللجنة المعنيّة بالفتوى
أ.د.سعد حمدان
(عضو المجمع)
أ.د. عبد الرحمن بودرع
(نائب رئيس المجمع)
د. عبد العزيز بن علي الحربي
(رئيس المجمع)