الكاتب: أ.د.محمد يعقوب تركستاني.
يَسْتَعْمِلُ بَعْضُ الْمُعَاصِرِينَ -فِي فُصْحَانَا الْمُعَاصِرَةِ- صِيغَةَ (الْمُخَدَّرَاتِ) هَكَذَا: بِفَتْحِ الدَّالِ المُشَدَّدَةِ؛ فِي نَحْوِ قَوْلِهِمْ: (عَلَيْنَا أَن نُحَارِبَ الْمُخَدَّرَاتِ) يُرِيدُونَ: عَلَيْنَا أَن نُحَارِبَ كُلَّ مَا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ وَالإِدْرَاكَ، وَيُعَطِّلُ الإِحْسَاسَ؛ مِن شَرَابٍ أَوْ أَكْلٍ؛ مِنْ خمُورٍ أَوْ حُبُوبٍ أَوْ نَبَاتٍ. وقولهم: (إِدَارَةُ مُكَافَحَةِ الْمُخَدَّرَاتِ) يُرِيدُونَ: الإِدَارَةَ المَعْنِيَّةَ بِمُحَارَبَةِ هَذِهِ الآفَاتِ، وَالتَّصَدِّي لِعِلاجِ أَسْبَابِهَا وَنَتَائِجِهَا.
وَالصَّوَابُ أَن يَسْتَعْمِلُوهَا بِصِيغَةِ (الْمُخَدِّرَاتِ) هَكَذَا: بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ؛ وَيَقُولُوا: (عَلَيْنَا أَن نُحَارِبَ الْمُخَدِّرَاتِ)، وَ(إِدَارَةُ مُكَافَحَةِ الْمُخَدِّرَاتِ)؛ لأَنَّ (الْمُخَدَّرَاتِ) فِي اللُّغَةِ شَيءٌ، وَ(الْمُخَدِّرَاتِ) شَيءٌ آخَرُ. فَيَلْزَمُ اسْتِعْمَالُ كُلٍّ مِّنْهُمَا لِمَا وُضِعَ لَهُ.
فَالْمُخَدِّرَاتُ هِيَ: جَمْعُ (مخُدِّرٍ) عَلَى وَزْنِ: مُكَبِّرٍ وَمُعَظِّمٍ، وَهِيَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ: خَدَّرَ، وَمَعْنَى خَدَّرَ: غَيَّبَ الْعَقْلَ وَالإِدْرَاكَ، وَعَطَّلَ الإِحْسَاسَ. وَمِنْهُ: خَدَّرَهُ الشَّرَابُ. وَتُخَدِّرُهُ الْحُبُوبُ. فَهْوَ مُخَدَّرٌ . وَمِنْهُ: التَّخْدِيرُ الْكُوكَايِينِيُّ فِي الطِّبِّ؛ وَهُوَ تَعْطِيلُ الإِحْسَاسِ
-مَوْضِعِيًّا- بِالْكُوكَايِينِ. وَأَصْلُهُ مِنَ: الْخَدَرِ؛ وِهُوَ: الْكَسَلُ وَالْفُتُورُ. وَمِنْهُ: الخَادِرُ: الْفَاتِرُ الْكَسْلانُ. وَالْخَدِرُ: النَّاعِسُ. والْخَدِرُ مِنَ الظِّبَاءِ: الْفَاتِرُ الْعِظَامِ. وَالْخَدُورُ مِنَ الدَّوابِّ: الْمُتَخَلِّفُ الَّذِي لَمْ يَلْحَقْ.
وَالْعَلَاقَةُ وَاضِحَةٌ بَيْنَ مَعْنَى: الْخَدَرِ؛ وَهُوَ الْكَسَلُ وَالْفُتُورُ، وَمَعْنَى: التَّخْدِيرِ؛ وَهُوَ: تَغْيِيبُ الْعَقْلِ وَالإِدْرَاكِ، وَتَعْطِيلُ الإِحْسَاسِ؛ فَكِلَاهُمَا فِيهِ مَعْنَى سَتْرِ شَيءٍ.
أَمَّا (الْمُخَدَّراتُ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ؛ فِي نَحْوِ قَوْلِهِمْ: (عَلَيْنَا أَن نُحَارِبَ الْمُخَدَّرَاتِ) فَهِيَ جَمْعُ:(الْمُخَدَّرَةِ) عَلَى وَزْنِ: الْمُحَصَّنَةِ، وَالْمُكَرَّمَةِ. وَهِيَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ: خَدَّرَ يُخَدِّرُ فَهُوَ مُخَدَّرٌ. فَالْمُخَدَّرَاتُ هُنَّ: النِّسَاءُ اللَّوَاتِي تَمَّ تَغْيِيبُ عُقُولِهِنَّ وَإِدْرَاكِهِنَّ، أَوْ هِيَ الدَّوَابُّ الَّتِي تَمَّ تَعْطِيلُ إِحْسَاسِهَا. وَشَتَّانَ مَا هُمَا: مَعْنَى (الْمُخَدِّرَاتِ) بِكَسْرِ الدَّالِ المُشَدَّدَةِ، وَمَعْنَى (الْمُخَدَّرَاتِ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ. شَتَّانَ مَا هُمَا: صِيغَةُ اسْمِ الْفَاعِلِ وَصِيْغَةُ اسْمِ الْمَفْعُولِ. شَتَّانَ مَاهُمَا: مَعْنَى الآفَاتِ الَّتِي تُغَيِّبُ هِيَ العَقْلَ، وَمَعْنَى النِّسَاءِ اللَّوَاتِي يَقَعُ عَلَيْهِنَّ فِعْلُ تَغْيِيبِ الْعُقُولِ.
وَلِلْمُخَدَّرَاتِ -بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ- مَعْنىً آخَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. فَالْمُخَدَّرَاتُ هُنَّ: الْكَرِيمَاتُ مِنَ النِّسَاءِ؛ اللَّوَاتِي لَا يَبْرَحْنَ خُدُورَهُنَّ؛ فَهُنَّ يَتَسَتَّرْنَ مِنَ الرِّجَالِ.
وَالْخِدْرُ -فِي الْعَرَبِيَّةِ- سِتْرٌ يُمَدُّ لِلْجَارِيَةِ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ. ثُمَّ صَارَ كُلُّ مَا وَارَاكَ مِن بَيْتٍ وَنَحْوِهِ خِدْرًا. وَالْجَمْعُ: خُدُورٌ. يُقَالُ: جَارِيَةٌ مُّخَدَّرَةٌ؛ إِذَا أُلْزِمَتِ الْخِدْرَ. وَأَسَدٌ خَادِرٌ؛ أَيْ: مُقِيمٌ فِي عَرِينِهِ دَاخِلٌ فِي الْخِدْرِ. وَمُخَدِرٌ؛ إِذَا كَانَ فِي خِدْرِهِ؛ وَهُوَ بَيْتُهُ. فَالْمُخَدَّرَاتُ: الْمَسْتُورَاتُ الْمُسْتَكِنَّاتُ فِي بُيُوتِهِنَّ.
وَعَلَيْهِ؛ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: (عَلَيْنَا أَن نُحَارِبَ الْمُخَدَّرَاتِ) هُوَ: عَلَيْنَا أَن نُحَارِبَ الْمَسْتُورَاتِ الْمُسْتَكِنَّاتِ فِي بُيُوتِهِنَّ. وَلَيْسَ هَذَا هُوَ مُرَادَهُمْ. إِنَّمَا مُرَادُهُمْ هُوَ: عَلَيْنَا أَن نُحَارِبَ الْمُسْكِرَاتِ، وَكُلَّ مَا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ وَالإِدْرَاكَ فِي الإِنسَانِ، وَيُعَطِّلُ إِحْسَاسَهُ وَوَعْيَهُ. وَيُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى قُوْلُنَا (عَلَيْنَا أَن نُحَارِبَ الْمُخَدِّرَاتِ) بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ؛ أَيْ: بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ.
وَيُنظَرُ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ؛ الْجُزْءُ الثَّانِي؛ الصَّحِيفَةُ التَّاسِعَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ. وَلِسَانُ الْعَرَبِ؛ الْجُزْءُ الرَّابِعُ، الصَّحِيفَةُ الثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ. وَالْقَامُوسُ الْمُحِيطُ؛ الصَّحِيفَةُ التِّسْعُونَ بَعْدَ الْأَرْبَعِمِائَةِ.